جامعة أكلي محند أولحاج البويرة

 

قسم الشريعة

سنة ثانية أصول الدين                                           2021/2022  

 

المقياس :عقيدة إسلامية                               الأستاذة د: أنيسة زغدود

 

السداسي الرابع

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة  :

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجدله وليّا مرشدا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله.

هذه دروس العقيدة الإسلامية للسداسي الرابع لطلبة سنة ثانية أصول الدين .و بالله التوفيق.

 مفردات المقياس :  العقيدة الإسلامية

محتوى المادة:

-(السمعيات)

أولا: عالم الملائكة والجن

ثانيا: اليوم الآخر

1- طريقة القرآن في عرض الحياة الآخرة وإثباتها

2- مسؤولية الإنسان العظمى والحياة الآخرة

3- أثر الإيمان بالحياة الآخرة والحساب


 تعريف السمعيات:

السَّمْعِيَّاتِ لغة :السمعيات كلمة منسوبة إلى السمع من سمع يسمع سمعا، قال الخليل بن أحمد السمع: الأذن»1.وقال ابن منظورالسمع: حس الأذن»2.

السَّمْعِيَّاتِ اصطلاحاً:"مَا كَانَ طَرِيقُ الْعِلْمِ بِهِ السَّمْعَ الْوَارِدَ فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ وَالْآثَارِ مِمَّا لَيْسَ لِلْعَقْلِ فِيهِ مَجَالٌ". والسمعيات: نسبة إلى السمع وسميت بهذا الاسم، لأنها تسمع سماعاً من الوحي فقط. ولم يكن للعقل فيها مدخل في إثباتها أو نفيها.

والسمعيات تُعرف أيضا باسم آخر وهو الغيبيات، والمقصود بها "كل ما لا سبيل إلى الإيمان به إلا عن طريق الخبر اليقيني. ".من ذلك الإسراء والمعراج. مجيء ملك الموت إلى موسى صلى الله عليه وسلم .أشراط الساعة.فتنة القبرعذاب القبر أو نعيمه.النفخ في الصور‏. البعث والحشر . الشفاعة. الحساب. الموازين. نشر الدواوين.الحوض. الصراط. العبورعلى الصراط وكيفيته، الجنة والنار.أهل الجنة وأهل النار.

موضوع السمعيات:

ونقصد بالسمعيات: المسائل التي لا تتلقى إلا عن طريق السمع، ولا تأخذ إلا من الوحي ، أي ما جاء بها القرآن، والسنة الصحيحة، فلا قدرة لحواسنا البشرية على معرفة كنهها وكيفيتها وبالتالي لا يستطيع العقل البشري أن يستقل بمعرفتها أو إدراكها. وهذا السبب هو الذي دعا بعض العلماء إلى إطلاق اسم السمعيات عليها، فهي تتعلق بعالم الغيب، وأحداث اليوم الآخر، وما فيه من مشاهد ومواقف كالحشر والميزان والصراط ،والعرش واللوح والجنة والنار وغيرها من مباحث الغيب. 

 ونجد ابن خمير السبتي (ت.614هـ) في "كتابه مقدمات المراشد إلى علم العقائد" قد وضع مقدمة ذكر فيها السمعيات التي يجب الإيمان بها ثم فصَّل الكلام في كيفية الموت، وسؤال القبر وعذابه ونعيمه، والحساب والإعادة والصحف والميزان، والحوض والشفاعة، والصراط والجنة .

حكم الإيمان بالسمعيات : وكل ما ثبت عن النبي، (صلى الله عليه وسلم)، من أخبار فهو حق يجب تصديقه سواء شاهدناه بحواسنا، أو غاب عنا،وسواء أدركناه بعقولنا أم لم ندركه . والعقل الصحيح السليم يصدق بها لأنها أخبار صحيحة وصادقة. والبحث في السمعيات أو مسائل الغيب يكون من حيث اعتقادها وهو يقوم على دعامتين: الإقرار بها مع التصديق ويقابله الجحود والإنكار لها، الإمرار لها مع إثبات معناها ويقابله الخوض في الكنه والحقيقة، ومحاولة التصور والتوهم بالعقل بعيدا عن النقل. وضابط السمعيات: أن العقل لا يمنعها ولا يحيلها، ولا يوجبها ، فمتى ما صح النقل عن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم فإن الواجب اعتقاد ذلك والإقرار به، ودفع كل تعارض موهوم بين شرع الله وهو الوحي وبين خلقه وهو العقل. والقاعدة الذهبية هو أنه لا يتعارض وحي صحيح مع عقل صريح.

 مصدر العلم بالسمعيات: هو الوحي أي الكتاب والسنة الصحيحة . وأساس الاِيمان  بالسمعيات هو الإيمان بالله تعالى فهو أول غيب يجب الإيمان به .بعد ذلك نؤمن بكل ما أخبرنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. والفرق الأساسي بين المؤمن والكافر هو مسألة الإيمان بالغيب لقوله تعالى :( الم ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) البقرة:1، 2، 3.

فما هو الغيب ؟

مفهوم الغيب لغة واصطلاحًا:

تعريف الغيب لغة:  غيب: الغين والياء والباء أصلٌ صحيح يدل على تستُّر الشيء عن العيون، ثم يقاس من ذلك الغَيْب: ما غَابَ مما لا يعلمه إلا الله، ويقال: غابت الشمس تَغِيب غَيْبَةً غُيُوبًا.

الغيب اصطلاحا: الغيب كل ما غاب عنك فلم تشهده بأي وسيلة من وسائل المشاهدة. و المشاهدة هنا ذات معنى عام و لا يقصد بها الرؤية البصرية و إنما كل ما تكون شاهداً عليه إبصاراً أو سماعاً أو رصداً أو قياساً أو إخباراً من شاهد.

وقد جاء على عدّة معانٍ منها: الغيب هو كلّ ما غاب عن الناس بأمرٍ من الله وتقديره كالبعث والحساب والجزاء والجنة والنار والملائكة. والغيب أيضًا بمعنى الوحي والقرآن الكريم. كما جاء الغيب أيضًا بمعنى الأحداث القدرية. إلى جانب معانٍ تدل على عدم الإدراك للشيء بالحواس الخمس.

فما هو عالم الغيب ؟

تُعرف كلمة العَالَمُ في اللُغة: بأنّها كُل ما خلقه الله، وقيل: كُلّ شيءٍ موجود في الفلك، وقيل إنّ كُلّ صنفٍ من المخلوقات يُسمّى عَالَم، كعَالَم الإنسان، وعَالَم الحيوان، وعَالَم النبات.

تعريف عالم الغيب في الاصطلاح: وعرّفه بعض العُلماء بأنّ كُلّ ما غاب عن النظر يطلق عليه غيب. .و حاصله أنه : هو ما غاب عن حس الناظرين من الموجودات .هو "عالم ذو طبيعة عقلية معنوية متعالية عن المادة؛ ولذلك فإنه ليس بعالم قابل للشهود الإنساني، بل يدرك الإنسان ثبوته وآثاره فحسب كالموجود الإلهي، ووجود الملائكة، والجن، والجنة والنار، وغيرها من الموجودات الغيبية، والله تعالى وحده الذي يحيط علمه بعالَمَي الغيب والشهادة جميعًا". 

أقسام الغيب: ينقسم بالغيب باعتبار العلم به إلى نوعين: الغيب المطلق والغيب النسبي.

الغيب المُطلق: وهو الغيب الذي لا يعلمه إلّا الله، ولم يطّلع عليه أحدٌ من خلقه، وقد دلّت آياتٌ كثيرةٌ على هذا النوع، كقوله -تعالى-: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)،النمل : 65. ولقوله -تعالى-: ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)،الأنعام :59.

 ومن أمثلته العلم بوقت قيام الساعة، والموت من حيث زمانه ومكانه وسببه، وبعض ما سمى الله تعالى به نفسه .وقد بيّن الله هذه المفاتيح، بقوله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).لقمان :34 . وقال صلى الله عليه وسلم في بعض دعائه : (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك .)
الغيب النسبي: وهو الغيب الذي يكون معلوماً لبعض الخلق، ولا يكون معلوماً لآخرين، فيكون غيباً بالنسبة للشخص الجاهل به، وهذا النوع من الغيب يمكن معرفته بطرقٍ عديدة كالوحي إلى الرسل الذين يبلغونه إلى الناس ،ومن أمثلة ذلك ما جاء من أخبار الجن في قوله تعالى : (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِفَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا )الجن : 1-2 .

ومنها ما كان غائبا عن البعض مثل الحوادث التاريخية، فإنها غيب بالنسبة لمن لم يعلم بها ، لذلك قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر قصة آل عمران : (ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) آل عمران :44.

ومنها كل ما غاب عن الحس بسبب بعد الزمان ( المستقبل ) أو( المكان)  أو غير ذلك حتى ينكشف ذلك الحجاب الزماني أو المكاني بوسائل المعرفة و العلم ، كما حدث مع الجن  بالمشاهدة للأثر كما في قوله تعالى : (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ) سبأ:14وذلك في موت سليمان عليه السلام.

وما هو عالم الشهادة ؟   

عالم الشهادة لغة : شهد: الشين والهاء والدال، أصلٌ يدلُّ على حضور وعلم وإعلام.يقال شَهِد الرجل على كذا... والمشاهدة: المعاينة. وشَهِدَهُ شُهوداً، أي حَضَرَه، فهو شاهدٌ. ..وشَهِد له بكذا شَهادةً، أي أدَّى ما عنده من الشهادة، فهو شاهِدٌ.

عالم الشهادة في الاصطلاح: هو عالم الأكوان الظاهرة و المحسوسات الطبيعية .وهو خلاف عالم الغيب. وهو كل ما كان من الموجودات أمام نظر الإنسان يشاهده و يدركه بإحدى حواسه كالحيوان، والنبات، والجماد .وكل ما تدركه الحواس يدركه العقل."فعالم الشهادة وما يجري فيه من تفصيلات وإجماليات تجريبية يعرف بالملاحظة بوساطة العقل والحواسِّ، ويقوم العقل بالاستنباط مما يلاحظه بالاستقراء والاستنتاج بتقديم معرفة عنه."

أقسام عالم الشهادة : هما قسمان:

 الأول: الآفاق و هي الكون الفسيح . وقد أمر الله الإنسان أن يتفكّر بعقله في الكون في أكثر من آيةٍ، مثل قوله -تعالى-: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ*وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ*تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) ق:6.

 والثاني: الأنفُس. قال الرازي: "المراد منها الدلائل المأخوذة من كيفية تكوُّن الأَجِنَّة في ظلمات الأرحام، وحدوث الأعضاء العجيبة، والتركيبات الغريبة".

وأمر الله في كتابه الكريم في آيات كثيرة بالنظر في هذا التكوين العجيب الذي خلق عليه الإنسان، مقرونًا ببيان الحكمة من ذلك تارة كما في قوله تعالى: ﴿ مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا نوح: 13- 14.

وقد ذكرهما الله بقوله: (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)فصلت :53 ، فيكون للإنسان التفكّر في السماوات والأرض و في الإنسان . 

وهذا العَالَم يُكسب المُسلم التمسّك بدينه، لما يرى ويُشاهد من الآيات الدالة على قُدرة الله وعظمته، وخاصّةً في النفس، والكون، وبذلك يزداد إيماناً بالله وبكلّ شيءٍ غاب عنه؛ لوجود بعض الأمثلة من عالم الغيب في عالم الشهادة؛ كإحياء الأرض الميتة الدالّة على قدرة الله على إحياء الموتى .

العلاقة بين عالم الغيب وعالم الشهادة

يفرّق بين العَالَمين بالإيمان بهما؛ فعالم الشهادة يستوي فيه جميع الناس، فلا أحد يستطيع إنكاره، أمّا عَالَم الغيب فهو ميزان التفاضل عند الله، وبه يصل الإنسان إلى درجة المُتقين؛ لأنّ الإنسان يؤمن ويصدّق بشيءٍ لا يراه، قال الله -تعالى- في صفات المتقين: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ). البقرة: 3.

 ( العلاقة بين ميدان الشهادة وميدان الغيب،بليل عبد الكريم ) :

وبتدبُّر آيات القرآن الكريم نجد عالَمَي الغيب والشهادة متكاملَين، يذكران معا (الظواهر الكونية مع بعض المخلوقات من عالم الغيب؛ كتسبيح الرعد بحمده والملائكة) في قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ الرعد: 12- 13.

وكذلك ذكر العرش - وهو من الغيب - مع الظواهر الكونية: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ [الرعد: 2.

والاستدلال على البعث بمقدِّمات الإحياء للنبات في ميدان الآفاق من عالم الشهادة؛ ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ الحج: 6 – 7.
وجميع مكوِّنات الوجود - غيبًا كان أم شهادة - هي مستسلمة لله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ الرعد: 15، ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا الإسراء: 44.

 وأقسم تعالى على صدق الوحي بعالمي الغيب والشهادة مطلقًا؛ ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ الحاقة: 38- .

 " فمهمَّة الوحي في عالم الشهادة تتمثَّل في إمداد الإنسان بالعلم المتَّصل بعالم الغيب؛ ليربطه به فينشأ تكامل للوحي مع العقل والكون، ويتمكَّن الإنسان من تحقيق غاية وجوده في عالم الشهادة، ولن يستردَّ العقل المسلم عافيته إلا أن يستعيد رؤيته الإسلامية الكاملة، المبنية على التوحيد والوحدانية؛ ليتوحَّد عالم الغيب مع عالم الشهادة، والوحي مع العقل والكون".

ممَّا سبق يمكن إبراز التكامُل بين العالمين عالم الغيب وعالم الشهادة في مظهرين:
الأولوجود أدلة عالم الغيب في عالم الشهادة
الثانيبروز المخلوقات من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ثم تنتقل من عالم الشهادة إلى عالم الغيب بانتظام واطِّراد، ومن الأمثلة على ذلك ظواهر الولادة والموت في عالم الإنسان".
الإيمان بالغيب وأثره في الحياة
والإيمان المطلق بكل ما غاب عن السمع والبصر له أثرٌ كبير في حياة الفرد والمجتمع ومن تلك الآثار والجوانب الإيجابية:

 -تنمية التقوى لدى الشخص بمراقبة الله عز وجل له في السر وفي العلن.

-استشعار رعاية الله عز وجل للبشرية على اختلاف الأزمنة والأماكن.

-يكون الإنسان مدركاً للغاية من وجوده ولوجود العقاب والجزاء.

- إن الإيمان بالغيب يسهم في زيادة حصانة الإنسان من الوقوع في شر الخرافات والدجل والشعوذة.

-يدرك الإنسان حقيقة أن الحياة الحقيقية هي الحياة الآخرة، وأنّ الدنيا ما هي إلا معبر للحياة الآخرة لذا عليه الاستعداد لذلك اليوم بالعمل الصالح.

- الشعور بالطمأنينة والرضى والتسليم بأمر الله في النفس والكون، والبعد عن الانشغال بما لا تدركه العقول والحواس.

 لكن عالم الغيب لا يدرك بالحواس فكيف يعرف ؟

هناك من الحسيين والتجريبيين من لا يؤمن بعالم الغيب لأنه لا يتعرف عليه بحواسه فيقول :الله لا أراه  إذن غير موجود ،  لا أسمع عذاب القبر إذن غير موجود.

 فهذا صنف من الناس مادي التفكير فهل تكفي الحواس للحكم على شيء بأنه موجود أو غير موجود ؟

  الحواس لا تكفي لأنها تخطئ مثل الخداع البصري .و الحواس محدودة .و مجال الإدراك الحسي محدود بين العتبة الدنيا والقصوى .والإحساسات آنية جزئية فردية  ذاتية لا تنتقل، فهي إذن لا ترقى إلى مستوى العلم لأن العلم يقوم على التعميم والتجريد.

إذن فلا يوثق في الحواس لأنه يمكن أن يكون هناك موجودات لا تسجلها هذه الحواس ولا تدركها.

الاستنتاج : الحسيون الماديون ضيقوا واسعاً فالموجودات منها ما هو حسيي يدرك بالحواس ومنها ما لا يدرك بالحواس " الغيبيات " إذن فليس كل ما لا يدرك بالحواس غير موجود.

 فكيف تعرف السمعيات ؟

الإنسان بعقله قد يصل إلى إثبات بعض الغيبيات كوجود الله، وكإدراكه لبعض الأمور الغيبية التي لها مثيل في عالم الشهادة كالاستدلال على النشأة الآخرة بالنشأة الأولى.  ولكنّه لا يستطيع أن يصل إلى إثبات كُلّ الغيبيات إلّا بوحي، والمعرفة المُكتسبة من الوحي تكون يقينيةً؛ لأنّ في الوحي يتلقّى العلم من الله، ودلالته على المعرفة الدينية دلالةً شرعيةً سمعيةً عقليةً.

والحسّ وهو وسيلة الإدراك المباشرة، وبداية طريق الإنسان نحو المعرفة، لا يستطع الإنسان به أن يُدرك جميع الأشياء، ولكن لا بدّ له من النقل والعقل ليكون منهجاً مُتكاملاً، فمن رحمة الله -سبحانه- بعباده أن عدّد مصادر المعرفة، فلو بَقِي الإنسان يعتمد على حواسه فقط لبَقِي عاجزاً عن إدراك ما وراء المادة.

تعرف السمعيات بأمرين هما:

الخبر: ويقصد به النص القرآني والحديث النبوي الصحيح.

الأثر: وهو ما يدل على المؤثِّر.

فالخبر الصادق وهو القرآن والحديث الصحيح يدل على الغيبيات. وكذلك آثار الموجودات الغيبية التي تدرك بالحواس تدل على وجودها باستنتاج العقل، لكن العقل بعد أن يقر بوجودها يظل جاهلا بحقيقتها.

و حينما دعا القرآن الناس إلى الإيمان بأصول الغيب وجَّههم إلى بلوغ الإيمان من طريق البحث العلمي؛ فحثَّهم على استخدام أدواتهم المعرفية للتفكُّر والتدبُّر في دلائل القدرة وسعة العلم الدالَّة على قدرة الخالق، وأرشدهم إلى أن هذه الدلائل منبثَّة في السماء والأرض وفي أنفسهم وفيما حولهم؛ ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [ق: 6 - 8]، ففي هذا إثارة للعقل الإنساني بما يوصله إلى الاطمئنان للخبر الصادق، ويقوده هذا إلى الركون لتفصيلات الغيب، وأن لا طاقة له بها؛ حيث لم يستوعب ما هو في مجاله في الشهادة، وعجز عن كثير مما هو فيها، فكيف به مع ما هو خارج عن نطاقه؟!   وهذا يصدق في الغيب الذي لا يصبح من عالم الشهادة، أمَّا ما يمكن أن يدرك فيصبح من عالم الشهادة فالبحث فيه يطوله الحس والعقل.

  انتهى  

 

 

 

 

أولا: عالم الملائكة وعالم الجن  :

  الملائكة والجن من عالم الغيب لا نراهم ولكن جاءتنا معرفة عنهم من الخبر.

عالم الملائكة : الإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور: 

الأول : الإيمان بوجودهم.

الثاني : الإيمان بمن عُلم اسمه منهم باسمه (كجبريل) ومن لم يُعلم أسماءهم يُؤمن بهم إجمالاً.

الثالث : الإيمان بما عُلم من صفاتهم.

الرابع : الإيمان بما عُلم من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله تعالى كتسبيحه، والتعبد له ليلاً ونهارًا بدون ملل ولا فُتُور.

يُعَدّ الإيمان بالملائكة الرُّكن الثاني من أركان الإيمان، قال -تعالى-: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّـهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ) البقرة: 285.
والإيمان بهم يعني: التصديق، واليقين بوجودهم، وإعطاؤهم المنزلة التي مَنحهم الله -سبحانه- إيّاها، والإقرار بأنّهم عِبادٌ لله مأمورون، ومُكلَّفون منه، لا يقدرون على شيءٍ إلّا بأمر منه، وأنّهم رُسُله، قال تعالى: ﴿ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ الحج: 75، 76
من هم الملائكة ؟

خَلْق الملائكة: خَلْق الملائكة مُتقدِّمٌ على خَلق بني آدم، لقول الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ).البقرة :30

 خلق الله -سبحانه- الملائكة من نورٍ بدليل ما رُوِي عن أمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنّ الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- قال: (خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ الجانُّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ ممَّا وُصِفَ لَكُمْ). صحيح مسلم.

- مسكنهم السماء، وإنما يهبطون منها إلى الأرض أو غيرها من جِهات الملكوت تنفيذًا لأمر الله تعالى قال تعالى: ﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ [الأنبياء: 19].

-لا يتّصفون بالذكورة أو الأنوثة، فقد كذَّب الله المشركين على وصْفهم لهم بذلك؛ فقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا النجم: 26 - 28. 
-  ومتطهرون من الشهوات، لا يأكلون ولا يشربون ، ولا يتناسلون ولا ينامون. 

-لهم القدرة على التشكُّل بصورٍ مختلفةٍ، ومثال ذلك إرسالهم على هيئة بشرٍ كما أرسل الله إلى إبراهيم عليه السلام ، ومريم -عليها السلام- قال تعالى: (فَأَرسَلنا إِلَيها روحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا). مريم: 17
- امتلاك الأجنحة، وتختلف فيما بينها بالعدد، قال -تعالى-: (الْحَمْدُ لِلَّـهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّـهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). فاطر: 1
صفات الملائكة الخُلقيّة :

تتّصف الملائكة  بالأخلاق الفاضلة الكريمة البارة ، قال -تعالى-: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ)، عبس: 15-.16.و من تلك الصفات: الحياء. ودليله ما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (أَلَا أَسْتَحِي مِن رَجُلٍ تَسْتَحِي منه المَلَائِكَةُ). صحيح مسلم.

-و الخوف من الله -سبحانه- وخشيته، قال -تعالى-: (يَخافونَ رَبَّهُم مِن فَوقِهِم وَيَفعَلونَ ما يُؤمَرونَ). النحل: 50.

- و عدم معصية الله لقوله تعالى:(يا أيّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم:06

-و عبادة الله، وطاعته دون فتورٍ أو مللٍ، ومن عباداتهم: دوام ذِكرهم لله -تعالى-، ومنه التسبيح كما قال الله -عزّ وجلّ-: (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) . الزمر، آية: 75

﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ الأنبياء: 19، 20.
ومنهم مَن هذا شأنه أبدًا فهم صفوفٌ لا يفترون، ومنهم سُجَّد لا يرفَعون منذ خلقهم الله، كقوله صلى الله عليه وسلم:"أطَّت السماءُ وحُقَّ لها أنْ تئطَّ، ما فيها شبرٌ؛ وفي رواية: أربع أصابع - إلا وملك قائم أو راكعٌ أو ساجد؛ وفي روايةٍ: لا يرفعون رُؤوسهم - منذ خلَق الله السماوات والأرض - وفي رواية: لا يرفَعونها إلى يوم القيامة". خرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد .

 -و العلم الوفير؛ فقد تلقّت الملائكة عِلمها من الله -سبحانه-.قوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ الانفطار: 12؛ فالآية على عمومها لكتابة الأعمال ظاهرها وباطنها.
- وتنظيم الأمور والشؤون، قال الرسول -عليه الصلاة والسلام-: (ألَا تَصُفُّونَ كما تَصُفُّ المَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ فَقُلْنَا يا رَسولَ اللهِ، وكيفَ تَصُفُّ المَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قالَ: يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُوَلَ ويَتَرَاصُّونَ في الصَّفِّ). مسلم.

وظائفُهم وأعمالهم :
تدبير أمر الملكوت - عُلويِّه وسُفليِّه وما بينهما - وما فيه من مخلوقات وعَوالم  المنظورة وغير المنظورة بأمر الله تعالى ﴿ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا النازعات: 1 - 5.
: منهم: المكلَّفون بحمل العرش، وعددهم ثمانية ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ الحاقة: 15 - 17. ومنهم: المكلَّفون بتبليغ الوحي إلى حيث أمَر الله تعالى ( جبرائيل ).قال تعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ الشعراء: 193، 194.
ومنهم: خزنة الجنَّة.﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ الرعد: 23
.ومنهم: خزنة النار، وسيدهم مالك. ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ المدثر: 27 - 31.
﴿ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ العلق: 18. ﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ الزخرف: 77.
ومنهم: ملائكة الأرواح، وسيدهم إسرافيل. ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ الأنعام: 61.﴿ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ محمد: 27
ومنهم: ملائكة الأرزاق، وسيدهم ميكائيلومنهم: المكلَّفون بحفظ السماوات. ومنهم: المكلَّفون بالرياح والسحابومنهم: المكلَّفون بالجبال .قد ثبت في حديث الطائف وعودة النبي صلى الله عليه وسلم منها أنه أتاه جبريل فقال له: ((إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا به عليك وقد بعث الله إليك ملَك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا)). البخاري  ومسلم ، ومعنى (الأخشبان): جبلا مكة المحيطان بها.
. ومنهم: المكلَّفون بالنباتومنهم: المكلَّفون بالبحارومنهم: المكلَّفون بأمور الحوت والطيور والدواب، ونحوها من الأمم والعوالم التي لا يحصيها إلا الله تعالى.

 - تدبير أمر المكلَّفين من الخلق - الجن والإنس - والصلة الوثيقة بهم في أحوال كثيرة، في حياتهم وبعد مماتهم، وقد جاءت النُّصوص بإثبات وظائف جماعاتٍ من الملائكة عليهم السلام على التفصيل كما يلي:

1- حفظ بني آدم، وهو من وظيفة الملائكة المعقِّبات. ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ الأنعام: 61

 ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ الرعد: 11 وقال مجاهد: "ما من عبد إلا له ملك موكل بحفظه في نومه ويقظته من الجن الإنس والهوام، فما منها شيء يأتيه إلا قال له الملك: وراءك، إلا شيء أذن الله فيه، فيصيبه".

2- حفظ أعمال بني آدم، وهو من وظيفة الكِرام الكاتبين. قال تعالى﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ  الانفطار: 10 -11

3- السياحة لالتماس مجالس الذكر وحِلَقِ العلم، وهو من وظيفة الملائكة السيَّاحين. ﴿ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ الشورى: 5.
4- ملائكة الروح الذين ينفُخون الأرواح في الأجنَّة في الأرحام، ويقبضونها عند انتهاء الآجال. عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: ((إن أحدكم يُجمَع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات؛ بكَتْب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد)). البخاري  ومسلم  وأبو داود  والترمذي.
5- الملائكة الذين يُسدِّدون ويُعِينون المكلَّفين على الخير ويمدُّون المجاهدين المتَّقين. ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ غافر: 7 - 9.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ فصلت: 30 – 32و ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ آل عمران: 124، 125.
6- كُتَّاب الناس يوم الجمعة على أبواب المساجد الأوَّل فالأوَّل.

7- الصلاة على المصلين مدَّةَ انتظارِهم لصلاة الجماعة.

8- فتنة الأموات في القبور. وهما منكر ونكير.وقد جاء في وصفهما:أنهما أسودان أزرقان؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أقبر الميت - أو قال: أحدكم - أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير...)) حسن رواه الترمذي  وابن حبان  وابن أبي عاصم في السنن.

  سؤال وجوابه:أثبت بالخبر ثم بالأثر الصفات الخلقية للملائكة :

 دليل الخبر: قوله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فاطر:01

دليل الأثر :  رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل في بداية البعثة يغطي  السماء في صورته الحقيقية، ورؤية الصحابة رضي الله عنهم جبريل في صورة إنسان في حديث جبريل عليه السلام .كان كثيرا ما يتمثل في صورة الصحابي دحية الكلبي .وكذلك ضيوف إبراهيم هم ملائكة في صورة بشر بدليل أنه قدم لهم الطعام وأبوا أن يأكلوا.

النتيجة: الملائكة يمكن أن  تظهر في صورة حقيقية وصورة بشرية ( تمثل ) كما تمثل جبريل عليه السلام لمريم عليها السلام . ونتوقف في اعتقادنا عند هذا الحد المثبت بالنص أو الأثر لصحيح.  

مسألة التفاضل بين الملائكة والإنسان :

 أيهما أفضل الملائكة أم البشر  ؟

هذه المسألة نجدها في  قوله  تعالى : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) الإسراء: 70 . 

ودلت الآية على أن بني آدم لم  يفضلوا على جميع المخلوقات.

وأقوال العلماء في المسألة :

1-قال البعض بتفضيل الملائكة مطلقا :لصفاتهم.

2-قال البعض بتفضيل بني آدم مطلقا [ السجود، العلم، الخلافة، التكريم، العلم... ].     

3-مذهب أهل السنة:  الأنبياء أفضل من الملائكة أما بقية البشر فالأفضل التوقف، وذهب جماعة من المنتسبين اِلى السنة أن الأنبياء وصالحي البشر أفضل من الملائكة.

 4-بينما ذهبت المعتزلة إلى تفضيل الملائكة على البشر.

أما أتباع الأشاعرة فهم على قولين منهم من يفضل الأنبياء والأولياء و منهم من يقف ولا يقطع بينهما بشيء، لكن يحكى عن بعضهم ميل إلى تفضيل الملائكة وحكي ذلك عن غيرهم وهم بعض الصوفية.

6- وقالت الشيعة إن جميع الأئمة أفضل من جميع الملائكة.

7-وذكر أن أبا حنيفة توقف في المسألة وكذلك شارح الطحاوية.

8- وذكر السفاريني أن الإِمام أحمد كان يفضل صالحي المؤمنين على الملائكة، ويخطئ من يفضل الملائكة على بني آدم.

محل النزاع : المفاضلة بين صالحي البشر والملائكة :أيهما أفضل ؟

صالحو البشر :الأنبياء والأولياء والصالحون أفضل من الملائكة. ومراتب الصلاح هي: النبوة، الصديقة،  الشهادة، الصحبة، التقوى، والولاية.

الحجج :

1-أمر الله الملائكة بالسجود لآدم سجود تشريف وتكريم.

2-التكريم في قوله تعالى (أَرَآيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ)الإسراء 62.

3-خلق الله آدم بيديه ونفخ فيه من روحه بينما خلق الملائكة بكلمته [كن].

4-في قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) البقرة : 30 .

5-والخليفة يُفَضَّل على من ليس خليفة، وقد طلب الملائكة هذه المكانة أي الخِلافة.

6-تفضيل آدم على الملائكة بالعلم حين سئلوا عن الأسماء: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31)قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32البقرة : 31- 32

7-طاعة البشر أشقّ والأشقّ أفضل بسبب (الشهوة، الحرص، الغضب، الهوى...).

8-مباهاة الله تعالى بالبشر الصالحين في الملإ الأعلى( أهل عرفة ، الذاكرون ، مجالس العلم ..).

تحقيق القول في محل النزاع لابن تيمية : 

نقل ابن القيم عن ابن تيمية : (أنه سئل عن صالحي بني آدم والملائكة أيهما أفضل؟ فأجاب بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزهين عما يلابسه بنو آدم، مستغرقون في عبادة الرب، ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر، وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير حال صالحي البشر أكمل من حال الملائكة) .                        انتهى

- عالم الجن : عالم الجن من الغيبيات مثل عالم الملائكة. نؤمن بوجودهم.

تسميته: يسمون بالجن لاستتارهم عن أعين الإنس كما تسمى الجنة بالجنة لالتفاف الأشجار حول بعضها، وكما يسمى الجنين في بطن أمه جنيناً لاستتاره، وكما يسمى المجن مجناً لاستتار المقاتل به في الحرب.

أصل خلق الجن:

نعلم أن الجن خُلقوا من النار كما قال تعالى: ﴿ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ الحجر: 27، وقال تعالى: ﴿ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ الرحمن: 15. قال عبدالله بن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: (مارج من نار: طرف اللهب)، وعن حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((خُلقت الملائكة من نور، وخُلق الجآن من مارج من نار، وخُلق آدم مما وصف لكم)) رواه مسلم. وأنهم يأكلون ويشربون ويتزاوجون ولهم ذرية كما قال الله تعالى في الشيطان ‏:‏ ‏(أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ).الكهف :50 .وكان خلقهم قبل خلق الإنس، كما قال الله تعالى‏:‏ ‏(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ).الحجر : 26-27

صفة خلقة الجن:

حقيقة الجن الله أعلم بها ،ولكننا نعلم أن الذي يشير إليه الخبر الصادق أن الجن يتشكلون بالصور المختلفة. ورد في السنة المطهرة أحاديث عديدة تدل على تشكل الجن ورؤيتهم، من ذلك
1- ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(إن عفريتا من الجن جعل يفتك عليَّ البارحة، ليقطع عليَّ الصلاة، وأن الله أمكنني منه فذعته، فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد، حتى تنظرون إليه أجمعون -أوكلكم -. ثم ذكرت قول أخي سليمان((قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي)). فرده الله خاسئاً) . البخاري  ومسلم.

2-وفي صحيح مسلم عن أبي الدرداء قال:( قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك، ثم قال: ألعنك بلعنة الله. ثلاثاً، وبسط يده كأنه يتناول شيئاً. فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله, قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً، لم نسمعك تقوله قبل ذلك. ورأيناك بسطت يدك؟ قال: إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي. فقلت: أعوذ بالله منك. ثلاث مرات. ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة. فلم يستأخر. ثلاث مرات. ثم أردت أخذه. والله  لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة. ).

3- ما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إني محتاج, وعلي عيال, ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالاً فرحمته فخليت سبيله، فقال: أما إنه قد كذبك، وسيعود. فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه سيعود. فرصدته، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: دعني فإني محتاج, وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك؟ قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً، فرحمته فخليت سبيله، قال: أما إنه كذبك، وسيعود. فرصدته الثالثة، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات إنك تزعم لا تعود، ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم). حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: ما هي؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم (الله لا إله إلا هو الحي القيوم.)  وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة.قال: لا، قال: ذاك شيطان.) البخاري

ويقول محمد رشيد رضا مبيناً إمكانية رؤية الجن: (فإذا تمثل الملك أو الجان في صورة كثيفة كصورة البشر أو غيرهم، أمكن للبشر أن يروه، ولكنهم لا يرونه على صورته وخلقته الأصلية بحسب العادة، وسنة الله في خلق عالمه وعالمها.)

صورة الشيطان:

صورة الشيطان من أقبح الصور في الخلق، وقد شبهها الله بثمار أشجار الزقوم في النار التي تنبت في أصل الجحيم، قال تعالى: ﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ .الصافات: 62 – 65

الشيطان له قرنان :

جاء في صحيح مسلم من حديث عبدالله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تحروا بصلاتكم قبل طلوع الشمس ولا قبل غروبها فإنها تطلع بقرني شيطان)، ومعنى الحديث: أن المشركين كانوا يعبدون الشمس ويسجدون عند طلوعها وعند غروبها وعند ذلك ينتصب الشيطان في الجهة التي تكون فيها الشمس حتى تكون العبادة له.

والجن مخلوقات عاقلة مكلفة: 

لقوله تعالى: "وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَ الاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ"الذاريات:56.

وأنهم مكلفون بالعبادات يوجه إليهم أمر الله تعالى ونهيه،  فقد أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وحضروا واستمعوا القرآن كما قال الله تعالى ‏:‏ ‏(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا).الجن :1-2 وكما قال تعالى‏:‏ (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ﴿29﴾ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿30﴾ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿31﴾ وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿32﴾ ) الأحقاف : 29-32

جزاؤهم: بما أنهم مكلفون فلهم جزاء يوم القيامة.

 قال تعالى: (يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَ الاِنسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمُ ءَايَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذا قَالُوا شَهِدْنَا عَلى أنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الحيوَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوُا عَلَى أَنفُسِهِمُ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) الأنعام:130. قال الله تعالى‏:‏ ‏(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)الرحمن :46

صلاح وفساد الجن:

منهم المؤمن، ومنهم الكافر، ومنهم المطيع، ومنهم العاصي، وأكثرهم العصاة والفجار والكفار، قال تعالى: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا الجن: 11، وقال تعالى: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا  وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا الجن: 14- 15

‏‏ قرين الإنس:

جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، قالو: وإياك يا رسول الله؟ قال :" وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير"-رواه مسلم-

الجن لا يعلمون الغيب

اقرأ قوله تعالى (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) النمل :65.وقوله تعالى‏:‏ ‏(فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)سبأ:14‏.‏ و الذين يدعون أنهم يعلمون الغيب في المستقبل كل هذا من الكهانة وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏‏(أن من أتى عرافاً فسأله شيءلم تقبل له صلاة أربعين ليلة .)رواه مسلم

قدراتهم : الجن والشياطين كالإنس فيهم جوانب قوة وجوانب ضعف:

جوانب قوة: قال تعالى: (قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الجِنِّ أَنَآ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ) النمل:39 أي سرعة الحركة والانتقال.و ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ( الرحمن الآية: 33

 جوانب الضعف:

 ضعف كيد الشيطان عموما في قوله تعالى﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا النساء: 76

لا سلطان لهم على عباد الله الصالحين، وأن سلطانهم يكون بالإغواء والإضلال.

خوف الشيطان من بعض عباد الله  تعالى  ولذلك قيل: (من قوي إيمانه قهر شيطانه-)

 -عجزهم عن الإتيان بالمعجزات ولا يستطيعون أن يأتوا بمثل ما جاء به الأنبياء والرسل.

لا يتمثلون في المنام بالرسول  صلى الله عليه وسلم.

- لا يستطيع الجن أن يتجاوزوا حدود معينة من أقطار السماوات والأرض.

 العلاقة بين الجن والإنس:

إبليس و الشياطين عدو لبني آدم :﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً الكهف الآية: 50.

حكم خدمة الجن للإنس؟

تحرم الاستعانة بالجن ولو كانوا مسلمين. وسئل الدكتور وهبة الزحيلي : هل يجوز الاستعانة بالجن المسلم؟ وما حكم من استعان بالجن المسلم لخدمة المسلمين؟ وما حكم الاستعانة بالجن بشكل عام؟ فأجاب: يحرم الاستعانة بالجن أياً كانوا،فهو مذموم شرعاً لقوله تعالى في سورة الجن‏:‏ ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا الجن: 6.

أدلة المانعين: 1-وبقوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ الأنعام: 128.

2- أنه وسيلة إلى عبادتهم وتصديقهم؛ لأن في الجن من هو كافر ومن هو مسلم ومن هو مبتدع، ولا تعرف أحوالهم فلا ينبغي الاعتمـاد عليهم ولا يسألون؛ ولأنه وسيلة للاعتقاد فيهم والشرك، وهو وسيلة لطلب النفع منهم والاستعانة بهم، وذلك كله من الشرك.

 3- أنهم يكذبون فقد يزعم أنه مسلم، وهو كذاب من أجل أن يتدجل على الإنس فيُغلق هذا الباب من أصله.

 4- الاستعانة بالغائب لا تجوز سواء كان جنيًا أو غير جني.

 5- هم في الغالب لا يخدمون الإنس ولا يساعدونهم إلا بعد دعائهم أو التقرب إليهم.

 6- فيه اعتداء على حقوق الله، وعلى حقوق الآدميين من أخذ أموالهم، والتأثير على عقيدتهم، وفتح باب شر لهم.

 7- قولهم: بأنه لم يثبت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته ولا التابعين ولا أحد من أئمة الدين أنه استعمل الجن، ولو كان في هذا خير لما أدخره الله عنهم.

 8- الأصل في الاستعانة بالجن المنع.

 يمكن للجن أن يتلبس الإنس : ذكر المس في قوله تعالى: ( لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ) البقرة:275 

ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم :‏‏(إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.) البخاري و مسلم عن صفية رضي الله عنها.وقد جاءت أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رواها الإمام أحمد والبيهقي، أنه أتي بصبي مجنون فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول :اخرج عدو الله، اخرج عدو الله)وفي بعض ألفاظه‏:‏ ‏اخرج عدو الله أنا رسول الله)‏‏.‏ فبرأ الصبي‏.‏

إذا ابتلي الانسان بالجن من باب الأذى والاعتداء أو من باب التسليط بالسحر والحسد  والعين، فإنّ هذا الأذى يحدث أو لا يحدث بإذن الله، قال تعالى: (وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنَ اَحَدٍ اِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ) البقرة: .02

 فالأمر ابتلاء لتمحيص الإيمان، فالمبتلى في مجاهدة مأجور عليها والله يعينه، وعليه لزوم التقوى والدعاء والتمسك بالقرآن والأذكار.                          انتهى

 

 

ثانيا: اليوم الآخر

 

1-طريقة القرآن في عرض الحياة الآخرة وإثباتها:

منهجنا هو التأصيل من الكتاب والسنة الصحيحة في تقرير المسائل العقدية، فنلاحظ أن :

-الإيمان باليوم الآخر يأتي عقب ذكر الإيمان بالله مباشرة. قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَّقُولُ ءَامَنَّا بِالله وَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ) البقرة:8

-تتعدد أسماء اليوم الآخر : يوم الدين، القارعة، القيامة...الخ.

-ورد في القرآن الكريم تذكير باليوم الآخر وعرض لمشاهده وتفصيل لأحداثه (الموت، البعث،

الحشر، الحساب، الصراط، الميزان، الصحف، الجنة، النار، وتفاصيل العذاب والنعيم...).فهذه الآيات والصور كلها إثبات لليوم الآخر وتذكير للإنسان لما فيها من ترغيب وترهيب.

فما هي الأدلة التي نجدها في القرآن الكريم في إثبات اليوم الآخر؟

إثبات اليوم الآخر في القرآن الكريم يكون بإثبات البعث، والبعث هو إحياء الموتى. ومشكلة المشركين الذين ينكرون اليوم الآخر ولا يؤمنون به هو أهم ينكرون البعث. قوله -تعالى-: (وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا)[الإسراء: 49]، (أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)[السجدة: 10، (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ)[ق: 3]، (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ...)[سبأ: 7، 8] 

أدلة القرآن الكريم في إثبات البعث واليوم الآخر:

1-الاستدلال بالنشأة الأولى على البعث: فالقرآن الكريم يعتمد على دليل الخلق الأول لإثبات الخلق الثاني، ومعنى الدليل :أيهما أيسر الخلق ابتداء؟ أم إعادة الخلق؟ الله لا يُعجزه شيء، وليس شىء عليه بالبعيد، فهو القوي القادر الذي خلق الخلق ، فكيف يصعب عليه أن يعيده؟! (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[الروم: 27]، (وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ...)[الإسراء: 49- 51]، (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ * قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُون)[المؤمنون: 79- 85] ، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ)[الحج: 5]، إلى غير ذلك من الآيات التي تَذْكُر قدرة الله، وتُذَكِّر بنشأة الخلق، وتَرُدُّ عليهم استبعادهم للأمر. فإعادة إحياء الإنسان بعد الموت أسهل من خلقه ابتداء.

﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ الأنبياء: 104.. ﴿ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا مريم: 66، 67

 ففي هذه الآيات يوضح سبحانه لعباده أنه يعيد إحياء الموتى بعد أن ماتوا وبليت أجسامهم في الأرض، فكما أنه أنشأهم أول مرة لا يعجزه أن ينشئهم مرة أخرى.

2-الاستدلال بخلق السموات والأرض: إن من جملة ما خلق الله تعالى ما هو أعظم من خلق الناس؛ فكيف يقال للذي خلق السموات والأرض: أنت لا تستطيع أن تخلق ما دونها: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الأحقاف: 33.. ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ 

3- الاستدلال بإخراج النار من الشجر الأخضرعلى البعث :في قوله تعالى :  ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ يس: 77 - 80

4- الاستدلال بإحياء الأرض الميتة وإنبات النبات: فهذه الأرض تكون ميتة هامدة فينزل الله عليها الماء فتصبح مخضرة ناضرة بالزرع والنبات: ، (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ)[ق: 9- 11]. فإحياء الأرض الميتة اليابسة بالماء وإخراج أنواع النباتات دليل حي على إمكانية البعث. قال تعالى: (وَمِنَ اَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الاَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فصلت:39.و ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَالروم: 19. ﴿ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الروم: 50، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الحج: 5-7.

 5-الاستدلال بإحياء بعض الأموات في الدنيا: إخبار الله تعالى بما وقع من البعث الحسي المشاهد في الحياة الدنيا: ليكون إحياء الله للموتى في الدنيا دليلاً على البعث في يوم القيامة.

-قصة عزير المار على القرية: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ البقرة: 259.

-و منها موت بني إسرائيل الذين تنطعوا في إيمانهم، واشترطوا لذلك أن يروا ربهم؛ فأخذتهم الصاعقة، ثم بعثهم الله ليريهم قدرته: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ البقرة: 55، 56.

 وغيرها من الآيات التي تحكي المشاهدة الحسية لإحياء هؤلاء الأموات كقتيل بني إسرائيل، وإحياء الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ البقرة: 243

6- الاستدلال بحصول اليقظة بعد النوم: فالنوم موتة صغرى والاستيقاظ شبيه بالإحياء بعد الموت ونحن كل يوم نموت موتة صغرى ونبعث. قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهارٍ ثُمَّ يَبْعَثُكُم) الأنعام:60 .

صح أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- نادى به في قومه حين أُمِر أن يصدع بدعوة الحق بعد أن كان مستخفيًا بها، فقال: (والله لَتموتُنَّ كما تنامون، ولَتُبعثُنَّ كما تستيقظون، ولَتُحاسَبُنَّ بما تعملون).الكامل في التاريخ ، ج2، ص40-41، هذا قريب مما جاء به القرآن الكريم في قوله -تعالى-: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[الزمر: 42].و هنا أيضا قصة أصحاب الكهف .

7- الاستدلال بأن حكمة الله تعالى وعدله يقتضيان وجود البعث؛ فالله عز وجل لم يخلق الناس عبثا. فلابد من الرجوع إلى الله تعالى للحساب و الجزاء .قال تعالى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ المؤمنون: 115، ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى القيامة: 36. وفي آية ثالثة: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ)[الأنبياء: 16، 17]، (وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)[الجاثية: 22]. (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)[الجاثية: 24].

مسالك القرآن الكريم في معالجته لقضية البعث: 

القرآن الكريم في معالجته لقضية البعث والجزاء، يعرض ثلاثة مسالك :

المسلك الأول: عرض الشبهة ثم الرد عليها: مثاله من سورة ق: قال تعالى :( ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ(3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ } [ق: 1 - 11. من 1إلى 3 عرض الشبهة .من 4إلى 11الرد في عدد من الأدلة العقلية والحسية المشاهدة، التي تخاطب العقل وتستثير الوجدان.

المسلك الثاني: تقديم الدليل، ثم إيراد القضية بعد استقامته ووضوحه:
مثاله :يقول الله تعالى من سورة المؤمنون: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مِّن طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً في قَرَارٍ مَّكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخالقين* ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ.) المؤمنون 12- 16

المسلك الثالث: هو إخبار الله تعالى بوقوع البعث من غير أن يذكر الدليل 

مثاله: إقسام المنكرين بأن الله لا يبعث من يموت و إقسام الله بحدوث البعث .يقول تعالى في سورة النحل:( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ).النحل :38  

و مثاله: نفيهم مجيء الساعة وزعمهم عدم وقوع البعث.يقول تعالى من سورة سبأ.(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ .)سبأ: 3 . و من سورة التغابن (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴿٧ التغابن :7

و مثاله : الإخبار بقيامهم من قبورهم:يقول تعالى من سورة يس (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). يس: 51 – 54

وقد ركز القرآن الكريم في الاستدلال على اليوم الآخر من خلال إثبات البعث على ثلاثة صفات :

1) تقرير كمال العلم لله تعالى .

2) تقرير كمال القدرة لله تعالى .

3) تقرير كمال الحكمة لله تعالى..انتهى

 

2- مسؤولية الإنسان العظمى والحياة الآخرة:

تعريف المسؤولية:

عرفها عبد الله دراز بقوله: "المسؤولية هي كون الفرد مكلفاً بأن يقوم ببعض الأشياء وبأن يقدم عنها حساباً إلى غيره." وعرفها أحمد بن عبد العزيز "بأنها أهلية الشخص أن يكون مطالباً شرعاً بامتثال المأمورات، واجتناب المنهيات، ومحاسباً عليها."

إذا أردنا أن نتعرف على المعنى الجامع للمسؤولية يجدرنا أن نضع بجوارها الكلمات القرآنية التي تتطابق معها، وهذه الكلمات هي الخلافة والتكليف والأمانة.
ونورد الآن فيما يلي تفسير هذه الكلمات من كتب التفاسير حتى يتضح لنا المعنى:

1قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ البقرة: 30 ، أي إني جاعل (أقواماً يخلف بعضهم بعضاً).

2 وقال تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ  البقرة. آية 286. في الآية نص على تكليف العباد بالأوامر والأعمال التي في وسع المكلف، وفي مقتضى إدراكه، فللنفس ما كسبت من خير، وعليها ما اكتسبت من شر.

 3 وقال تعالى:﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا الأحزاب. آية 72.

ذكر ابن كثير في تفسير الأمانة عدة أقوال، تدور كلها على الفرائض والطاعات، ثم قال "وكل هذا الأقوال لا تنافي بينها، بل هي راجحة إلى أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إذا قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه إلا من وفقه الله".

 قول العقاد في بيان المراد بالأمانة في قوله تعالى: ﴿ عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ يقول: "وردت كلمة الأمانة والأمانات في خمسة مواضع من القرآن الكريم وكلها بالمعنى الذي يفيد التبعة والعهد والمسؤولية".

إذن المسؤولية في معناها الجامع الشامل تعني:"الاستعداد الفطري الذي جبل الله تعالى عليه الإنسان ليصلح للقيام برعاية ما كلفه به من أمور تتعلق بدينه ودنياه، فإن وفى ما عليه من الرعاية حصل له الثواب، وإن فرط فيها حصل له العقاب".

أهداف المسؤولية التي كلف  الله تعالى بها عباده:

1 تحقيق العبودية: انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ سورة الذاريات: 56. فالهدف الأساسي لوجود الإنسان في الكون هو عبادة الله، والخضوع له، وتعمير الكون؛ بوصفه خليفة الله في أرضه.

 وحقيقة العبودية هي التوحيد، بأن يكون العمل خالصاً لله تعالى دون سواه، فقد دعا كل رسول أمته إلى عبادة الله وحده، واجتناب ما سواه، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ .ا لنحل: 36.

 والعبودية لله تعالى لا تقتصر على مجرد أداء شعائر ومناسك معينة: كالصلاة، والصيام، والحج مثلاً وإنما هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.

- فمظاهر العبادة:وتشمل:1المظهر الديني وموضوعه: علاقة المسلم بالخالق .2المظهر الاجتماعي وموضوعه: علاقة المسلم بالأفراد والجماعات .3وأما المظهر الكوني: فموضوعه علاقة المسلم بالكون المحيط .

2مرضاة الله تعالى:

يتخذ المسلم فيالقيام بالمسؤوليات المختلفة مرضاة الله تعالى هدفاً له مقتدياً بنبي الله سليمان عليه السلام حين دعا ربه أن ينال على عمله الصالح رضاه، كما حكى القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ    النمل: 19. ، ويستنهض هذا الهدف في المسؤولية همة الإنسان لاتباع منهج الله في الحياة الدنيا، والتنعم بهدايته الذين لا سبيل إليهما إلا بالتزام أمر الله، قال تعالى: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . المائدة: 15- 16.

 وينال المسلم بتحقيق هذا الهدف في عمله الأجر العظيم الذي هو دليل على أنه مقياس في خيرية الأعمال، قال تعالى: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا  . النساء: 114.

 ويحصل به العامل على درجة عالية عند الله تعالى، لا يصل إليها من باء بسخطه سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ  . آل عمران: 162- 163.

   هل وردت مسؤولية الإنسان في القرآن؟

       جاء ذكر مسؤولية الإنسان في قوله تعالى: ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) النور:24.  جاءت الشريعة بحفظ الجوارح :من خلال الأوامر والنواهي الإلهية : إفعل كذا لا تفعل كذا. لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) سورة الحجرات :6 .وقوله أيضا :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (سورة الحجرات :11.وقوله تعالى : (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) النور:30.

 ومما يسأل عنه الإنسان العهد لقوله قال الله تعالى(وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا)  الإسراء: 34 قال الله تعالى(وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) النحل: 9. 

ويسأل الرسل  لقوله : (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ)  الأعراف: 6.

 والله تعالى يسأل عيسى عليه السلام عما نسب إليه لقوله تعالى : (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (المائدة:116  .   

وفي السنة ذكرت المسؤولية : فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « كلكم راع ومسؤول عن رعيته؛ فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته،، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته»، قال: فسمعت هؤلاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحسب النبي صلى الله عليه وسلم قال"والرجل في مال أبيه راع وهو مسؤول عن رعيته فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته." البخاري. وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه." صحيح البخاري.

إذن فكل إنسان مسؤول عن نفسه و عن الآخرين حسب علاقته بهم وقد أثبتت الشريعة أنواع هذه المسؤولية وعن كيفية أدائها بالشكل الصحيح (التكاليف الشرعية ). 

 فيما تتمثل مسؤولية  الإنسان  في علاقته بالكون  ؟

ذكر الراغب الأصبهاني أن :"الفعل المختص بالإنسان ثلاثة: عمارة الأرض، المذكورة في قوله: (هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها (هود:61، وذلك تحصيل ما به تزجية المعاش لنفسه وغيره.وعبادته المذكورة في قوله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ).الذاريات:56، وذلك هو الامتثال للباري تعالى في عبادته، في أوامره ونواهيه، وخلافته المذكورة في قوله: (ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ) الأعراف:129، وذلك هو الاقتداء بالباري سبحانه على قدر طاقة البشر في السياسة، باستعمال مكارم الشريعة. ومكارم الشريعة هي الحكمة، والقيام بالعدالة بين الناس في الحكم، والإحسان والفضل. والقصد منها: أن يبلغ بذلك إلى جنة المأوى، وجوار رب العزة تبارك وتعالى ( .

ويتناول ماجد عرسان الكيلاني العلاقات بين الإنسان والخالق والكون والحياة الآخرة كما يلي:

1العلاقة بين الخالق وبين الإنسان: علاقة عبودية.

2العلاقة بين الإنسان والكون: علاقة تسخير.

3العلاقة بين الإنسان وبين الحياة: علاقة ابتلاء.

4العلاقة بين الإنسان والآخرة: علاقة مسؤولية وجزاء.

علاقة الإنسان بالكون

الإنسان يندرج ضمن هذا الكون المعبود لله، فهو جزء منه، و لكنه مع ذلك يتمتع بخصوصية كبيرة تجعله مستقلا بداخله، فهو الخليفة فيه، و الكون هو مجال خلافته المسخر له. كما أن الإنسان يتميز عن سائر المخلوقات بالعقل، مما يجعل الكون مجالا خصبا للتفكر و التأمل في دقائقه، مرة للاعتبار، و مرة للتعلم من دقته نظامه و جماله، و مرة أخرى للزيادة في الإيمان و مشاركته في التسبيح لله الواحد القهار.

قواعد:

· الإنسان جزء من الكون و هما مخلوقان يشتركان في عبادة الله

· الكون مسخر  للإنسان و هو مأمور بتعميره و العمل فيه

· الكون مجال للتفكر و التأمل و التعلم للإنسان، يستلهم من نظامه و جماله..

هذا التسخير يبدو لنا واضحا في قوله تعالى في سورة الجاثية: (وسَخَّرَ لكم ما في السماوات وما في الأرضِ جَميعاً ) الآية 13. فالكون هو بيئة الإنسان و مجال عمله.

والتسخير لغة: العمل والخدمة مجانا.

ومصطلحا: أن الله مكن الإنسان من استخدام مظاهر الكون في تطبيقات عملية نافعة للإنسان في مجالات حياته دون ثمن يقدمه لله الغني سبحانه وتعالى .

ميادين التسخير

ميادين التسخير التي يجب أن تتوجه إليها أجهزة الوعي في الإنسان: (العقل والسمع البصر). ولقد تحددت ميادين التسخير في ميدانين رئيسيين هما: "ميدان الكون"، "وميدان النفس". وقيمة هذا التحديد هو حفظ هذه الأجهزة من التوجه إلى ما لا يمكن البحث فيه. ومن تبديد الطاقات فيما لا طائل تحته .

وتتحدد جوانب التسخير في ميدان الكون في عناصر الكون الرئيسية الثلاثة:

 الفضاء المحسوس، واليابسة الملموسة، والماء الكائن في المحيطات والبحار وما يتفرع عنهما. ومن هذه    الميادين الثلاثة تتفرع ميادين فرعية لا حصر لها. ((اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)) إبراهيم :32-33

ولقد ازداد التسخير في آيات الآفاق في الكون بازدياد العلم بقوانين هذا الكون، وهو ما نسميه بتقدم التكنولوجيا.

 ونحن اليوم نرى آثار الخروج على – علاقة التسخير في الحضارة المعاصرة في ميادين العلوم والتكنولوجيا الذرية والهيدروجينة وعلوم الفضاء، وهي تتحول على يد الانسان الذي لا يهتدي بعلاقة التسخير إلى أهوال وأخطار مسخرة "على" الإنسان تنذر بتدمير حياته كاملة على الأرض بدل أن تكون مسخرة "له" ترقى به إلى الرسوخ في معرفة الله والتنعم بنعمه.

 كيف تكون عمارة الأرض ؟  

قال تعالى:( وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ ) هود: 61.

ذكر المفسرون: أن تعمير الأرض من مقتضيات كون الإنسان خليفة فيها، وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد  في قوله (اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) أنها بمعنى: استخلفكم فيها، ونُقِل عن بعض العلماء أن تعمير الأرض واجب، فقالوا: "الاستعمار طلب العمارة، والطلب المطلق من الله تعالى على الوجوب ."

 إن الله كما علم الإنسان كيف يصلي وكيف يصوم ،علمه كيف تكون عمارة الأرض وأرشده.و من ذلك :

-  الأمر الموجه للاِنسان  بالنظر إلى الكون والمخلوقات  والتدبر فيها لقوله تعالى: (قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ ) يونس :101 لقوله: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) الغاشية:17.

- فهذا التدبر في المخلوقات ومعرفة كيف خلقت هو وسيلة لمعرفة الخالق تعالى وعظمته من خلال معرفة القوانين والسنن التي تجري عليها هذه المخلوقات .ولهذا نلاحظ انتهاء كثير من هذه الآيات  الكونية بوظائف  العقل والإيمان : يتذكرون يتفكرون يبصرون....

 - هذا النظر يحرر الإنسان من عبادة غير الله بما أن هذه الكائنات من خلق الله  فلا ينظر إليها رغبا ولا رهبا.

- لاينظر إليها بعلاقة العداوة والصراع بل ينظر إليها بعلاقة التسخير الرباني لبني آدم بدليل قوله تعالى:( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) الملك 15 .وقوله تعالى: ( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) الجاثية :13 .

-يتصرف الإنسان مع مخلوقات الله وفق منهج الله تعالى وهو الانتفاع والإصلاح وعدم الإفساد. ويتعامل الإنسان مع البيئة  في إطار العقيدة الإسلامية .مثلا تكون العمارة بالفلاحة والصناعة  والبناء  وشق الطرقات وأنواع الصناعات  . لقوله تعالى : (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحديد :25 

ومن ذلك حديث النبي صلى الله عليه  وسلم : ( مامن مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له  به صدقة ). متفق عليه.

 وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها ). رواه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد. ونستفيد من الحديثين أهمية عمارة الأرض (هنا الغرس حتى وأن لم يثمر).

- وفي التعامل مع خيرات الطبيعة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسراف لقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) الأعراف :31.

-وفي تعامل مع الحيوان  أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق  لقوله :(... فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة  وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته ) من أسباب دخول النار عدم الرفق بالحيوان لقوله صلى الله عليه وسلم : (دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها  ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض ) .رواه البخاري ومسلم 

-كما نهى القرآن عن الإفساد في الأرض قال تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) الأعراف:85 .                      انتهى

 

 

 

ثالثا: أثر الإيمان بالحياة الآخرة والحساب:

ورد ترتيب الإيمان باليوم الآخر في القرآن الكريم مباشرة بعد الإيمان بالله تعالى في كثير من الآيات، لترسيخ عقيدة الجزاء في نفس المؤمن التي توجه سلوكه في الحياة، فليس هناك شيء أعظم من الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر وازعا دينيا لتوجيه سلوك الإنسان في الدنيا.

قال تعالى في ضرورة يوم الحساب والجزاء: ( أَفَحَسِبْتُمُ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَّ أَنَّكُمُ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ) المؤمنون:115

فماهي آثار الإيمان باليوم الآخر في حياة الإنسان؟

-من آثار الإيمان باليوم الآخر والحساب استقامة الفرد المسلم:

وذلك لأن هذا الإيمان يجعل المسلم يراقب الله عز وجل في نواياه وفي أقواله وأفعاله، ومعنى ذلك أنه يستشعر أن الله يراه ويعلم كل شيء منه كما جاء في حديث جبريل: (قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

 ويتولد عن هذا الاستشعار تقوى الله تعالى وذلك بالخوف منه وامتثال أوامره واجتناب نواهيه. وهذا هو الحد الضروري للوقاية من النار في الآخرة ومن غضب الله تعالى في الدنيا، وطالما المسلم ملتزم بهذه الرتبة فهو في أمان من الله تعالى.

 ومن جانب آخر تجعل هذا العبد التقي يحظى برعاية الله وحفظه ونصره (ولاية الله تعالى)؛ فالصالح التقي هو من أولياء الله تعالى، قال عز وجل: (أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَآء الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ كَانُوا يَتَّقُونَ).

-فينشأ عن الإيمان باليوم الآخر بعد تحقيق مرتبة التقوى التوازن النفسي؛ أي راحة القلب وسكينة النفس وعدم اضطرابها في غالب الأحيان عند الشدائد والانفعالات، ومنشأ ذلك  استشعار فناء الدنيا وزوالها وزوال ما فيها، واستشعار أنها دار ابتلاء وامتحان وعلى المؤمن أن يكون يقضا في كل مرحلة ومحطة من حياته ليحسن التصرف و ينجح في الامتحان .

-و التصرف الصحيح هو لزوم التقوى والثبات عليها وهو معنى الاستقامة. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اَسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَآئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بالجنَّةِ الَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ)

فصّلت:30

-  فعدم الإيمان باليوم الآخر واستشعار الحياة الآخرة يُفقد الإنسان توازنه في الحياة أمام تغيرات وتقلبات أحوال الدّنيا، فيصاب بصدمات وضغوطات نفسية وهزّات اجتماعيّة .

-أما أثر الإيمان باليوم الآخر في المجتمع فيسمى بـ الوازع الدّينيّ:

 وهو سلطة الدين القوية والدّائمة في عمق المجتمع، حيث يصبغ الأفراد بصبغته وعقيدته. ومن مظاهره على عموم المجتمع مثلا: عدم الاعتداء على الإنسان مهما كان، الالتزام الجماعي بشعيرة الصيام، صلاة الجمعة، احتشام المرأة في لباسها وفي  طبيعة علاقتها وتعاملها مع الجنس الآخر (الرجل)و كذلك عفة الرجل مع المرأة ، نصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف ...الخ.

ونسبة الجرائم في المجتمع المحافظ الملتزم بالإسلام تكون أقل بكثير من غيره، وإذا قارنّا مجتمعا إسلاميّا بآخر غير مسلم وجدنا الفرق شاسعا من حيث الأخلاق والجرائم والآفات؛ فالمسلم لا يسرق بوازع ديني ويحافظ على الأمانة بوازع دينيّ، ولكن في المجتمعات الأخرى يُتَجَنَّبُ هذا خوفا من السلطة والقانون الوضعي.

-إذن فعدم الإيمان باليوم الآخر يحوّل الإنسان إلى وحش والمجتمع إلى عفن يعيش في الشهوات غير مرتدع بقانون؛ فالمجتمع المسلم منضبط أخلاقيا بدافع دينيّ بينما المجتمعات الأخرى الكافرة منفلتة أخلاقيّا تكثر فيها الجرائم كالاعتداء على النفس و العرض و المال و كالانتحار في البلدان الغربية. قال تعالى: ( وَإِنَّ الَّذينَ لاَ يُومِنُونَ بالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ) المؤمنون:74

- الإيمان باليوم الآخر يجعل المؤمن يتهيّأ للقاء الله تعالى بالعمل الصالح، قال تعالى: ( فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَّلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) الكهف:110. فيهَوّن عليه مصائب الدنيا ومشاكلها فيصبر على شدائدها ويتفاءل بالخير والفرج، فإن أحوال الدنيا متقلبة فلا يغترّ بها مُغترّ.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( عجبا لأمر المؤمن إنّ أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا لمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرا له) –رواه مسلم- فالإيمان نصفه صبر ونصفه شكر.

- ومن آثار الإيمان باليوم الآخر أن يتعدّى نفعُ المؤمن وخيره وصلاحه إلى الآخرين لحديثه صلى الله عليه وسلّم: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، كما يتعدى هذا النفع إلى البيئة وما فيها من إنسان وحيوان ونبات...

 ورد في الأثر في القول المشهور عن عمر ابن الخطّاب رضي الله عنه أنّه قال: ( لو عثرت بغلة في العراق لظننت أن الله سيسألني عنها لِمَ لمْ تسوِّ لها الطريق يا عمر).

 وعلى عكس المؤمن باليوم الآخر ذاك الصنف الحريص على الدنيا فلا يؤمن بالبعث ولا باليوم الآخر غارق في شهوات الدنيا وملذّاتها كحال المشركين واليهود، قال تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمُ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيواةٍ ومن الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَّ مَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُّعَمَّرَ) البقرة: 96

                                     انتهى



جامعة أكلي محند أولحاج البويرة

 

قسم الشريعة

سنة ثانية أصول الدين                                           2120/2022

 

المقياس :عقيدة إسلامية                               الأستاذة د: أنيسة زغدود

 

السداسي الرابع

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة  :

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجدله وليّا مرشدا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله.

هذه دروس العقيدة الإسلامية للسداسي الرابع لطلبة سنة ثانية أصول الدين .و بالله التوفيق.

 مفردات المقياس :  العقيدة الإسلامية

محتوى المادة:

-(السمعيات)

أولا: عالم الملائكة والجن

ثانيا: اليوم الآخر

1- طريقة القرآن في عرض الحياة الآخرة وإثباتها

2- مسؤولية الإنسان العظمى والحياة الآخرة

3- أثر الإيمان بالحياة الآخرة والحساب


 تعريف السمعيات:

السَّمْعِيَّاتِ لغة :السمعيات كلمة منسوبة إلى السمع من سمع يسمع سمعا، قال الخليل بن أحمد السمع: الأذن»1.وقال ابن منظورالسمع: حس الأذن»2.

السَّمْعِيَّاتِ اصطلاحاً:"مَا كَانَ طَرِيقُ الْعِلْمِ بِهِ السَّمْعَ الْوَارِدَ فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ وَالْآثَارِ مِمَّا لَيْسَ لِلْعَقْلِ فِيهِ مَجَالٌ". والسمعيات: نسبة إلى السمع وسميت بهذا الاسم، لأنها تسمع سماعاً من الوحي فقط. ولم يكن للعقل فيها مدخل في إثباتها أو نفيها.

والسمعيات تُعرف أيضا باسم آخر وهو الغيبيات، والمقصود بها "كل ما لا سبيل إلى الإيمان به إلا عن طريق الخبر اليقيني. ".من ذلك الإسراء والمعراج. مجيء ملك الموت إلى موسى صلى الله عليه وسلم .أشراط الساعة.فتنة القبرعذاب القبر أو نعيمه.النفخ في الصور‏. البعث والحشر . الشفاعة. الحساب. الموازين. نشر الدواوين.الحوض. الصراط. العبورعلى الصراط وكيفيته، الجنة والنار.أهل الجنة وأهل النار.

موضوع السمعيات:

ونقصد بالسمعيات: المسائل التي لا تتلقى إلا عن طريق السمع، ولا تأخذ إلا من الوحي ، أي ما جاء بها القرآن، والسنة الصحيحة، فلا قدرة لحواسنا البشرية على معرفة كنهها وكيفيتها وبالتالي لا يستطيع العقل البشري أن يستقل بمعرفتها أو إدراكها. وهذا السبب هو الذي دعا بعض العلماء إلى إطلاق اسم السمعيات عليها، فهي تتعلق بعالم الغيب، وأحداث اليوم الآخر، وما فيه من مشاهد ومواقف كالحشر والميزان والصراط ،والعرش واللوح والجنة والنار وغيرها من مباحث الغيب. 

 ونجد ابن خمير السبتي (ت.614هـ) في "كتابه مقدمات المراشد إلى علم العقائد" قد وضع مقدمة ذكر فيها السمعيات التي يجب الإيمان بها ثم فصَّل الكلام في كيفية الموت، وسؤال القبر وعذابه ونعيمه، والحساب والإعادة والصحف والميزان، والحوض والشفاعة، والصراط والجنة .

حكم الإيمان بالسمعيات : وكل ما ثبت عن النبي، (صلى الله عليه وسلم)، من أخبار فهو حق يجب تصديقه سواء شاهدناه بحواسنا، أو غاب عنا،وسواء أدركناه بعقولنا أم لم ندركه . والعقل الصحيح السليم يصدق بها لأنها أخبار صحيحة وصادقة. والبحث في السمعيات أو مسائل الغيب يكون من حيث اعتقادها وهو يقوم على دعامتين: الإقرار بها مع التصديق ويقابله الجحود والإنكار لها، الإمرار لها مع إثبات معناها ويقابله الخوض في الكنه والحقيقة، ومحاولة التصور والتوهم بالعقل بعيدا عن النقل. وضابط السمعيات: أن العقل لا يمنعها ولا يحيلها، ولا يوجبها ، فمتى ما صح النقل عن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم فإن الواجب اعتقاد ذلك والإقرار به، ودفع كل تعارض موهوم بين شرع الله وهو الوحي وبين خلقه وهو العقل. والقاعدة الذهبية هو أنه لا يتعارض وحي صحيح مع عقل صريح.

 مصدر العلم بالسمعيات: هو الوحي أي الكتاب والسنة الصحيحة . وأساس الاِيمان  بالسمعيات هو الإيمان بالله تعالى فهو أول غيب يجب الإيمان به .بعد ذلك نؤمن بكل ما أخبرنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. والفرق الأساسي بين المؤمن والكافر هو مسألة الإيمان بالغيب لقوله تعالى :( الم ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) البقرة:1، 2، 3.

فما هو الغيب ؟

مفهوم الغيب لغة واصطلاحًا:

تعريف الغيب لغة:  غيب: الغين والياء والباء أصلٌ صحيح يدل على تستُّر الشيء عن العيون، ثم يقاس من ذلك الغَيْب: ما غَابَ مما لا يعلمه إلا الله، ويقال: غابت الشمس تَغِيب غَيْبَةً غُيُوبًا.

الغيب اصطلاحا: الغيب كل ما غاب عنك فلم تشهده بأي وسيلة من وسائل المشاهدة. و المشاهدة هنا ذات معنى عام و لا يقصد بها الرؤية البصرية و إنما كل ما تكون شاهداً عليه إبصاراً أو سماعاً أو رصداً أو قياساً أو إخباراً من شاهد.

وقد جاء على عدّة معانٍ منها: الغيب هو كلّ ما غاب عن الناس بأمرٍ من الله وتقديره كالبعث والحساب والجزاء والجنة والنار والملائكة. والغيب أيضًا بمعنى الوحي والقرآن الكريم. كما جاء الغيب أيضًا بمعنى الأحداث القدرية. إلى جانب معانٍ تدل على عدم الإدراك للشيء بالحواس الخمس.

فما هو عالم الغيب ؟

تُعرف كلمة العَالَمُ في اللُغة: بأنّها كُل ما خلقه الله، وقيل: كُلّ شيءٍ موجود في الفلك، وقيل إنّ كُلّ صنفٍ من المخلوقات يُسمّى عَالَم، كعَالَم الإنسان، وعَالَم الحيوان، وعَالَم النبات.

تعريف عالم الغيب في الاصطلاح: وعرّفه بعض العُلماء بأنّ كُلّ ما غاب عن النظر يطلق عليه غيب. .و حاصله أنه : هو ما غاب عن حس الناظرين من الموجودات .هو "عالم ذو طبيعة عقلية معنوية متعالية عن المادة؛ ولذلك فإنه ليس بعالم قابل للشهود الإنساني، بل يدرك الإنسان ثبوته وآثاره فحسب كالموجود الإلهي، ووجود الملائكة، والجن، والجنة والنار، وغيرها من الموجودات الغيبية، والله تعالى وحده الذي يحيط علمه بعالَمَي الغيب والشهادة جميعًا". 

أقسام الغيب: ينقسم بالغيب باعتبار العلم به إلى نوعين: الغيب المطلق والغيب النسبي.

الغيب المُطلق: وهو الغيب الذي لا يعلمه إلّا الله، ولم يطّلع عليه أحدٌ من خلقه، وقد دلّت آياتٌ كثيرةٌ على هذا النوع، كقوله -تعالى-: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)،النمل : 65. ولقوله -تعالى-: ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)،الأنعام :59.

 ومن أمثلته العلم بوقت قيام الساعة، والموت من حيث زمانه ومكانه وسببه، وبعض ما سمى الله تعالى به نفسه .وقد بيّن الله هذه المفاتيح، بقوله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).لقمان :34 . وقال صلى الله عليه وسلم في بعض دعائه : (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك .)
الغيب النسبي: وهو الغيب الذي يكون معلوماً لبعض الخلق، ولا يكون معلوماً لآخرين، فيكون غيباً بالنسبة للشخص الجاهل به، وهذا النوع من الغيب يمكن معرفته بطرقٍ عديدة كالوحي إلى الرسل الذين يبلغونه إلى الناس ،ومن أمثلة ذلك ما جاء من أخبار الجن في قوله تعالى : (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِفَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا )الجن : 1-2 .

ومنها ما كان غائبا عن البعض مثل الحوادث التاريخية، فإنها غيب بالنسبة لمن لم يعلم بها ، لذلك قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر قصة آل عمران : (ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) آل عمران :44.

ومنها كل ما غاب عن الحس بسبب بعد الزمان ( المستقبل ) أو( المكان)  أو غير ذلك حتى ينكشف ذلك الحجاب الزماني أو المكاني بوسائل المعرفة و العلم ، كما حدث مع الجن  بالمشاهدة للأثر كما في قوله تعالى : (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ) سبأ:14وذلك في موت سليمان عليه السلام.

وما هو عالم الشهادة ؟   

عالم الشهادة لغة : شهد: الشين والهاء والدال، أصلٌ يدلُّ على حضور وعلم وإعلام.يقال شَهِد الرجل على كذا... والمشاهدة: المعاينة. وشَهِدَهُ شُهوداً، أي حَضَرَه، فهو شاهدٌ. ..وشَهِد له بكذا شَهادةً، أي أدَّى ما عنده من الشهادة، فهو شاهِدٌ.

عالم الشهادة في الاصطلاح: هو عالم الأكوان الظاهرة و المحسوسات الطبيعية .وهو خلاف عالم الغيب. وهو كل ما كان من الموجودات أمام نظر الإنسان يشاهده و يدركه بإحدى حواسه كالحيوان، والنبات، والجماد .وكل ما تدركه الحواس يدركه العقل."فعالم الشهادة وما يجري فيه من تفصيلات وإجماليات تجريبية يعرف بالملاحظة بوساطة العقل والحواسِّ، ويقوم العقل بالاستنباط مما يلاحظه بالاستقراء والاستنتاج بتقديم معرفة عنه."

أقسام عالم الشهادة : هما قسمان:

 الأول: الآفاق و هي الكون الفسيح . وقد أمر الله الإنسان أن يتفكّر بعقله في الكون في أكثر من آيةٍ، مثل قوله -تعالى-: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ*وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ*تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) ق:6.

 والثاني: الأنفُس. قال الرازي: "المراد منها الدلائل المأخوذة من كيفية تكوُّن الأَجِنَّة في ظلمات الأرحام، وحدوث الأعضاء العجيبة، والتركيبات الغريبة".

وأمر الله في كتابه الكريم في آيات كثيرة بالنظر في هذا التكوين العجيب الذي خلق عليه الإنسان، مقرونًا ببيان الحكمة من ذلك تارة كما في قوله تعالى: ﴿ مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا نوح: 13- 14.

وقد ذكرهما الله بقوله: (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)فصلت :53 ، فيكون للإنسان التفكّر في السماوات والأرض و في الإنسان . 

وهذا العَالَم يُكسب المُسلم التمسّك بدينه، لما يرى ويُشاهد من الآيات الدالة على قُدرة الله وعظمته، وخاصّةً في النفس، والكون، وبذلك يزداد إيماناً بالله وبكلّ شيءٍ غاب عنه؛ لوجود بعض الأمثلة من عالم الغيب في عالم الشهادة؛ كإحياء الأرض الميتة الدالّة على قدرة الله على إحياء الموتى .

العلاقة بين عالم الغيب وعالم الشهادة

يفرّق بين العَالَمين بالإيمان بهما؛ فعالم الشهادة يستوي فيه جميع الناس، فلا أحد يستطيع إنكاره، أمّا عَالَم الغيب فهو ميزان التفاضل عند الله، وبه يصل الإنسان إلى درجة المُتقين؛ لأنّ الإنسان يؤمن ويصدّق بشيءٍ لا يراه، قال الله -تعالى- في صفات المتقين: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ). البقرة: 3.

 ( العلاقة بين ميدان الشهادة وميدان الغيب،بليل عبد الكريم ) :

وبتدبُّر آيات القرآن الكريم نجد عالَمَي الغيب والشهادة متكاملَين، يذكران معا (الظواهر الكونية مع بعض المخلوقات من عالم الغيب؛ كتسبيح الرعد بحمده والملائكة) في قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ الرعد: 12- 13.

وكذلك ذكر العرش - وهو من الغيب - مع الظواهر الكونية: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ [الرعد: 2.

والاستدلال على البعث بمقدِّمات الإحياء للنبات في ميدان الآفاق من عالم الشهادة؛ ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ الحج: 6 – 7.
وجميع مكوِّنات الوجود - غيبًا كان أم شهادة - هي مستسلمة لله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ الرعد: 15، ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا الإسراء: 44.

 وأقسم تعالى على صدق الوحي بعالمي الغيب والشهادة مطلقًا؛ ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ الحاقة: 38- .

 " فمهمَّة الوحي في عالم الشهادة تتمثَّل في إمداد الإنسان بالعلم المتَّصل بعالم الغيب؛ ليربطه به فينشأ تكامل للوحي مع العقل والكون، ويتمكَّن الإنسان من تحقيق غاية وجوده في عالم الشهادة، ولن يستردَّ العقل المسلم عافيته إلا أن يستعيد رؤيته الإسلامية الكاملة، المبنية على التوحيد والوحدانية؛ ليتوحَّد عالم الغيب مع عالم الشهادة، والوحي مع العقل والكون".

ممَّا سبق يمكن إبراز التكامُل بين العالمين عالم الغيب وعالم الشهادة في مظهرين:
الأولوجود أدلة عالم الغيب في عالم الشهادة
الثانيبروز المخلوقات من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ثم تنتقل من عالم الشهادة إلى عالم الغيب بانتظام واطِّراد، ومن الأمثلة على ذلك ظواهر الولادة والموت في عالم الإنسان".
الإيمان بالغيب وأثره في الحياة
والإيمان المطلق بكل ما غاب عن السمع والبصر له أثرٌ كبير في حياة الفرد والمجتمع ومن تلك الآثار والجوانب الإيجابية:

 -تنمية التقوى لدى الشخص بمراقبة الله عز وجل له في السر وفي العلن.

-استشعار رعاية الله عز وجل للبشرية على اختلاف الأزمنة والأماكن.

-يكون الإنسان مدركاً للغاية من وجوده ولوجود العقاب والجزاء.

- إن الإيمان بالغيب يسهم في زيادة حصانة الإنسان من الوقوع في شر الخرافات والدجل والشعوذة.

-يدرك الإنسان حقيقة أن الحياة الحقيقية هي الحياة الآخرة، وأنّ الدنيا ما هي إلا معبر للحياة الآخرة لذا عليه الاستعداد لذلك اليوم بالعمل الصالح.

- الشعور بالطمأنينة والرضى والتسليم بأمر الله في النفس والكون، والبعد عن الانشغال بما لا تدركه العقول والحواس.

 لكن عالم الغيب لا يدرك بالحواس فكيف يعرف ؟

هناك من الحسيين والتجريبيين من لا يؤمن بعالم الغيب لأنه لا يتعرف عليه بحواسه فيقول :الله لا أراه  إذن غير موجود ،  لا أسمع عذاب القبر إذن غير موجود.

 فهذا صنف من الناس مادي التفكير فهل تكفي الحواس للحكم على شيء بأنه موجود أو غير موجود ؟

  الحواس لا تكفي لأنها تخطئ مثل الخداع البصري .و الحواس محدودة .و مجال الإدراك الحسي محدود بين العتبة الدنيا والقصوى .والإحساسات آنية جزئية فردية  ذاتية لا تنتقل، فهي إذن لا ترقى إلى مستوى العلم لأن العلم يقوم على التعميم والتجريد.

إذن فلا يوثق في الحواس لأنه يمكن أن يكون هناك موجودات لا تسجلها هذه الحواس ولا تدركها.

الاستنتاج : الحسيون الماديون ضيقوا واسعاً فالموجودات منها ما هو حسيي يدرك بالحواس ومنها ما لا يدرك بالحواس " الغيبيات " إذن فليس كل ما لا يدرك بالحواس غير موجود.

 فكيف تعرف السمعيات ؟

الإنسان بعقله قد يصل إلى إثبات بعض الغيبيات كوجود الله، وكإدراكه لبعض الأمور الغيبية التي لها مثيل في عالم الشهادة كالاستدلال على النشأة الآخرة بالنشأة الأولى.  ولكنّه لا يستطيع أن يصل إلى إثبات كُلّ الغيبيات إلّا بوحي، والمعرفة المُكتسبة من الوحي تكون يقينيةً؛ لأنّ في الوحي يتلقّى العلم من الله، ودلالته على المعرفة الدينية دلالةً شرعيةً سمعيةً عقليةً.

والحسّ وهو وسيلة الإدراك المباشرة، وبداية طريق الإنسان نحو المعرفة، لا يستطع الإنسان به أن يُدرك جميع الأشياء، ولكن لا بدّ له من النقل والعقل ليكون منهجاً مُتكاملاً، فمن رحمة الله -سبحانه- بعباده أن عدّد مصادر المعرفة، فلو بَقِي الإنسان يعتمد على حواسه فقط لبَقِي عاجزاً عن إدراك ما وراء المادة.

تعرف السمعيات بأمرين هما:

الخبر: ويقصد به النص القرآني والحديث النبوي الصحيح.

الأثر: وهو ما يدل على المؤثِّر.

فالخبر الصادق وهو القرآن والحديث الصحيح يدل على الغيبيات. وكذلك آثار الموجودات الغيبية التي تدرك بالحواس تدل على وجودها باستنتاج العقل، لكن العقل بعد أن يقر بوجودها يظل جاهلا بحقيقتها.

و حينما دعا القرآن الناس إلى الإيمان بأصول الغيب وجَّههم إلى بلوغ الإيمان من طريق البحث العلمي؛ فحثَّهم على استخدام أدواتهم المعرفية للتفكُّر والتدبُّر في دلائل القدرة وسعة العلم الدالَّة على قدرة الخالق، وأرشدهم إلى أن هذه الدلائل منبثَّة في السماء والأرض وفي أنفسهم وفيما حولهم؛ ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [ق: 6 - 8]، ففي هذا إثارة للعقل الإنساني بما يوصله إلى الاطمئنان للخبر الصادق، ويقوده هذا إلى الركون لتفصيلات الغيب، وأن لا طاقة له بها؛ حيث لم يستوعب ما هو في مجاله في الشهادة، وعجز عن كثير مما هو فيها، فكيف به مع ما هو خارج عن نطاقه؟!   وهذا يصدق في الغيب الذي لا يصبح من عالم الشهادة، أمَّا ما يمكن أن يدرك فيصبح من عالم الشهادة فالبحث فيه يطوله الحس والعقل.

  انتهى  

 

 

 

 

أولا: عالم الملائكة وعالم الجن  :

  الملائكة والجن من عالم الغيب لا نراهم ولكن جاءتنا معرفة عنهم من الخبر.

عالم الملائكة : الإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور: 

الأول : الإيمان بوجودهم.

الثاني : الإيمان بمن عُلم اسمه منهم باسمه (كجبريل) ومن لم يُعلم أسماءهم يُؤمن بهم إجمالاً.

الثالث : الإيمان بما عُلم من صفاتهم.

الرابع : الإيمان بما عُلم من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله تعالى كتسبيحه، والتعبد له ليلاً ونهارًا بدون ملل ولا فُتُور.

يُعَدّ الإيمان بالملائكة الرُّكن الثاني من أركان الإيمان، قال -تعالى-: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّـهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ) البقرة: 285.
والإيمان بهم يعني: التصديق، واليقين بوجودهم، وإعطاؤهم المنزلة التي مَنحهم الله -سبحانه- إيّاها، والإقرار بأنّهم عِبادٌ لله مأمورون، ومُكلَّفون منه، لا يقدرون على شيءٍ إلّا بأمر منه، وأنّهم رُسُله، قال تعالى: ﴿ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ الحج: 75، 76
من هم الملائكة ؟

خَلْق الملائكة: خَلْق الملائكة مُتقدِّمٌ على خَلق بني آدم، لقول الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ).البقرة :30

 خلق الله -سبحانه- الملائكة من نورٍ بدليل ما رُوِي عن أمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنّ الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- قال: (خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ الجانُّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ ممَّا وُصِفَ لَكُمْ). صحيح مسلم.

- مسكنهم السماء، وإنما يهبطون منها إلى الأرض أو غيرها من جِهات الملكوت تنفيذًا لأمر الله تعالى قال تعالى: ﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ [الأنبياء: 19].

-لا يتّصفون بالذكورة أو الأنوثة، فقد كذَّب الله المشركين على وصْفهم لهم بذلك؛ فقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا النجم: 26 - 28. 
-  ومتطهرون من الشهوات، لا يأكلون ولا يشربون ، ولا يتناسلون ولا ينامون. 

-لهم القدرة على التشكُّل بصورٍ مختلفةٍ، ومثال ذلك إرسالهم على هيئة بشرٍ كما أرسل الله إلى إبراهيم عليه السلام ، ومريم -عليها السلام- قال تعالى: (فَأَرسَلنا إِلَيها روحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا). مريم: 17
- امتلاك الأجنحة، وتختلف فيما بينها بالعدد، قال -تعالى-: (الْحَمْدُ لِلَّـهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّـهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). فاطر: 1
صفات الملائكة الخُلقيّة :

تتّصف الملائكة  بالأخلاق الفاضلة الكريمة البارة ، قال -تعالى-: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ)، عبس: 15-.16.و من تلك الصفات: الحياء. ودليله ما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (أَلَا أَسْتَحِي مِن رَجُلٍ تَسْتَحِي منه المَلَائِكَةُ). صحيح مسلم.

-و الخوف من الله -سبحانه- وخشيته، قال -تعالى-: (يَخافونَ رَبَّهُم مِن فَوقِهِم وَيَفعَلونَ ما يُؤمَرونَ). النحل: 50.

- و عدم معصية الله لقوله تعالى:(يا أيّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم:06

-و عبادة الله، وطاعته دون فتورٍ أو مللٍ، ومن عباداتهم: دوام ذِكرهم لله -تعالى-، ومنه التسبيح كما قال الله -عزّ وجلّ-: (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) . الزمر، آية: 75

﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ الأنبياء: 19، 20.
ومنهم مَن هذا شأنه أبدًا فهم صفوفٌ لا يفترون، ومنهم سُجَّد لا يرفَعون منذ خلقهم الله، كقوله صلى الله عليه وسلم:"أطَّت السماءُ وحُقَّ لها أنْ تئطَّ، ما فيها شبرٌ؛ وفي رواية: أربع أصابع - إلا وملك قائم أو راكعٌ أو ساجد؛ وفي روايةٍ: لا يرفعون رُؤوسهم - منذ خلَق الله السماوات والأرض - وفي رواية: لا يرفَعونها إلى يوم القيامة". خرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد .

 -و العلم الوفير؛ فقد تلقّت الملائكة عِلمها من الله -سبحانه-.قوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ الانفطار: 12؛ فالآية على عمومها لكتابة الأعمال ظاهرها وباطنها.
- وتنظيم الأمور والشؤون، قال الرسول -عليه الصلاة والسلام-: (ألَا تَصُفُّونَ كما تَصُفُّ المَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ فَقُلْنَا يا رَسولَ اللهِ، وكيفَ تَصُفُّ المَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قالَ: يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُوَلَ ويَتَرَاصُّونَ في الصَّفِّ). مسلم.

وظائفُهم وأعمالهم :
تدبير أمر الملكوت - عُلويِّه وسُفليِّه وما بينهما - وما فيه من مخلوقات وعَوالم  المنظورة وغير المنظورة بأمر الله تعالى ﴿ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا النازعات: 1 - 5.
: منهم: المكلَّفون بحمل العرش، وعددهم ثمانية ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ الحاقة: 15 - 17. ومنهم: المكلَّفون بتبليغ الوحي إلى حيث أمَر الله تعالى ( جبرائيل ).قال تعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ الشعراء: 193، 194.
ومنهم: خزنة الجنَّة.﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ الرعد: 23
.ومنهم: خزنة النار، وسيدهم مالك. ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ المدثر: 27 - 31.
﴿ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ العلق: 18. ﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ الزخرف: 77.
ومنهم: ملائكة الأرواح، وسيدهم إسرافيل. ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ الأنعام: 61.﴿ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ محمد: 27
ومنهم: ملائكة الأرزاق، وسيدهم ميكائيلومنهم: المكلَّفون بحفظ السماوات. ومنهم: المكلَّفون بالرياح والسحابومنهم: المكلَّفون بالجبال .قد ثبت في حديث الطائف وعودة النبي صلى الله عليه وسلم منها أنه أتاه جبريل فقال له: ((إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا به عليك وقد بعث الله إليك ملَك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا)). البخاري  ومسلم ، ومعنى (الأخشبان): جبلا مكة المحيطان بها.
. ومنهم: المكلَّفون بالنباتومنهم: المكلَّفون بالبحارومنهم: المكلَّفون بأمور الحوت والطيور والدواب، ونحوها من الأمم والعوالم التي لا يحصيها إلا الله تعالى.

 - تدبير أمر المكلَّفين من الخلق - الجن والإنس - والصلة الوثيقة بهم في أحوال كثيرة، في حياتهم وبعد مماتهم، وقد جاءت النُّصوص بإثبات وظائف جماعاتٍ من الملائكة عليهم السلام على التفصيل كما يلي:

1- حفظ بني آدم، وهو من وظيفة الملائكة المعقِّبات. ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ الأنعام: 61

 ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ الرعد: 11 وقال مجاهد: "ما من عبد إلا له ملك موكل بحفظه في نومه ويقظته من الجن الإنس والهوام، فما منها شيء يأتيه إلا قال له الملك: وراءك، إلا شيء أذن الله فيه، فيصيبه".

2- حفظ أعمال بني آدم، وهو من وظيفة الكِرام الكاتبين. قال تعالى﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ  الانفطار: 10 -11

3- السياحة لالتماس مجالس الذكر وحِلَقِ العلم، وهو من وظيفة الملائكة السيَّاحين. ﴿ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ الشورى: 5.
4- ملائكة الروح الذين ينفُخون الأرواح في الأجنَّة في الأرحام، ويقبضونها عند انتهاء الآجال. عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: ((إن أحدكم يُجمَع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات؛ بكَتْب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد)). البخاري  ومسلم  وأبو داود  والترمذي.
5- الملائكة الذين يُسدِّدون ويُعِينون المكلَّفين على الخير ويمدُّون المجاهدين المتَّقين. ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ غافر: 7 - 9.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ فصلت: 30 – 32و ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ آل عمران: 124، 125.
6- كُتَّاب الناس يوم الجمعة على أبواب المساجد الأوَّل فالأوَّل.

7- الصلاة على المصلين مدَّةَ انتظارِهم لصلاة الجماعة.

8- فتنة الأموات في القبور. وهما منكر ونكير.وقد جاء في وصفهما:أنهما أسودان أزرقان؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أقبر الميت - أو قال: أحدكم - أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير...)) حسن رواه الترمذي  وابن حبان  وابن أبي عاصم في السنن.

  سؤال وجوابه:أثبت بالخبر ثم بالأثر الصفات الخلقية للملائكة :

 دليل الخبر: قوله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فاطر:01

دليل الأثر :  رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل في بداية البعثة يغطي  السماء في صورته الحقيقية، ورؤية الصحابة رضي الله عنهم جبريل في صورة إنسان في حديث جبريل عليه السلام .كان كثيرا ما يتمثل في صورة الصحابي دحية الكلبي .وكذلك ضيوف إبراهيم هم ملائكة في صورة بشر بدليل أنه قدم لهم الطعام وأبوا أن يأكلوا.

النتيجة: الملائكة يمكن أن  تظهر في صورة حقيقية وصورة بشرية ( تمثل ) كما تمثل جبريل عليه السلام لمريم عليها السلام . ونتوقف في اعتقادنا عند هذا الحد المثبت بالنص أو الأثر لصحيح.  

مسألة التفاضل بين الملائكة والإنسان :

 أيهما أفضل الملائكة أم البشر  ؟

هذه المسألة نجدها في  قوله  تعالى : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) الإسراء: 70 . 

ودلت الآية على أن بني آدم لم  يفضلوا على جميع المخلوقات.

وأقوال العلماء في المسألة :

1-قال البعض بتفضيل الملائكة مطلقا :لصفاتهم.

2-قال البعض بتفضيل بني آدم مطلقا [ السجود، العلم، الخلافة، التكريم، العلم... ].     

3-مذهب أهل السنة:  الأنبياء أفضل من الملائكة أما بقية البشر فالأفضل التوقف، وذهب جماعة من المنتسبين اِلى السنة أن الأنبياء وصالحي البشر أفضل من الملائكة.

 4-بينما ذهبت المعتزلة إلى تفضيل الملائكة على البشر.

أما أتباع الأشاعرة فهم على قولين منهم من يفضل الأنبياء والأولياء و منهم من يقف ولا يقطع بينهما بشيء، لكن يحكى عن بعضهم ميل إلى تفضيل الملائكة وحكي ذلك عن غيرهم وهم بعض الصوفية.

6- وقالت الشيعة إن جميع الأئمة أفضل من جميع الملائكة.

7-وذكر أن أبا حنيفة توقف في المسألة وكذلك شارح الطحاوية.

8- وذكر السفاريني أن الإِمام أحمد كان يفضل صالحي المؤمنين على الملائكة، ويخطئ من يفضل الملائكة على بني آدم.

محل النزاع : المفاضلة بين صالحي البشر والملائكة :أيهما أفضل ؟

صالحو البشر :الأنبياء والأولياء والصالحون أفضل من الملائكة. ومراتب الصلاح هي: النبوة، الصديقة،  الشهادة، الصحبة، التقوى، والولاية.

الحجج :

1-أمر الله الملائكة بالسجود لآدم سجود تشريف وتكريم.

2-التكريم في قوله تعالى (أَرَآيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ)الإسراء 62.

3-خلق الله آدم بيديه ونفخ فيه من روحه بينما خلق الملائكة بكلمته [كن].

4-في قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) البقرة : 30 .

5-والخليفة يُفَضَّل على من ليس خليفة، وقد طلب الملائكة هذه المكانة أي الخِلافة.

6-تفضيل آدم على الملائكة بالعلم حين سئلوا عن الأسماء: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31)قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32البقرة : 31- 32

7-طاعة البشر أشقّ والأشقّ أفضل بسبب (الشهوة، الحرص، الغضب، الهوى...).

8-مباهاة الله تعالى بالبشر الصالحين في الملإ الأعلى( أهل عرفة ، الذاكرون ، مجالس العلم ..).

تحقيق القول في محل النزاع لابن تيمية : 

نقل ابن القيم عن ابن تيمية : (أنه سئل عن صالحي بني آدم والملائكة أيهما أفضل؟ فأجاب بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزهين عما يلابسه بنو آدم، مستغرقون في عبادة الرب، ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر، وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير حال صالحي البشر أكمل من حال الملائكة) .                        انتهى

- عالم الجن : عالم الجن من الغيبيات مثل عالم الملائكة. نؤمن بوجودهم.

تسميته: يسمون بالجن لاستتارهم عن أعين الإنس كما تسمى الجنة بالجنة لالتفاف الأشجار حول بعضها، وكما يسمى الجنين في بطن أمه جنيناً لاستتاره، وكما يسمى المجن مجناً لاستتار المقاتل به في الحرب.

أصل خلق الجن:

نعلم أن الجن خُلقوا من النار كما قال تعالى: ﴿ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ الحجر: 27، وقال تعالى: ﴿ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ الرحمن: 15. قال عبدالله بن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: (مارج من نار: طرف اللهب)، وعن حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((خُلقت الملائكة من نور، وخُلق الجآن من مارج من نار، وخُلق آدم مما وصف لكم)) رواه مسلم. وأنهم يأكلون ويشربون ويتزاوجون ولهم ذرية كما قال الله تعالى في الشيطان ‏:‏ ‏(أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ).الكهف :50 .وكان خلقهم قبل خلق الإنس، كما قال الله تعالى‏:‏ ‏(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ).الحجر : 26-27

صفة خلقة الجن:

حقيقة الجن الله أعلم بها ،ولكننا نعلم أن الذي يشير إليه الخبر الصادق أن الجن يتشكلون بالصور المختلفة. ورد في السنة المطهرة أحاديث عديدة تدل على تشكل الجن ورؤيتهم، من ذلك
1- ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(إن عفريتا من الجن جعل يفتك عليَّ البارحة، ليقطع عليَّ الصلاة، وأن الله أمكنني منه فذعته، فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد، حتى تنظرون إليه أجمعون -أوكلكم -. ثم ذكرت قول أخي سليمان((قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي)). فرده الله خاسئاً) . البخاري  ومسلم.

2-وفي صحيح مسلم عن أبي الدرداء قال:( قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك، ثم قال: ألعنك بلعنة الله. ثلاثاً، وبسط يده كأنه يتناول شيئاً. فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله, قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً، لم نسمعك تقوله قبل ذلك. ورأيناك بسطت يدك؟ قال: إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي. فقلت: أعوذ بالله منك. ثلاث مرات. ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة. فلم يستأخر. ثلاث مرات. ثم أردت أخذه. والله  لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة. ).

3- ما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إني محتاج, وعلي عيال, ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالاً فرحمته فخليت سبيله، فقال: أما إنه قد كذبك، وسيعود. فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه سيعود. فرصدته، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: دعني فإني محتاج, وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك؟ قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً، فرحمته فخليت سبيله، قال: أما إنه كذبك، وسيعود. فرصدته الثالثة، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات إنك تزعم لا تعود، ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم). حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: ما هي؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم (الله لا إله إلا هو الحي القيوم.)  وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة.قال: لا، قال: ذاك شيطان.) البخاري

ويقول محمد رشيد رضا مبيناً إمكانية رؤية الجن: (فإذا تمثل الملك أو الجان في صورة كثيفة كصورة البشر أو غيرهم، أمكن للبشر أن يروه، ولكنهم لا يرونه على صورته وخلقته الأصلية بحسب العادة، وسنة الله في خلق عالمه وعالمها.)

صورة الشيطان:

صورة الشيطان من أقبح الصور في الخلق، وقد شبهها الله بثمار أشجار الزقوم في النار التي تنبت في أصل الجحيم، قال تعالى: ﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ .الصافات: 62 – 65

الشيطان له قرنان :

جاء في صحيح مسلم من حديث عبدالله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تحروا بصلاتكم قبل طلوع الشمس ولا قبل غروبها فإنها تطلع بقرني شيطان)، ومعنى الحديث: أن المشركين كانوا يعبدون الشمس ويسجدون عند طلوعها وعند غروبها وعند ذلك ينتصب الشيطان في الجهة التي تكون فيها الشمس حتى تكون العبادة له.

والجن مخلوقات عاقلة مكلفة: 

لقوله تعالى: "وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَ الاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ"الذاريات:56.

وأنهم مكلفون بالعبادات يوجه إليهم أمر الله تعالى ونهيه،  فقد أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وحضروا واستمعوا القرآن كما قال الله تعالى ‏:‏ ‏(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا).الجن :1-2 وكما قال تعالى‏:‏ (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ﴿29﴾ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿30﴾ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿31﴾ وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿32﴾ ) الأحقاف : 29-32

جزاؤهم: بما أنهم مكلفون فلهم جزاء يوم القيامة.

 قال تعالى: (يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَ الاِنسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمُ ءَايَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذا قَالُوا شَهِدْنَا عَلى أنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الحيوَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوُا عَلَى أَنفُسِهِمُ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) الأنعام:130. قال الله تعالى‏:‏ ‏(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)الرحمن :46

صلاح وفساد الجن:

منهم المؤمن، ومنهم الكافر، ومنهم المطيع، ومنهم العاصي، وأكثرهم العصاة والفجار والكفار، قال تعالى: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا الجن: 11، وقال تعالى: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا  وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا الجن: 14- 15

‏‏ قرين الإنس:

جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، قالو: وإياك يا رسول الله؟ قال :" وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير"-رواه مسلم-

الجن لا يعلمون الغيب

اقرأ قوله تعالى (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) النمل :65.وقوله تعالى‏:‏ ‏(فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)سبأ:14‏.‏ و الذين يدعون أنهم يعلمون الغيب في المستقبل كل هذا من الكهانة وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏‏(أن من أتى عرافاً فسأله شيءلم تقبل له صلاة أربعين ليلة .)رواه مسلم

قدراتهم : الجن والشياطين كالإنس فيهم جوانب قوة وجوانب ضعف:

جوانب قوة: قال تعالى: (قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الجِنِّ أَنَآ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ) النمل:39 أي سرعة الحركة والانتقال.و ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ( الرحمن الآية: 33

 جوانب الضعف:

 ضعف كيد الشيطان عموما في قوله تعالى﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا النساء: 76

لا سلطان لهم على عباد الله الصالحين، وأن سلطانهم يكون بالإغواء والإضلال.

خوف الشيطان من بعض عباد الله  تعالى  ولذلك قيل: (من قوي إيمانه قهر شيطانه-)

 -عجزهم عن الإتيان بالمعجزات ولا يستطيعون أن يأتوا بمثل ما جاء به الأنبياء والرسل.

لا يتمثلون في المنام بالرسول  صلى الله عليه وسلم.

- لا يستطيع الجن أن يتجاوزوا حدود معينة من أقطار السماوات والأرض.

 العلاقة بين الجن والإنس:

إبليس و الشياطين عدو لبني آدم :﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً الكهف الآية: 50.

حكم خدمة الجن للإنس؟

تحرم الاستعانة بالجن ولو كانوا مسلمين. وسئل الدكتور وهبة الزحيلي : هل يجوز الاستعانة بالجن المسلم؟ وما حكم من استعان بالجن المسلم لخدمة المسلمين؟ وما حكم الاستعانة بالجن بشكل عام؟ فأجاب: يحرم الاستعانة بالجن أياً كانوا،فهو مذموم شرعاً لقوله تعالى في سورة الجن‏:‏ ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا الجن: 6.

أدلة المانعين: 1-وبقوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ الأنعام: 128.

2- أنه وسيلة إلى عبادتهم وتصديقهم؛ لأن في الجن من هو كافر ومن هو مسلم ومن هو مبتدع، ولا تعرف أحوالهم فلا ينبغي الاعتمـاد عليهم ولا يسألون؛ ولأنه وسيلة للاعتقاد فيهم والشرك، وهو وسيلة لطلب النفع منهم والاستعانة بهم، وذلك كله من الشرك.

 3- أنهم يكذبون فقد يزعم أنه مسلم، وهو كذاب من أجل أن يتدجل على الإنس فيُغلق هذا الباب من أصله.

 4- الاستعانة بالغائب لا تجوز سواء كان جنيًا أو غير جني.

 5- هم في الغالب لا يخدمون الإنس ولا يساعدونهم إلا بعد دعائهم أو التقرب إليهم.

 6- فيه اعتداء على حقوق الله، وعلى حقوق الآدميين من أخذ أموالهم، والتأثير على عقيدتهم، وفتح باب شر لهم.

 7- قولهم: بأنه لم يثبت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته ولا التابعين ولا أحد من أئمة الدين أنه استعمل الجن، ولو كان في هذا خير لما أدخره الله عنهم.

 8- الأصل في الاستعانة بالجن المنع.

 يمكن للجن أن يتلبس الإنس : ذكر المس في قوله تعالى: ( لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ) البقرة:275 

ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم :‏‏(إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.) البخاري و مسلم عن صفية رضي الله عنها.وقد جاءت أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رواها الإمام أحمد والبيهقي، أنه أتي بصبي مجنون فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول :اخرج عدو الله، اخرج عدو الله)وفي بعض ألفاظه‏:‏ ‏اخرج عدو الله أنا رسول الله)‏‏.‏ فبرأ الصبي‏.‏

إذا ابتلي الانسان بالجن من باب الأذى والاعتداء أو من باب التسليط بالسحر والحسد  والعين، فإنّ هذا الأذى يحدث أو لا يحدث بإذن الله، قال تعالى: (وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنَ اَحَدٍ اِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ) البقرة: .02

 فالأمر ابتلاء لتمحيص الإيمان، فالمبتلى في مجاهدة مأجور عليها والله يعينه، وعليه لزوم التقوى والدعاء والتمسك بالقرآن والأذكار.                          انتهى

 

 

ثانيا: اليوم الآخر

 

1-طريقة القرآن في عرض الحياة الآخرة وإثباتها:

منهجنا هو التأصيل من الكتاب والسنة الصحيحة في تقرير المسائل العقدية، فنلاحظ أن :

-الإيمان باليوم الآخر يأتي عقب ذكر الإيمان بالله مباشرة. قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَّقُولُ ءَامَنَّا بِالله وَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ) البقرة:8

-تتعدد أسماء اليوم الآخر : يوم الدين، القارعة، القيامة...الخ.

-ورد في القرآن الكريم تذكير باليوم الآخر وعرض لمشاهده وتفصيل لأحداثه (الموت، البعث،

الحشر، الحساب، الصراط، الميزان، الصحف، الجنة، النار، وتفاصيل العذاب والنعيم...).فهذه الآيات والصور كلها إثبات لليوم الآخر وتذكير للإنسان لما فيها من ترغيب وترهيب.

فما هي الأدلة التي نجدها في القرآن الكريم في إثبات اليوم الآخر؟

إثبات اليوم الآخر في القرآن الكريم يكون بإثبات البعث، والبعث هو إحياء الموتى. ومشكلة المشركين الذين ينكرون اليوم الآخر ولا يؤمنون به هو أهم ينكرون البعث. قوله -تعالى-: (وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا)[الإسراء: 49]، (أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)[السجدة: 10، (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ)[ق: 3]، (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ...)[سبأ: 7، 8] 

أدلة القرآن الكريم في إثبات البعث واليوم الآخر:

1-الاستدلال بالنشأة الأولى على البعث: فالقرآن الكريم يعتمد على دليل الخلق الأول لإثبات الخلق الثاني، ومعنى الدليل :أيهما أيسر الخلق ابتداء؟ أم إعادة الخلق؟ الله لا يُعجزه شيء، وليس شىء عليه بالبعيد، فهو القوي القادر الذي خلق الخلق ، فكيف يصعب عليه أن يعيده؟! (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[الروم: 27]، (وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ...)[الإسراء: 49- 51]، (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ * قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُون)[المؤمنون: 79- 85] ، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ)[الحج: 5]، إلى غير ذلك من الآيات التي تَذْكُر قدرة الله، وتُذَكِّر بنشأة الخلق، وتَرُدُّ عليهم استبعادهم للأمر. فإعادة إحياء الإنسان بعد الموت أسهل من خلقه ابتداء.

﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ الأنبياء: 104.. ﴿ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا مريم: 66، 67

 ففي هذه الآيات يوضح سبحانه لعباده أنه يعيد إحياء الموتى بعد أن ماتوا وبليت أجسامهم في الأرض، فكما أنه أنشأهم أول مرة لا يعجزه أن ينشئهم مرة أخرى.

2-الاستدلال بخلق السموات والأرض: إن من جملة ما خلق الله تعالى ما هو أعظم من خلق الناس؛ فكيف يقال للذي خلق السموات والأرض: أنت لا تستطيع أن تخلق ما دونها: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الأحقاف: 33.. ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ 

3- الاستدلال بإخراج النار من الشجر الأخضرعلى البعث :في قوله تعالى :  ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ يس: 77 - 80

4- الاستدلال بإحياء الأرض الميتة وإنبات النبات: فهذه الأرض تكون ميتة هامدة فينزل الله عليها الماء فتصبح مخضرة ناضرة بالزرع والنبات: ، (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ)[ق: 9- 11]. فإحياء الأرض الميتة اليابسة بالماء وإخراج أنواع النباتات دليل حي على إمكانية البعث. قال تعالى: (وَمِنَ اَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الاَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فصلت:39.و ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَالروم: 19. ﴿ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الروم: 50، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الحج: 5-7.

 5-الاستدلال بإحياء بعض الأموات في الدنيا: إخبار الله تعالى بما وقع من البعث الحسي المشاهد في الحياة الدنيا: ليكون إحياء الله للموتى في الدنيا دليلاً على البعث في يوم القيامة.

-قصة عزير المار على القرية: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ البقرة: 259.

-و منها موت بني إسرائيل الذين تنطعوا في إيمانهم، واشترطوا لذلك أن يروا ربهم؛ فأخذتهم الصاعقة، ثم بعثهم الله ليريهم قدرته: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ البقرة: 55، 56.

 وغيرها من الآيات التي تحكي المشاهدة الحسية لإحياء هؤلاء الأموات كقتيل بني إسرائيل، وإحياء الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ البقرة: 243

6- الاستدلال بحصول اليقظة بعد النوم: فالنوم موتة صغرى والاستيقاظ شبيه بالإحياء بعد الموت ونحن كل يوم نموت موتة صغرى ونبعث. قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهارٍ ثُمَّ يَبْعَثُكُم) الأنعام:60 .

صح أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- نادى به في قومه حين أُمِر أن يصدع بدعوة الحق بعد أن كان مستخفيًا بها، فقال: (والله لَتموتُنَّ كما تنامون، ولَتُبعثُنَّ كما تستيقظون، ولَتُحاسَبُنَّ بما تعملون).الكامل في التاريخ ، ج2، ص40-41، هذا قريب مما جاء به القرآن الكريم في قوله -تعالى-: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[الزمر: 42].و هنا أيضا قصة أصحاب الكهف .

7- الاستدلال بأن حكمة الله تعالى وعدله يقتضيان وجود البعث؛ فالله عز وجل لم يخلق الناس عبثا. فلابد من الرجوع إلى الله تعالى للحساب و الجزاء .قال تعالى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ المؤمنون: 115، ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى القيامة: 36. وفي آية ثالثة: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ)[الأنبياء: 16، 17]، (وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)[الجاثية: 22]. (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)[الجاثية: 24].

مسالك القرآن الكريم في معالجته لقضية البعث: 

القرآن الكريم في معالجته لقضية البعث والجزاء، يعرض ثلاثة مسالك :

المسلك الأول: عرض الشبهة ثم الرد عليها: مثاله من سورة ق: قال تعالى :( ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ(3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ } [ق: 1 - 11. من 1إلى 3 عرض الشبهة .من 4إلى 11الرد في عدد من الأدلة العقلية والحسية المشاهدة، التي تخاطب العقل وتستثير الوجدان.

المسلك الثاني: تقديم الدليل، ثم إيراد القضية بعد استقامته ووضوحه:
مثاله :يقول الله تعالى من سورة المؤمنون: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مِّن طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً في قَرَارٍ مَّكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخالقين* ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ.) المؤمنون 12- 16

المسلك الثالث: هو إخبار الله تعالى بوقوع البعث من غير أن يذكر الدليل 

مثاله: إقسام المنكرين بأن الله لا يبعث من يموت و إقسام الله بحدوث البعث .يقول تعالى في سورة النحل:( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ).النحل :38  

و مثاله: نفيهم مجيء الساعة وزعمهم عدم وقوع البعث.يقول تعالى من سورة سبأ.(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ .)سبأ: 3 . و من سورة التغابن (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴿٧ التغابن :7

و مثاله : الإخبار بقيامهم من قبورهم:يقول تعالى من سورة يس (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). يس: 51 – 54

وقد ركز القرآن الكريم في الاستدلال على اليوم الآخر من خلال إثبات البعث على ثلاثة صفات :

1) تقرير كمال العلم لله تعالى .

2) تقرير كمال القدرة لله تعالى .

3) تقرير كمال الحكمة لله تعالى..انتهى

 

2- مسؤولية الإنسان العظمى والحياة الآخرة:

تعريف المسؤولية:

عرفها عبد الله دراز بقوله: "المسؤولية هي كون الفرد مكلفاً بأن يقوم ببعض الأشياء وبأن يقدم عنها حساباً إلى غيره." وعرفها أحمد بن عبد العزيز "بأنها أهلية الشخص أن يكون مطالباً شرعاً بامتثال المأمورات، واجتناب المنهيات، ومحاسباً عليها."

إذا أردنا أن نتعرف على المعنى الجامع للمسؤولية يجدرنا أن نضع بجوارها الكلمات القرآنية التي تتطابق معها، وهذه الكلمات هي الخلافة والتكليف والأمانة.
ونورد الآن فيما يلي تفسير هذه الكلمات من كتب التفاسير حتى يتضح لنا المعنى:

1قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ البقرة: 30 ، أي إني جاعل (أقواماً يخلف بعضهم بعضاً).

2 وقال تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ  البقرة. آية 286. في الآية نص على تكليف العباد بالأوامر والأعمال التي في وسع المكلف، وفي مقتضى إدراكه، فللنفس ما كسبت من خير، وعليها ما اكتسبت من شر.

 3 وقال تعالى:﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا الأحزاب. آية 72.

ذكر ابن كثير في تفسير الأمانة عدة أقوال، تدور كلها على الفرائض والطاعات، ثم قال "وكل هذا الأقوال لا تنافي بينها، بل هي راجحة إلى أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إذا قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه إلا من وفقه الله".

 قول العقاد في بيان المراد بالأمانة في قوله تعالى: ﴿ عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ يقول: "وردت كلمة الأمانة والأمانات في خمسة مواضع من القرآن الكريم وكلها بالمعنى الذي يفيد التبعة والعهد والمسؤولية".

إذن المسؤولية في معناها الجامع الشامل تعني:"الاستعداد الفطري الذي جبل الله تعالى عليه الإنسان ليصلح للقيام برعاية ما كلفه به من أمور تتعلق بدينه ودنياه، فإن وفى ما عليه من الرعاية حصل له الثواب، وإن فرط فيها حصل له العقاب".

أهداف المسؤولية التي كلف  الله تعالى بها عباده:

1 تحقيق العبودية: انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ سورة الذاريات: 56. فالهدف الأساسي لوجود الإنسان في الكون هو عبادة الله، والخضوع له، وتعمير الكون؛ بوصفه خليفة الله في أرضه.

 وحقيقة العبودية هي التوحيد، بأن يكون العمل خالصاً لله تعالى دون سواه، فقد دعا كل رسول أمته إلى عبادة الله وحده، واجتناب ما سواه، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ .ا لنحل: 36.

 والعبودية لله تعالى لا تقتصر على مجرد أداء شعائر ومناسك معينة: كالصلاة، والصيام، والحج مثلاً وإنما هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.

- فمظاهر العبادة:وتشمل:1المظهر الديني وموضوعه: علاقة المسلم بالخالق .2المظهر الاجتماعي وموضوعه: علاقة المسلم بالأفراد والجماعات .3وأما المظهر الكوني: فموضوعه علاقة المسلم بالكون المحيط .

2مرضاة الله تعالى:

يتخذ المسلم فيالقيام بالمسؤوليات المختلفة مرضاة الله تعالى هدفاً له مقتدياً بنبي الله سليمان عليه السلام حين دعا ربه أن ينال على عمله الصالح رضاه، كما حكى القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ    النمل: 19. ، ويستنهض هذا الهدف في المسؤولية همة الإنسان لاتباع منهج الله في الحياة الدنيا، والتنعم بهدايته الذين لا سبيل إليهما إلا بالتزام أمر الله، قال تعالى: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . المائدة: 15- 16.

 وينال المسلم بتحقيق هذا الهدف في عمله الأجر العظيم الذي هو دليل على أنه مقياس في خيرية الأعمال، قال تعالى: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا  . النساء: 114.

 ويحصل به العامل على درجة عالية عند الله تعالى، لا يصل إليها من باء بسخطه سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ  . آل عمران: 162- 163.

   هل وردت مسؤولية الإنسان في القرآن؟

       جاء ذكر مسؤولية الإنسان في قوله تعالى: ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) النور:24.  جاءت الشريعة بحفظ الجوارح :من خلال الأوامر والنواهي الإلهية : إفعل كذا لا تفعل كذا. لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) سورة الحجرات :6 .وقوله أيضا :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (سورة الحجرات :11.وقوله تعالى : (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) النور:30.

 ومما يسأل عنه الإنسان العهد لقوله قال الله تعالى(وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا)  الإسراء: 34 قال الله تعالى(وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) النحل: 9. 

ويسأل الرسل  لقوله : (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ)  الأعراف: 6.

 والله تعالى يسأل عيسى عليه السلام عما نسب إليه لقوله تعالى : (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (المائدة:116  .   

وفي السنة ذكرت المسؤولية : فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « كلكم راع ومسؤول عن رعيته؛ فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته،، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته»، قال: فسمعت هؤلاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحسب النبي صلى الله عليه وسلم قال"والرجل في مال أبيه راع وهو مسؤول عن رعيته فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته." البخاري. وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه." صحيح البخاري.

إذن فكل إنسان مسؤول عن نفسه و عن الآخرين حسب علاقته بهم وقد أثبتت الشريعة أنواع هذه المسؤولية وعن كيفية أدائها بالشكل الصحيح (التكاليف الشرعية ). 

 فيما تتمثل مسؤولية  الإنسان  في علاقته بالكون  ؟

ذكر الراغب الأصبهاني أن :"الفعل المختص بالإنسان ثلاثة: عمارة الأرض، المذكورة في قوله: (هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها (هود:61، وذلك تحصيل ما به تزجية المعاش لنفسه وغيره.وعبادته المذكورة في قوله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ).الذاريات:56، وذلك هو الامتثال للباري تعالى في عبادته، في أوامره ونواهيه، وخلافته المذكورة في قوله: (ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ) الأعراف:129، وذلك هو الاقتداء بالباري سبحانه على قدر طاقة البشر في السياسة، باستعمال مكارم الشريعة. ومكارم الشريعة هي الحكمة، والقيام بالعدالة بين الناس في الحكم، والإحسان والفضل. والقصد منها: أن يبلغ بذلك إلى جنة المأوى، وجوار رب العزة تبارك وتعالى ( .

ويتناول ماجد عرسان الكيلاني العلاقات بين الإنسان والخالق والكون والحياة الآخرة كما يلي:

1العلاقة بين الخالق وبين الإنسان: علاقة عبودية.

2العلاقة بين الإنسان والكون: علاقة تسخير.

3العلاقة بين الإنسان وبين الحياة: علاقة ابتلاء.

4العلاقة بين الإنسان والآخرة: علاقة مسؤولية وجزاء.

علاقة الإنسان بالكون

الإنسان يندرج ضمن هذا الكون المعبود لله، فهو جزء منه، و لكنه مع ذلك يتمتع بخصوصية كبيرة تجعله مستقلا بداخله، فهو الخليفة فيه، و الكون هو مجال خلافته المسخر له. كما أن الإنسان يتميز عن سائر المخلوقات بالعقل، مما يجعل الكون مجالا خصبا للتفكر و التأمل في دقائقه، مرة للاعتبار، و مرة للتعلم من دقته نظامه و جماله، و مرة أخرى للزيادة في الإيمان و مشاركته في التسبيح لله الواحد القهار.

قواعد:

· الإنسان جزء من الكون و هما مخلوقان يشتركان في عبادة الله

· الكون مسخر  للإنسان و هو مأمور بتعميره و العمل فيه

· الكون مجال للتفكر و التأمل و التعلم للإنسان، يستلهم من نظامه و جماله..

هذا التسخير يبدو لنا واضحا في قوله تعالى في سورة الجاثية: (وسَخَّرَ لكم ما في السماوات وما في الأرضِ جَميعاً ) الآية 13. فالكون هو بيئة الإنسان و مجال عمله.

والتسخير لغة: العمل والخدمة مجانا.

ومصطلحا: أن الله مكن الإنسان من استخدام مظاهر الكون في تطبيقات عملية نافعة للإنسان في مجالات حياته دون ثمن يقدمه لله الغني سبحانه وتعالى .

ميادين التسخير

ميادين التسخير التي يجب أن تتوجه إليها أجهزة الوعي في الإنسان: (العقل والسمع البصر). ولقد تحددت ميادين التسخير في ميدانين رئيسيين هما: "ميدان الكون"، "وميدان النفس". وقيمة هذا التحديد هو حفظ هذه الأجهزة من التوجه إلى ما لا يمكن البحث فيه. ومن تبديد الطاقات فيما لا طائل تحته .

وتتحدد جوانب التسخير في ميدان الكون في عناصر الكون الرئيسية الثلاثة:

 الفضاء المحسوس، واليابسة الملموسة، والماء الكائن في المحيطات والبحار وما يتفرع عنهما. ومن هذه    الميادين الثلاثة تتفرع ميادين فرعية لا حصر لها. ((اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)) إبراهيم :32-33

ولقد ازداد التسخير في آيات الآفاق في الكون بازدياد العلم بقوانين هذا الكون، وهو ما نسميه بتقدم التكنولوجيا.

 ونحن اليوم نرى آثار الخروج على – علاقة التسخير في الحضارة المعاصرة في ميادين العلوم والتكنولوجيا الذرية والهيدروجينة وعلوم الفضاء، وهي تتحول على يد الانسان الذي لا يهتدي بعلاقة التسخير إلى أهوال وأخطار مسخرة "على" الإنسان تنذر بتدمير حياته كاملة على الأرض بدل أن تكون مسخرة "له" ترقى به إلى الرسوخ في معرفة الله والتنعم بنعمه.

 كيف تكون عمارة الأرض ؟  

قال تعالى:( وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ ) هود: 61.

ذكر المفسرون: أن تعمير الأرض من مقتضيات كون الإنسان خليفة فيها، وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد  في قوله (اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) أنها بمعنى: استخلفكم فيها، ونُقِل عن بعض العلماء أن تعمير الأرض واجب، فقالوا: "الاستعمار طلب العمارة، والطلب المطلق من الله تعالى على الوجوب ."

 إن الله كما علم الإنسان كيف يصلي وكيف يصوم ،علمه كيف تكون عمارة الأرض وأرشده.و من ذلك :

-  الأمر الموجه للاِنسان  بالنظر إلى الكون والمخلوقات  والتدبر فيها لقوله تعالى: (قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ ) يونس :101 لقوله: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) الغاشية:17.

- فهذا التدبر في المخلوقات ومعرفة كيف خلقت هو وسيلة لمعرفة الخالق تعالى وعظمته من خلال معرفة القوانين والسنن التي تجري عليها هذه المخلوقات .ولهذا نلاحظ انتهاء كثير من هذه الآيات  الكونية بوظائف  العقل والإيمان : يتذكرون يتفكرون يبصرون....

 - هذا النظر يحرر الإنسان من عبادة غير الله بما أن هذه الكائنات من خلق الله  فلا ينظر إليها رغبا ولا رهبا.

- لاينظر إليها بعلاقة العداوة والصراع بل ينظر إليها بعلاقة التسخير الرباني لبني آدم بدليل قوله تعالى:( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) الملك 15 .وقوله تعالى: ( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) الجاثية :13 .

-يتصرف الإنسان مع مخلوقات الله وفق منهج الله تعالى وهو الانتفاع والإصلاح وعدم الإفساد. ويتعامل الإنسان مع البيئة  في إطار العقيدة الإسلامية .مثلا تكون العمارة بالفلاحة والصناعة  والبناء  وشق الطرقات وأنواع الصناعات  . لقوله تعالى : (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحديد :25 

ومن ذلك حديث النبي صلى الله عليه  وسلم : ( مامن مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له  به صدقة ). متفق عليه.

 وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها ). رواه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد. ونستفيد من الحديثين أهمية عمارة الأرض (هنا الغرس حتى وأن لم يثمر).

- وفي التعامل مع خيرات الطبيعة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسراف لقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) الأعراف :31.

-وفي تعامل مع الحيوان  أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق  لقوله :(... فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة  وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته ) من أسباب دخول النار عدم الرفق بالحيوان لقوله صلى الله عليه وسلم : (دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها  ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض ) .رواه البخاري ومسلم 

-كما نهى القرآن عن الإفساد في الأرض قال تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) الأعراف:85 .                      انتهى

 

 

 

ثالثا: أثر الإيمان بالحياة الآخرة والحساب:

ورد ترتيب الإيمان باليوم الآخر في القرآن الكريم مباشرة بعد الإيمان بالله تعالى في كثير من الآيات، لترسيخ عقيدة الجزاء في نفس المؤمن التي توجه سلوكه في الحياة، فليس هناك شيء أعظم من الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر وازعا دينيا لتوجيه سلوك الإنسان في الدنيا.

قال تعالى في ضرورة يوم الحساب والجزاء: ( أَفَحَسِبْتُمُ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَّ أَنَّكُمُ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ) المؤمنون:115

فماهي آثار الإيمان باليوم الآخر في حياة الإنسان؟

-من آثار الإيمان باليوم الآخر والحساب استقامة الفرد المسلم:

وذلك لأن هذا الإيمان يجعل المسلم يراقب الله عز وجل في نواياه وفي أقواله وأفعاله، ومعنى ذلك أنه يستشعر أن الله يراه ويعلم كل شيء منه كما جاء في حديث جبريل: (قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

 ويتولد عن هذا الاستشعار تقوى الله تعالى وذلك بالخوف منه وامتثال أوامره واجتناب نواهيه. وهذا هو الحد الضروري للوقاية من النار في الآخرة ومن غضب الله تعالى في الدنيا، وطالما المسلم ملتزم بهذه الرتبة فهو في أمان من الله تعالى.

 ومن جانب آخر تجعل هذا العبد التقي يحظى برعاية الله وحفظه ونصره (ولاية الله تعالى)؛ فالصالح التقي هو من أولياء الله تعالى، قال عز وجل: (أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَآء الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ كَانُوا يَتَّقُونَ).

-فينشأ عن الإيمان باليوم الآخر بعد تحقيق مرتبة التقوى التوازن النفسي؛ أي راحة القلب وسكينة النفس وعدم اضطرابها في غالب الأحيان عند الشدائد والانفعالات، ومنشأ ذلك  استشعار فناء الدنيا وزوالها وزوال ما فيها، واستشعار أنها دار ابتلاء وامتحان وعلى المؤمن أن يكون يقضا في كل مرحلة ومحطة من حياته ليحسن التصرف و ينجح في الامتحان .

-و التصرف الصحيح هو لزوم التقوى والثبات عليها وهو معنى الاستقامة. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اَسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَآئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بالجنَّةِ الَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ)

فصّلت:30

-  فعدم الإيمان باليوم الآخر واستشعار الحياة الآخرة يُفقد الإنسان توازنه في الحياة أمام تغيرات وتقلبات أحوال الدّنيا، فيصاب بصدمات وضغوطات نفسية وهزّات اجتماعيّة .

-أما أثر الإيمان باليوم الآخر في المجتمع فيسمى بـ الوازع الدّينيّ:

 وهو سلطة الدين القوية والدّائمة في عمق المجتمع، حيث يصبغ الأفراد بصبغته وعقيدته. ومن مظاهره على عموم المجتمع مثلا: عدم الاعتداء على الإنسان مهما كان، الالتزام الجماعي بشعيرة الصيام، صلاة الجمعة، احتشام المرأة في لباسها وفي  طبيعة علاقتها وتعاملها مع الجنس الآخر (الرجل)و كذلك عفة الرجل مع المرأة ، نصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف ...الخ.

ونسبة الجرائم في المجتمع المحافظ الملتزم بالإسلام تكون أقل بكثير من غيره، وإذا قارنّا مجتمعا إسلاميّا بآخر غير مسلم وجدنا الفرق شاسعا من حيث الأخلاق والجرائم والآفات؛ فالمسلم لا يسرق بوازع ديني ويحافظ على الأمانة بوازع دينيّ، ولكن في المجتمعات الأخرى يُتَجَنَّبُ هذا خوفا من السلطة والقانون الوضعي.

-إذن فعدم الإيمان باليوم الآخر يحوّل الإنسان إلى وحش والمجتمع إلى عفن يعيش في الشهوات غير مرتدع بقانون؛ فالمجتمع المسلم منضبط أخلاقيا بدافع دينيّ بينما المجتمعات الأخرى الكافرة منفلتة أخلاقيّا تكثر فيها الجرائم كالاعتداء على النفس و العرض و المال و كالانتحار في البلدان الغربية. قال تعالى: ( وَإِنَّ الَّذينَ لاَ يُومِنُونَ بالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ) المؤمنون:74

- الإيمان باليوم الآخر يجعل المؤمن يتهيّأ للقاء الله تعالى بالعمل الصالح، قال تعالى: ( فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَّلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) الكهف:110. فيهَوّن عليه مصائب الدنيا ومشاكلها فيصبر على شدائدها ويتفاءل بالخير والفرج، فإن أحوال الدنيا متقلبة فلا يغترّ بها مُغترّ.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( عجبا لأمر المؤمن إنّ أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا لمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرا له) –رواه مسلم- فالإيمان نصفه صبر ونصفه شكر.

- ومن آثار الإيمان باليوم الآخر أن يتعدّى نفعُ المؤمن وخيره وصلاحه إلى الآخرين لحديثه صلى الله عليه وسلّم: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، كما يتعدى هذا النفع إلى البيئة وما فيها من إنسان وحيوان ونبات...

 ورد في الأثر في القول المشهور عن عمر ابن الخطّاب رضي الله عنه أنّه قال: ( لو عثرت بغلة في العراق لظننت أن الله سيسألني عنها لِمَ لمْ تسوِّ لها الطريق يا عمر).

 وعلى عكس المؤمن باليوم الآخر ذاك الصنف الحريص على الدنيا فلا يؤمن بالبعث ولا باليوم الآخر غارق في شهوات الدنيا وملذّاتها كحال المشركين واليهود، قال تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمُ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيواةٍ ومن الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَّ مَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُّعَمَّرَ) البقرة: 96

                                     انتهى



 

جامعة أكلي محند أولحاج-البويرة-

كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية

قسم الشريعة

 

ملخص دروس

مقياس: المنطق ومناهج البحث في أصول الدين

السنة الثانية أصول الدّين

 

 الدكتورة أنيسة زغدود

 

 

السنة الجامعية: 1442- 1443ه  /  2021 - 2022 م

 


 

الدرس رقم 01

تعريف المنطق

1 - المنطق لغة: من النطق وهو الكلام الدال على معنى لمن يفهمه. وفي لسان العرب: نطق الناطق ينطق نطقاً والمنطق الكلام، و كلام كل شيء منطقه.و منه ﴿ علمنا منطق الطير النمل :16.

وفي اللغة اليونانية logos وفي اللاتينية logica وفي الفرنسية logique. وكلمة logos لوجي: تعني الكلمة ،ثم أخذت معنى اصطلاحيا هو ما وراء الكلمة من عملية عقلية ، ثم ارتباط الكلمة بكلمة أخرى لتكون قضية أو حكما ، ثم الاستدلال على الأحكام و البرهنة عليها ،و ارتباطها عقليا بعضها ببعض. و صارت تعني العقل والعلم والبرهان.و تدخل في لفظ كل علم من العلوم تقريبا مثل: علم البيولوجيا (علم الحياة).

2ـ المنطق اصطلاحاً: هو علم قوانين الفكر، وظيفته بيان القوانين التي ينبغي أن يعمل بهديها العقل لتمييز صحيح الفكر من فاسده.و جاء في التعريفات للجرجاني :" المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر فهو علم عملي آلي ."

فموضوعه: الفكر من حيث صحته و فساده .

تعريف ابن خلدون: هو قوانين يعرف بها الصحيح من الفاسد في الحدود المعرفة للماهيات والحجج المفيدة للتصديقات.

حكمه:واختلف العلماء في حكم الاشتغال بالمنطق، والقول المشهور أنهم عدوه من فروض الكفاية لأنه من علوم الآلة فهو من وسائل فهم علوم القرآن والسنة والفقه.وفي رفع الأعلام:

والخلف في جواز الاشتغال                   به على ثلاثة أقوال

فابن الصلاح والنواوي حرما               وقال قوم ينبغي أن يعلما

والقولة المشهورة الصحيحة                  جوازه لكامل القريحة

ممارس السنة والكتاب                       ليهتدي به إلى الصواب

مبادئ المنطق: يرتبط المنطق الأرسطي بالتفكير الصحيح ويستند إلى قواعد وقوانين يسير وفقها العقل في طلب المعرفة وتنظيمها وفي عملية الاستدلال فما هي هذه القوانين؟

تعريف المبادئ العقلية: هي قوانين الفكر الأولية، يقول ليبنيتز إن هذه المبادئ هي روح الاستدلال وعصبه وأساس روابطه، وهي ضرورية له كضرورة العضلات والأوتار العصبية للمشي.

مبادئ العقل هي :

 1- مبدأ الهوية: ويسمى مبدأ الذاتية ويعني أن الشيء هو نفسه أي لكل شيء صفاته التي يعرف بها ويتميز عن غيره. مثل: القضية الصادقة صادقة ـ أ هو أ ـ القلم هو القلم.

ويندرج تحته تابعان هما:

 أ- مبدأ عدم التناقض: أي رفض التناقض. والتناقض هو إثبات صفة ونفيها في نفس الوقت من نفسه الجهة في نفس الموضوع. مثل: أنا الآن موجود وغير موجود، المسلم في رمضان صائم وغير صائم. فهذا المبدأ يرفض التناقض.

ب- مبدأ الثالث المرفوع: يرفض وجود حالة ثالثة بين المتناقضين. مثل: إما أن يكون الطالب ناجحا في البكالوريا أو غير ناجح. لا توجد حالة ثالثة بين النجاح والرسوب.

2-مبدأ العلية أو السببية: ومعناه لكل حادث سبب ولكل معلول علة. أمثلة: الإفراط في السرعة هو سبب حوادث المرور. التدخين هو أحد أسباب مرض السرطان. الحرارة هي سبب ذوبان الجليد.

-ومن يؤمن بالسببية يرفض الصدفة والعشوائية والفوضى ويتفرع عنه:

أ - مبدأ السبب الكافي: وهو مجموعة الشروط التي إذا توفرت حدث الشيء مثل: وجود البنزين، سلامة المحرك، وجود السائق، الطريق.... لسير السيارة.

ب - مبدأ الحتمية: ومعناه نفس الأسباب والشروط إذا تكررت تحدث دوماً نفس النتائج مثل: ظاهرة الأمطار: لما تتوفر الأسباب والشروط الكافية لسقوط الأمطار تسقط في الماضي والحاضر والمستقبل. غليان الماء تحت درجة °100.

3- مبدأ الغائية : لكل شيء غاية من وجوده. ولم يوجد عبثاً مثل: الكرسي للجلوس عليه، غاية خلق الإنسان هي عبادة الله.

الاستنتاج: مبادئ العقل عامة موجودة عند كل النّاس، قال ديكارت: العقل أعدل الأشياء قسمة بين النّاس، كما أنها واضحة وضرورية لا يمكن الاستغناء عنها في التفكير والاستدلال، أما كونها فطرية أو مكتسبة فهي مسألة اختلف حولها الفلاسفة.

الدرس رقم 02

المقولات العشر:هي أنواع الصفات أو المحمولات التي تصف بها فرداً معيناً كائناً ما كان، فإذا سألت عن شيء ما هو؟ يقع الجواب حتماً تحت واحد منها.وهي الجوهر والكمّ والكيْف والإضافة والأيْن والمتى والوضع والتّملك والفعل والانفعال.وجمعت في هاتين البيتين من الشعر:

زيدٌ الطويل الأزرق بنُ مالكٍ         ببيته بالأمسِ كان مُتكي

بـيـده سيـف لـوّاهُ فـالـتـــــوى         فهذه عشر مقولاتٍ سِوى

أشار بزيد إلى الجوهر، وبالطويل إلى الكمّ، وبالأزرق إلى الصفة التي هي الكيْف، وبابن مالك إلى الإضافة، وببيته إلى الأيْن(المكان)، وبالأمس إلى المتى (الزمان)، وبـكان متكي إلى الوضع، وبيده إلى الملك، وبلواهُ إلى الفعل، وبالتوى إلى الانفعال.

شرح المقولات:1- الجوهر: هو الذي يقوم بنفسه بمعنى أنه ماهية ـ وهو كل ماله صفة الاستقلال بذاته. مثل: العناصر كالماء والهواء والنّار والسماء والكواكب والأرض وأجزائها، وأصناف الحيوانات وغيرها.

- والجوهر هو الأصل وما بقي من المقولات التسع أعراض.والعرض: الموجود في موضوع أي لا يقوم بنفسه، بل في غيره من الأجسام والجواهر: كالألوان و الطعوم والروائح.

2-الكمّ: هو العرض الذي يقبل القسمة لذاته. وهو إما متصل  أو منفصل مثل:فئة،متر، كلغ ، عدد.

3- الكيف:هو العرض الذي لا يقبل القسمة لذاته مثل: سعيد، حزين، ناجح، مسلم...

4- الإضافة: هي النسبة المتكررة كالأبوة والبنوة والفوقية والتحتية، وحاصلها أنها لا تتعقل ماهيتها إلا بتعقل ماهية أخرى...

5- الأيْن: هو حصول الجسم في المكان، يقع في جواب (أين كذا؟).

6- المتى: هو حصول الشيء في الزمن في جواب (متى كان كذا؟).

7- الوضع:هيئة تعرض للجسم باعتبار حصول نسبة بين أجزاءه وحصول نسبة بين تلك الأجزاء والأمور الخارجية عنها مثل: القيام والعقود...

8- الملك: هو هيئة تعرض للجسم باعتبار ما يحيط به أو يخصه بشرط أن ينتقل ذلك المحيط بانتقال الجسم كهيئة اللباس و التعمم (لبس العمامة)و التختم (لبس الخاتم).

9ـ الفعل:هو تأثير الشيء في غيره كالمسخِن للشيء مادام يسخنه.

10ـ الانفعال: هو تأثر الشيء بغيره مادام يتأثر كالمسخَّن مادام يتسخن.

تمرين: حدد المقولات فيما:1-بانت سعاد فقلبي اليوم متبول  .2- تكلم عيسى بن مريم في المهد صبيا و ارتفع إلى السماء ليكون آية في آخر الزمان .

الدرس رقم 03

مباحث المنطق :بما أن موضوع المنطق هو الفكر وهو يبحث في التصور والتصديق فإن مباحث المنطق ثلاثة:1-الحدود والتصورات. 2-الأحكام والقضايا. 3-الاستدلالات.

أولا -الحدود والتصورات:

-تعريف التصور: هو حصول صورة الشيء في الذهن.

- تعريف الحدّ: الصيغة اللفظية للتصور. مثل: شجرة ، كتاب الرياضيات، البحر الأبيض المتوسط.

-أنواع الحدود:

1-الحدّ الجزئي: هو الذي يشير معناه إلى شيء معين محدد في الزمان مثل: عبد الحميد بن باديس (اسم علم)، غابة الأمازون (مكان مشهور)، السودان (اسم بلد).

2-الحدّ الكلي: هو لفظ عام يصدق على كثيرين.  مثل: أحمر، غائب، شاعر، مسلم، بحر...

3-الحدّ الموجب: هو الذي يثبت الصفة للشيء. أي يدل على وجود الصفة في مسماها، مثل: كاتبٌ شاعرٌ، أحمرٌ.

4-الحدّ السالب: هو الذي ينفي الصفة عن الشيء أي الذي يدل على خلو المسمى من صفة ويكون مسبوقا بأداة نفي، غير،ليس، لا مثل: ليس كريما، غير موجود.

- خصائص الحدّ: للحد خاصيتان هما المفهوم و الماصدق و يسميان أيضا الشمول و التضمن.

1-المفهوم: هو مجموع الصفات التي تعرف الشيء وتميزه عن غيره. مثل: المسجد بناء مقدّس مخصص للصلاة عند المسلمين له قبة (صومعة)، ومئذنة وبداخله منبر ...

2-الماصدق: هو الأفراد الذين يصدق عليهم المفهوم أي تتحقق فيهم الصفات في الواقع. مثل: مسجد ابن باديس، الجامع الكبير، المسجد الحرام، المسجد الأقصى.

العلاقة بين المفهوم و الماصدق:  مقارنة بين الحدين إنسان وحيوان:

الحد

الإنسان

الحيوان

المفهوم

كائن حي حساس+عاقل

كائن حي حساس-

الماصدق

عمر ، أسامة ، خديجة ...-

الطيور+ الأنعام ...أفراد الإنسان+

النتيجة

مفهوم الإنسان أوسع من مفهوم الحيوان

ماصدق الحيوان أوسع من ماصدق الإنسان

إذن: العلاقة بين المفهوم و الماصدق هي علاقة عكسية أي كلما زاد المفهوم قلّ الماصدق وكلما قلّ المفهوم زاد الماصدق.

الدرس رقم 04

 الدلالة وأقسامها:

أهمية مباحث الألفاظ:يهدف الإنسان من خلال دراسته لعلم المنطق إلى تصحيح أفكاره فلماذا أدرجت مباحث الألفاظ في مباحث علم المنطق؟

الجواب: إذا تطرق المنطق إلى اللفظ وقسمه إلى أقسام مختلفة فهو ينظر إلى الألفاظ باعتبار أنها تدل على المعاني، ولهذا يتحدث عن الدال والمدلول.مثال: إذا رأيت دخانا متصاعدا من وراء الجبل ينتقل ذهنك إلى وجود نار، فالدخان هو الذي دلك على وجود النار.

إذن الدلالة: هي أن العلم بالشيء الأول يؤدي إلى العلم بالشيء الثاني المرتبط به ويسمى الشيء الأول دالا ويسمى الشيء الثاني مدلولا. وحالة الانتقال من الشيء الأول إلى الشيء الثاني تسمى دلالة.

الدلالة لغة: من الجذر دلل وله أصلان كما يقول ابن فارس: أحدها: إبانة الشيء بأمارة نتعلمها كدلالة فلان على الطريق. و الآخر: اضطراب في الشيء مثل قولهم تدلدل الشيء، إذا اضطرب.

اصطلاحا: الدلالة هي اقتران الدال بالمدلول، مثال: لو سمعت طرقة بالباب ينتقل ذهنك إلى أن شخصا ما على الباب، فالطرقة دال ووجود الشخص مدلول والعلاقة الذهنية بينهما هي الدلالة.جاء في التعريفات للجرجاني: "إن الدلالة هي كون الشيء بحالة يلزم من العلم به شيء آخر. والشيء الأول الدال والثاني هو المدلول."

أقسام الدلالة :ثلاثة هي: الدلالة العقلية، الدلالة الطبيعية والدلالة الوضعية.

أولا-الدلالة العقلية: هي التي يحكم العقل بوجودها بين الدال والمدلول وهي: وهي: لفظية وغير لفظية.

-لفظية مثل: دلالة سماع كلام إنسان خارج الدار على وجود شخص.

-غير لفظية مثل: دلالة الأثر على المؤثر، والخلق على الخالق ،ودلالة ضوء الصبح على طلوع الشمس.

ثانيا_الدلالة الطبيعية أو الطبعية: هي العلاقة الناشئة بين الدال والمدلول بسبب اقتضاء الطبع وهي: لفظية وغير لفظية.

- لفظية: كدلالة "آه" أي الأنين على التوجع والألم،وكذلك "أف" على الضجر.

- غير لفظية: مثل دلالة اصفرار الوجه على المرض أو الخوف وكدلالة احمرار الوجه على الخجل.

ثالثا-الدلالة الوضعية: هي العلاقة الناشئة بين الدال والمدلول بسبب التواضع أي اتفاق جماعة على جعل شيء ما الدال يدل على شيء آخر المدلول، وهي تنقسم إلى دلالة وضعية لفظية ووضعية غير لفظية.

-الدلالة الوضعية غير اللفظية:وهي ما كان الدال فيها ليس لفظا. مثل: إشارات المرور، فالضوء الأحمر يدل على المنع من السير،والأخضر يدل على السماح بالمرور.

-الدلالة الوضعية اللفظية :وهي ما كان الدال فيها لفظا. وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

-دلالة المطابقة:وهي دلالة اللفظ على تمام المعنى الموضوع له، كدلالة لفظ الكتاب على جميع أجزائه من أوراق وخطوط وغلاف ونقوش ...،وكدلالة لفظ البيت على معنى البيت بكل مكوناته،وكدلالة لفظ المثلث على الشكل الهندسي المتكون من ثلاث أضلاع وثلاث زوايا.

-دلالة التضمن: وهي دلالة اللفظ على جزء معناه الموضوع له،مثل: لفظ القسم إذا أريد به الطلاب فقط. فلو قيل: على القسم أن يحضروا حقوق التسجيل،إذن لفظ القسم هنا يدل بالتضمن على الطلاب.

-دلالة الالتزام:وهي دلالة اللفظ على معنى آخر غير المعنى الموضوع له اللفظ، لكن هذا المعنى الآخر ملازم للمعنى الموضوع له. فالارتباط بينهما عقلي لا لفظي مثل: زيد حاتم. لا يراد بكلمة حاتم: حاتم الطائي وإنما وصف زيد بالكرم وهو ملازم لحاتم، فكلمة حاتم استعملت في المعنى اللازم وهو الكرم للمعنى الذي وضع له اللفظ وهو حاتم الطائي، دلالة لفظ السقف على الحائط.

ملاحظة: الأصل أن يحمل اللفظ على معنى المطابقة ولا يصح استعمال اللفظ في معنى التضمن والالتزام دون وجود قرينة، وعلاقة تدل على مراد المتكلم. مثال: ذهبت إلى البحر. ذهبت إلى البحر لأستفيد من علمه.والمعتبر عند علماء المنطق هو الدلالة الوضعية اللفظية .

تمرين (01):حدد نوع الدلالة في الأمثلة الآتية: 1-دلالة الأنين على الشعور بالألم.2-دلالة كثرة الكلام على الطيش.3-دلالة ارتفاع حرارة الجسم على الحمى.4-دلالة صوت المؤذن على دخول وقت الصلاة.5-دلالة حمرة الوجه على الخجل.6- دلالة غليان الماء على بلوغ حرارته 100°م.

تمرين (2): حدد نوع الدلالة: 1-دلالة لفظ البيت على البيت بجميع أجزائه.2-دلالة لفظ السقف على الأعمدة. 3-دلالة لفظ الشجرة على ثمرتها. 4-دلالة لفظ السيارة على محركها.

الدرس رقم 05

الكليات الخمس:الحد الكلي: هو لفظ عام يصدق على كثيرين مثل: إنسان، والحدود الكلية خمسة وهي:

1- الجنس: هو لفظ عام يشمل أنواعا مختلفة في حقيقتها وتشترك في بعض الصفات. مثل: الإنسان جنسه حيوان، الطيور جنسها حيوان.

2- النوع: هو حد كلي يشمل أفرادا متفقين في حقيقتهم ومختلفين في بعض الصفات. مثال: عمر نوعه إنسان.

3- الفصل النوعي: حد كلي يمثل صفة أساسية توجد في جميع أفراد النوع الواحد ولا توجد في بقية الأنواع داخل الجنس. مثل: عاقل هي فصل نوعي للإنسان.

4- الخاصة: حد كلي يمثل صفة عرضية توجد في بعض أفراد النوع الواحد ولا توجد أبدا في بقية الأنواع داخل الجنس. مثال: طبيب-قارئ – ضاحك خاصة بالإنسان.

5- العرض العام: حد كلي يمثل صفة عرضية توجد في جميع أفراد النوع الواحد ويمكن أن توجد في بقية الأنواع الأخرى داخل الجنس الواحد مثل: يمشي على رجلين، يبصر بعينين، يسمع بأذنين ... هي عرض عام بالنسبة للإنسان.

العلاقة بين النوع والجنس:هي علاقة نسبية فالنوع جزء متضمن داخل الجنس مثل: الأنعام نوع بالنسبة لجنس الحيوان، كل أفراد الإنسان نوع بالنسبة لجنس الحيوان. وأحيانا يتسع النوع حتى يشمل أصنافا فيصبح جنسا لها مثل: النبات جنس – الزهور نوع من النبات ونصنف هذه الزهور إلى أصناف كثيرة مثل الياسمين – النرجس وتصبح الزهور جنسا لهذه الأصناف. ومثلها يقال عن الزواحف والطيور والأسماك...

خلاصة: الكليات الخمس ثلاثة منها تعبر عن صفات أساسية وهي الجنس والنوع والفصل النوعي واثنتان عرضيتان هما الخاصة والعرض العام.

التعريف بالماهية و أنواعه: وهو الذي يهتم به المنطق و تستخدم فيه الكليات الخمس.

التعريف بالماهية: هو تحديد الصفات الجوهرية للشيء بحيث يتميز عن غيره.

أنواعه:1- التعريف بالحد التام: ويكون بالجنس القريب والفصل النوعي. مثل: الإنسان: حيوان عاقل.المربع: شكل هندسي له أربعة أضلاع متساوية وأربعة زوايا قائمة.

ملاحظة: الجنس القريب هو الذي يلي النوع مباشرة مثل حيوان بالنسبة للإنسان. والجنس البعيد هو الذي لا يلي النوع مباشرة مثل كائن حي بالنسبة للإنسان.

2- التعريف بالحد الناقص: ويكون بالجنس البعيد والفصل النوعي مثال: الإنسان كائن حي عاقل.

3- التعريف بالرسم التام: يكون بالجنس القريب والخاصة مثل: الإنسان حيوان ضاحك.

4- التعريف بالرسم الناقص: ويكون بالجنس البعيد والخاصة مثال: الإنسان كائن حي ضاحك.

شروط التعريف الصحيح: *1* لا يجب تكرار المعرف في التعريف كأن نقول الماء هو الماء.

*2*أن يكون التعريف بالصفات الأساسية وخاصة الجنس القريب والفصل النوعي ( جامع مانع).

*3*لا يجب أن يكون التعريف غامضا بل يجب أن يكون أوضح من المعرف (قول شارح).

*4* لا يجب أن يكون التعريف عاما بحيث يتسع لكثيرين مثال: الماء عنصر ضروري للحياة.

*5* لا يجب أن يكون التعريف بالمجاز كأن نقول الجمل سفينة الصحراء.

*6* لا يكون التعريف بالنفي فقط كان نقول ليس الشيء كذا ولا كذا (يصبح عدما) فالتعريف يكون بالإثبات ويكون أيضا بالنفي والإثبات مثل (لا إله إلا الله).

*7* عندما نضع المعرف مكان التعريف والتعريف مكان المعرف دون اختلال المعنى (العكس) فالتعريف صحيح.

الاستنتاج:أحسن أنواع التعريف هو الجامع المانع وهو التعريف بالحد التام.

الدرس رقم 06

ثانيا-الأحكام والقضايا

1-تعريف الحكم:يسمى التصديق.وهو إسناد أمر إلى أمر آخر إثباتا أو نفيا.- هو إدراك العلاقة بين شيئين.

2-تعريف القضية: هي الصيغة اللفظية للحكم. مثال: مفدي زكريا شاعر الثورة الجزائرية.فالقضية المنطقية هي تركيب خبري مفيد ،وتستثنى الجمل الإنشائية لأنها لا تفيد الخبر .

- تركيب القضية المنطقية: تتكون من ثلاث عناصر أساسية:

1/الموضوع: هو الحد الذي أتحدث عنه:مفدي زكريا ( المبتدأ)

2/المحمول: هو الحد الذي أتحدث به: شاعر الثورة الجزائرية( الخبر )

3/ الحكم: هو العلاقة بين الموضوع والمحمول (هو )ضمير مستتر .

أنواع القضايا من حيث البساطة والتركيب نوعان:

1/ القضية الحملية: هي قضية بسيطة تتكون من حدين الموضوع والمحمول. مثال: التلميذ ناجح، التلميذ ليس راسبا.

2/ القضية المركبة (الشرطية): وهي نوعان:

1* شرطية متصلة: تفيد علاقة اللزوم وتتكون من جملتين الأولى فيها أداة الشرط وفعله وتسمى المقدم والثانية فيها جواب الشرط وفعله وتسمى التالي.مثال : من يجتهد ينجح .

2* شرطية منفصلة: تتكون من جملتين بينهما علاقة تنافر وتناقض مثال: إما أن يكون التلميذ ناجحا أو غير ناجح.

-أنواع القضايا من حيث الكم والكيف: هي أربعة أنواع:

1- الكلية الموجبة: هي التي يثبت فيها المحمول إلى جميع أفراد الموضوع مثل: كل البشر ميتون ، كل جزائري إفريقي.

2- الكلية السالبة: هي التي ينفى فيها المحمول عن جميع أفراد الموضوع مثال:لا واحد من الآسيويين إفريقي.أو جميع الآسيويين ليسوا أفارقة .

3- الجزئية الموجبة: هي التي يثبت فيها المحمول غلى بعض أفراد الموضوع مثل: بعض التلاميذ ناجحون، بعض الطلبة في المكتبة.

4-الجزئية السالبة: هي التي ينفى فيها المحمول عن بعض أفراد الموضوع مثل: ليس لبعض الزهور عطر، بعض العرب ليسوا مسلمين.

الاستنتاج: القضايا الحملية أربعة أنواع: كلية موجبة، كلية سالبة، جزئية موجبة وجزئية سالبة.

تمرين: حدد نوع كل القضية:1- إذا سقط الثلج اشتد البرد 2-بعض المسلمين أفارقة3 -إما أن يكون الطريق سهلا أو صعبا4 -الضمير شعور أخلاقي5 -ليس كل الناس مسلمين 6-كل مسلم موحد.

الدرس رقم 06

ثالثا-الاستدلال المباشر والاستدلال غير المباشر

تعريف الاستدلالRaisonnement :

الاستدلال لغة:استدل طلب الدليل وأقامه.

الاستدلال اصطلاحا: هو استنباط أمر من أمر آخر أو من عدة أمور. _ هو تسلسل عدة أحكام مترتبة عن بعضها البعض._هو الانتقال من معلوم إلى مجهول.

وهو نوعان: 1/ الاستدلال المباشر: هو استنباط قضية من قضية واحدة فقط.

2/الاستدلال غير المباشر: هو استنباط قضية من قضيتين فأكثر.

الاستدلال المباشر له صور كثيرة ومنها التقابل، والعكس المستوي.

-التقابل:هو استنباط قضية من قضية توافقها في الموضوع والمحمول وتختلف عنها في الكم فقط أو الكيف فقط أو في كليهما.

_القضايا الأربعة المتقابلة: -كل جزائري إفريقي (ك م) . -بعض الجزائريين إفريقي (ج م).                      - ليس بعض الجزائريين إفريقي (ج س). - لا واحد من الجزائريين إفريقي (ك س)

أحكام التقابل: 1-التناقض: (ك م مع ج س) و (ك س مع ج م) لا يصدقان معا ولا يكذبان معا.

2-التضاد: (ك م مع ك س) لا يصدقان معا وقد يكذبان معا.

3-تحت التضاد: (ج م مع ج س) لا يكذبان معا وقد يصدقان معا.

4-التداخل: (ك م مع ج م) و (ك س مع ج س) إذا صدقت الكلية تصدق الجزئية ولا يلزم عن كذب الكلية شيء.

الاستنتاج: نلاحظ في الاستدلال المباشر أنه لا يؤدي إلى معرفة جديدة لأننا نحافظ على الحدود نفسها.ولكننا استفدنا معرفة العلاقات المنطقية (أحكام الصدق والكذب) مربع أرسطو (مربع التقابل).

الاستدلال غير المباشر: هو استنباط قضية من قضيتين فأكثر. ويسمى القياس وهو نوعان :1- قياس حملي (الاقتراني). 2- قياس شرطي (الاستثنائي). وقد عرفه ابن رشد بقوله:" قول مؤلف من قضايا، إذا سلمت لزم عنها لذاتها (أو لذاته) قول آخر بالضرورة."

1-القياس الحملي (الاقتراني): هو استنباط قضية من مقدمتين لازمة عنهما بالضرورة. مثل: كل من يفكر فهو موجود (مقدمة كبرى). ديكارت يفكر (مقدمة صغرى). ديكارت موجود (النتيجة): تبدأ بالحد الأصغر ثم الأكبر.

قواعده: ا-قاعدتا التركيب:1-يتكون القياس من ثلاث قضايا حملية فقط .2 -ويتكون من ثلاث حدود فقط:حد أكبر وحد أصغر وحد أوسط يربط بينهما ويختفي في النتيجة.

ب- قاعدتا الاستغراق:1 -يجب أن يستغرق الحد الأوسط ولو مرة واحدة في المقدمتين .2- لا يجب أن يستغرق حد في النتيجة إذا لم يكن مستغرقا من قبل.و الاستغراق : هو شمول الحكم .

ج- قاعدتا الكم والكيف:1-يجب أن تكون إحدى المقدمتين كلية فلا إنتاج من جزئيتين.2 -يجب أن تكون إحدى المقدمتين موجبة فلا إنتاج من سالبتين.

ملاحظة: إذا كانت إحدى المقدمتين جزئية النتيجة تكون جزئية. وإذا كانت إحدى المقدمتين سالبة تكون النتيجة سالبة. إذن النتيجة تتبع أقل ما في المقدمتين كما وكيفا.

أشكال القياس الحملي: يتحدد شكل القياس تبعا لاختلاف موضع الحد الأوسط في المقدمتين.

الشكل الأول: يكون الحد الأوسط موضوعا في الكبرى محمولا في الصغرى مثال:

الكبرى :-كل المعادن تتمدد بالحرارة.الصغرى :-الذهب معدن إذن النتيجة : الذهب يتمدد بالحرارة

الشكل الثاني: يكون الحد الأوسط محمولا في المقدمتين.

_كل كائن حي يتنفس _النبات يتنفس إذن :_النبات كائن حي

الشكل الثالث: يكون الحد الأوسط موضوعا في المقدمتين.

_كل الجزائريين أفارقة _بعض الجزائريين مهاجرون إذن :-بعض الأفارقة مهاجرون

الشكل الرابع: يكون الحد الأوسط محمولا في الكبرى موضوعا في الصغرى

_كل بدعة ضلالة_كل ضلالة في النارإذن :_كل بدعة في النار

2_ القياس الشرطي (الاستثنائي): وهو نوعان قياس شرطي متصل وقياس شرطي منفصل.

ا-القياس الشرطي المتصل:ويسميه أبو حامد الغزالي نمط اللازم.يتكون من ثلاث قضايا. ا-الأولى شرطية متصلة تفيد علاقة اللزوم بين المقدم والتالي ب-الثانية حملية ج-والنتيجة حملية.

قواعده: 1/يلزم عن إثبات المقدم إثبات التالي :مثال:

الأولى :_إذا نزل المطر نبت الزرع.الثانية :_لكن المطر نزل       إثبات المقدم .النتيحة :_ إذن نبت الزرع         إثبات التالي

2/لا يلزم عن نفي المقدم نفي التالي مثال:_إذا نزل المطر نبت الزرع._لكن المطر لم ينزل    نفي المقدم ._ إذن لم ينبت الزرع      نفي التالي.  والقياس غير صحيح. (يمكن أن ينبت الزرع بالسقي).

3/لا يلزم عن إثبات التالي إثبات المقدم مثال :_إذا نزل المطر نبت الزرع._لكن الزرع نبت            إثبات التالي._ إذن نزل المطر     إثبات المقدم .(النتيجة غير صحيحة) (يمكن أن ينبت الزرع بالسقي).

4/ يلزم عن نفي التالي نفي المقدم مثال:_إذا نزل المطر نبت الزرع._لكن الزرع لم ينبت       نفي التالي ._ إذن المطر لم ينزل     نفي المقدم .

الخلاصة: القياس الشرطي المتصل ينتج في حالتين: إثبات المقدم إثبات التالي، و نفي التالي نفي المقدم.

ب-القياس الشرطي المنفصل: ويسميه أبو حامد الغزالي نمط التعاند والمتكلمون يسمونه السبر والتقسيم والمنطقيون يسمونه الشرطي المنفصل. يتكون من ثلاث قضايا:ا- شرطية منفصلة تفيد علاقة التنافر والعناد بين المقدم والتالي. ب- الثانية حملية .ج- النتيجة حملية .

قواعده: 1/يلزم عن إثبات المقدم نفي التالي مثال:_ إما أن يكون التلميذ ناجحا أو راسبا ._ لكن التلميذ ناجح             إثبات المقدم .إذن_ التلميذ ليس راسبا       نفي التالي .

2/ يلزم عن نفي المقدم إثبات التالي مثال:_ إما أن يكون التلميذ ناجحا أو راسبا._ لكن التلميذ غير ناجح             نفي المقدم ._إذن التلميذ راسب         إثبات التالي.

3/يلزم عن إثبات التالي نفي المقدم مثال:_ إما أن يكون التلميذ ناجحا أو راسبا ._ لكن التلميذ راسب             إثبات التالي ._إذن التلميذ غير ناجح           نفي المقدم.

4/يلزم عن نفي التالي إثبات المقدم مثال:_ إما أن يكون التلميذ ناجحا أو راسبا._ لكن التلميذ ليس راسب              نفي التالي._إذن التلميذ ناجح              إثبات المقدم.

النتيجة: القياس الشرطي المنفصل ينتج في أشكاله الأربعة وله ضربان: ضرب النفي بالإثبات وضرب الإثبات بالنفي.

ملاحظة: سجلت عيوب على القياس الأرسطي سواء منه الحملي أو الشرطي، فقد يكون القياس شكلا صحيحا ومضمونه فاسد، وقد يكون العكس، المقدمات فاسدة والنتيجة صحيحة: مثال:-كل حصان إنسان -كل حصان عاقل-كل إنسان عاقل. لهذا اشترط أرسطو أن تكون المقدمات صحيحة حتى تكون النتيجة صحيحة.

تمرين: شكل من كل قضية مما يلي قياسا صحيحا:

1-الشباب أمل الأمة  .2-إذا غابت الشمس أقبل الليل. 3 -  محمد رسول الله .4 - من يتقي الله يجعل له مخرجا .5- كل البحار صالحة للملاحة.

الدرس رقم07

الاستقراء والقياس والتمثيل:تنقسم طرق الاستدلال إلى ثلاثة أقسام:

1-الاستنتاجconclusion أو الاستنباط أو القياس: هو الانتقال من حكم عام إلى حكم خاص. من القانون إلى الواقع. من المبدأ إلى النتائج. من الكليات إلى الجزئيات نجده في المنطق والرياضيات.و يسميه ابن تيمية ( قياس الشمول )و هو الاستدلال بالكلي على الجزئي.مثال: كل إنسان فان – عمر إنسان – عمر فان.

2-الاستقراءinduction: وهو انتقال الذهن من حكم خاص إلى حكم عام، وينطوي على تعميم الحكم من الجزئيات فهو ينتقل من الوقائع إلى القوانين ومن النتائج إلى المبادئ.و هو عند ابن تيمية الاستدلال بالجزئي على الكلي .

مثاله: الحديد معدن   يتمدد بالحرارة             _حكم جزئي

_الزنك معدن يتمدد بالحرارة                  _حكم جزئي

_الذهب معدن يتمدد بالحرارة                  _حكم جزئي

_إذن كل المعادن تتمدد بالحرارة                    حكم عام

3-التمثيلAnalogie: هو انتقال الذهن من حكم جزئي إلى حكم جزئي لوجود تشابه بين شيئين.و هو عند ابن تيمية الاستدلال بأحد الجزئيين على الآخر و يسميه قياس التمثيل .

مثاله: قرأت كتابا لمالك بن نبي (شروط النهضة) فأعجبك فحكمت عليه بأنه جيد ثم عرض عليك كتاب آخر للمؤلف نفسه وهو (ميلاد مجتمع) وقبل أن تقرأه تحكم عليه بأنه جيد.

هذا النوع من الاستدلال قد يؤدي إلى الخطأ لأنه يحكم على الظاهر أو يعتمد على الذاتية أو التجربة الشخصية (من لدغة الثعبان يخاف من الحبل).

العلاقة بين الاستقراء والقياس:- في القياس نستخلص النتائج من المقدمات وننتقل من العام إلى الخاص والنتيجة تفيد اليقين لأنها متضمنة من قبل في المقدمات.

-بينما نسير في الاستقراء في الطريق العكسي حيث يتم الانتقال من دراسة الجزئيات إلى النظريات ويستخدم في العلوم التجريبية. ونتائجها لا تفيد اليقين بل هي نسبية وصادقة. يلاحظ هنا أن الاستقراء يستعين بالقياس في بعض مراحله، فيرى كلود برنار أن الاستدلال الاستقرائي هو الخاص بالبحث والاستدلال القياسي هو الخاص بالبرهنة فلا غنى لأحدهما عن الآخر.

-هما نوعان من الاستدلال يرتبط كل منها بالآخر وهما لازمان معا لصحة التفكير الإنساني، سواء العلمي أو الفلسفي، فالاستقراء يضمن مطابقة المقدمات للواقع والقياس يضمن عدم تناقض الفكر أثناء انتقاله من مقدمات ما إلى نتيجة صحيحة صحة منطقية. فكلاهما محتاج إلى الآخر، بمعنى أن القياس في حاجة إلى الاستقراء لكي يمده بمقدمات كلية صحيحة من ناحية الواقع، والاستقراء يحتاج إلى القياس لكي يقوم له بدور المراجع أو المحقق لأن القضايا الكلية التي توصل إليها الاستقراء بالملاحظة والتجربة لا تستطيع التحقق من صحتها إلا بتطبيقها على حالات جزئية جديدة .

الاستقراء وعلاقته بالعلوم الشرعية:يعتبر المسلمون أول من مارس منهج الاستقراء وقد طبقوه في حقول علمية مختلفة متأثرين بالقرآن الكريم الذي نبه إلى طريق الاستدلال وأنه طريق المعرفة الحقيقي للوصول إلى نتائج مثمرة.

فالطريقة العلمية إذن تكونت في مجال العلوم الإسلامية لدى علماء الحديث واللغة وعلماء الأصول والمتكلمين ثم انتقلت إلى العلماء التطبيقين في مجالات الطب و الكمياء والصيدلية، حيث أفاضوا الحديث عن مراحل هذا المنهج كالملاحظة والتجربة والفروض والتحقق منها لإعطاء القانون العلمي.

والقياس في الاصطلاح الشرعي :فقد استخدمه الفقهاء الأصوليون وهو حمل فرع على أصل في حكم جامع بينهما وله أربعة أركان: الأصل: هو المقيس عليه.الفرع: وهو المراد إلحاقه بالأصل المقيس عليه وحمله عليه .حكم الأصل: وهو الوصف المقصود حمل الفرع عليه .الوصف الجامع: هو العلة الجامعة بين الأصل والفرع المقتضية للحكم.

ومثاله: النبيذ حرام،لأن الخمر حرام،وعلة حرمة الخمر هي الإسكار، وهو موجود في النبيذ فالخمر هو الأصل،والنبيذ هو الفرع،و الإسكار هو الجامع،والحرمة هي الحكم.

قياس المسلمين يختلف عن قياس أرسطو تمام الاختلاف:فبينما القياس الأرسطي هو حركة فكرية ينتقل فيها العقل من حكم كلي إلى أحكام جزئية ، ينتقل قياس المسلمين من حالة جزئية إلى حالة جزئية أخرى لوجود جامع بينهما.بواسطة تحقيق علمي دقيق . والتمثيل يسميه الفقهاء قياسا،ويسميه المتكلمون رد الغائب إلى الشاهد،ومعناه أن يوجد حكم في جزئي معين واحد فينتقل حكمه إلى جزئي آخر يشابهه بوجه ما.

الدرس رقم08

مراتب الحجج: يشتمل القياس على مادة وصورة، ومادة القياس هي مقدماته (المضمون) مع قطع النظر عن صحة تأليفها. و الصورة هي هيئة وشكل القياس.

فمن حيث مادة القياس فإنه ينقسم إلى خمسة أنواع: البرهان، الجدل، الخطابة، الشعر و المغالطة وتسمى الصناعات الخمس.قال ابن تيمية : " و القياس إن كانت مادته يقينية فهو البرهاني خاصة و إن كانت مسلمة فهو الجدلي، و إن كانت مشهورة فهو الخطابي و إن كانت مخيلة فهو الشعري و إن كانت مموهة فهو السفسطائي."

1-البرهان: قياس مقدماته يقينية ونتيجته تفيد اليقين بالضرورة وهو حجة ملزمة للخصم، ويقصد به إثبات الحق.

2-الجدل يقال:لمقدمات القياس التي يأتي بها الشخص لإقامة الحجة على أي مطلب كان حق أو باطل،لإلزام الخصم.

3-الخطابة: هي صناعة علمية بها يمكن إقناع الجمهور في الأمر الذي يريد حصول التصديق به.والحجة الخطابية لا تلزم الطرف الآخر بالأخذ بها ولكنها تفيد ظنا راجحا مقبولا. ومن أمثلتها خطابة (واصل ابن عطاء الغزال المعتزلي ) و (الحجاج بن يوسف الثقفي).

4_ الشعر: هو كلام مخيل مؤلف من كلام موزون مقفى، يستفاد منه التشبيهات والكنايات ويثير المشاعر في الإنسان. و الحجة الشعرية لا يشترط إفادتها ظنا راجحا مقبولا بل تعتمد على مقدمات وهمية وصور كاذبة لا تخفى على المخاطب .

5-المغالطة: وتسمى سفسطة ومشاغبة وهي كل قياس لا يكون حقا ولا واقعا بحيث تكون نتيجته نقضا لوضع من الأوضاع.وهو ما تألف من مقدمات باطلة شبيهة بالحق، وذلك للإيقاع في الشكوك والشبه الباطلة . يقول شوبنهاور: يتوجب على من يدخل مناظرة، أن يعرف ما هي حيل الخداع، ذلك أن من المحتم عليه أن يصادفها وأن يتعامل معها.

الاستنتاج: الحجج غير الملزمة ثلاثة: خطابية وشعرية وسفسطائية.

الدرس رقم 09

مناهج البحث في أصول الدين :

- مفهوم المنهج : المنهج  مشتق من الكلمة الثلاثية " نهج"قال ابن فارس في مقاييس اللغة: النهج هو الطريق، ونهج لي الأمر أوضحه، وهو مستقيم المنهاج، والمنهج الطريق والجمع المناهج.

ورد في المعجم الوسيط: نهج الطريق ينهج نهجاً ونهوجاً وضح واستبان ونهج الإنسان الطريق سلكه و بينه…وأنهج الطريق وَضَحَ واستبانَ.

والمنهاج الطريق الواضح، قال الله تعالى: (لكلٍ جعلنا منكم شرعةً و منهاجَا) المائدة :48 .والمنهاج والمنهج الخطة المرسومة ومنه منهاج الدراسة ومنهاج التعليم، وجمع المنهج والمنهاج مناهج.

و خلاصة الأقوال السابقة أن مادة (نهج) تقوم على:- توضيح الأمر وبيانه، وتستعمل في الطريق الذي يكون واضحاً ومستقيما معروفا بيناً بحيث تمكن معرفته وتمييزه ويسهل سلوكه والسير فيه.

تعريف المنهج العلمي: هو الطريقة التي يتبعها العلماء في وضع قواعد العلم وفي استنتاج معارفه على ضوء تلك القواعد. فهو عمل منظم يهدف إلى حل مشكلة معرفية باستقراء جميع مكوناتها التي يظن أنها أساس الإشكال.  و عرف عبد الرحمن بدوي المنهج العلمي بأنه: " فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة، إما من أجل الكشف عن الحقيقة حين لا نكون بها عالمين، أو من أجل البرهنة عليها للآخرين، حين نكون بها عارفين."

تتنوع مناهج البحث في العقيدة و أصول الدين:

فمن حيث مناهج  التلقي ، عندنا ثلاثة مناهج:

1-المنهج  النقلي: وهو الذي يلتزم بالكتاب والسنة ويقدمهما في العقيدة والتفسير وغيرها. وهو في الغالب منهج أهل الحديث والأثر.

2- المنهج العقلي : و هو الذي يعتمد على العقل و يأخذ بالتأويل و هو منهج المتكلمين و الفرق الإسلامية و فلاسفة الإسلام .

3-المنهج الكشفي الإلهامي والذوقي :و هو الذي يأخذ بالكشف و الإلهام كمصدر من مصادر للتلقي و يعرف به المتصوفة و الباطنية من الفلاسفة و الشيعة و غيرهم الذين يقولون بالذوق و العرفان .

و من حيث مناهج الاستدلال، عندنا منهجان:

1- منهج الاستدلال النقلي: و هو الاستدلال بالآية و الحديث في العقيدة و التفسير و غيرها .و وظيفة العقل هي الاستنباط من الكتاب و السنة و البيان و التوضيح و الدفاع عن العقيدة الإسلامية بما صح من المأثور .

2-منهج الاستدلال العقلي:ويعتمد بالإضافة إلى القرآن والسنة على القياس والرأي ويغلب عليه تقديم العقل على النقل من خلال التأويل كما هو الحال عند المتكلمين وخاصة المعتزلة.

ومن حيث مناهج البحث المتبعة في دراسة العقيدة عندنا:

1-المنهج التاريخي الوصفي: يسلك فيه المؤلفون جانب العرض التاريخي الوصفي دون حكم على المقولات أو نقد لها.و يمثل هذا المنهج كتاب (مقالات الإسلاميين) للأشعري. و( الملل و النحل ) للشهرستاني .

2-المنهج التحليلي النقدي: يراد به اكتشاف عناصر موضوع معين من أجل غرض خاص، و يقصد بنقده عرض تلك العناصر على موازين دقيقة لمعرفة صحتها من فسادها.و يمثل هذا المنهج ما كتبه الدارمي في رده على المريسي ، و الإمام أحمد بن حنبل في رده على الزنادقة و الجهمية و الآجري في كتاب الشريعة و  ابن حزم في الفصل بين الأهواء و الملل و النحل .

3-المنهج المقارن:يسلك سبيل الربط بين الموضوعات المتعددة لاستخلاص أوجه الشبه والاختلاف بينها. ثم الخروج بحكم تدعمه النتائج.وهو مهم في دراسة العقائد و الملل والنحل.

 


-جامعة آكلي محند أولحاج-

-البويرة-

-كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية-

-قسم الشريعة -

مطبوعة العقيدة الإسلامية

السداسي الثالث

سنة ثانية أصول الدين

الدكتورة أنيسة زغدود

 

 

السنة الجامعية: 2021/2022م الموافق لـ 1442/1443ه

 

 

 

 

 

 

 

 

مفردات المقياس :

أولا-الإلاهيات .ثانيا - النبوات .

أولا : الإلاهيات : - الإلاهيات في الوحي و الفلسفة و علم الكلام :1-وجود الله .2- الأسماء و الصفات .

ثانيا : النبوات :1- وجه الحاجة إلى النبوة و طبيعتها.2-ماهية الوحي .3- عقيدة ختم النبوة .

الدرس رقم 01

أولا-الإلاهيات

قسم علماء  الكلام مباحث العقيدة  إلى ثلاثة أقسام :-1-الإلاهيات .2-النبوات .3-السمعيات .

1-الإلهيات : وتتناول ما يتعلق بوجود الله تعالى وما يجب في حقه عز وجل من الصفات و ما يجوز وما يستحيل مما يجب على كل مكلف مؤمن اعتقاده.

2-النبوات:وتتناول كل ما يتعلق بالنبوة والرسالة من حيث جوازها و الصفات الواجبة في حق الرسل والجائزة و المستحيلة مما يجب على كل مكلف مؤمن اعتقاده.

3-السمعيات:وتتناول العقائد الدينية التي مصدرها السمع فقط (الوحي والسنّة) مثل عذاب القبر ونعيمه و الحياة البرزخية واليوم الآخر مما يجب على كل مكلف مؤمن اعتقاده.

1 - الإلاهيات في الوحي و الفلسفة و علم الكلام

الموضوع الأول - وجود الله تعالى:

ما هي أدلّة القرآن و المتكلّمين والفلاسفة المسلمين على إثبات وجود الله تعالى ووحدانيّته؟

أولا -أدلّة الوحي في إثبات وجود الله ووحدانيته:

يمكن أن نذكر أدلّة القرآن الكريم في إثبات وجود الله تعالى ووحدانيّته كمايلي: 1-دلالة الخلق والإبداع .2-دلالة العناية. 3-دلالة الفطرة.

1 - أدلة الخلق والإبداع: و تسمى أدلة الاختراع ، و الدلائل الكونية.

ومعناها أن وجود المَوْجودات وحدوثها بعد أن لم تكن يدل على وجود من أوجدها وخلقها.  فتفرد  الله بالخلق من العدم والإبداع على غير مثال سابق من أخص أوصاف ربوبيته ، واستدلّ به لإثبات وجود الله ووحدانيته واستحقاقه للعبادة.

-يثير القرآن الكريم قضية الخلق بصورة عامة لينبه الإنسان للتفكر في وجود الخالق ووحدانيته، قال الله تعالى :﴿ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ الرعد :16.

-وتوجد آيات كثيرة تتحدث عن مجالات الخلق لإثارة العقل إلى التساؤل :من خلقها ومن صورها على هذا الشكل قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا لقمان: 10 قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ فاطر: 27 .

-كما نجد في القرآن آيات تخصص مجالا واحدا وتفصل فيه تفصيلا دقيقا قال تعالى : ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فصلت :9 – 12

  وقد فهم أعرابيّ يعيش في البادية هذا الدليل حين سُئل بما عرفت ربّك؟ فقال : " البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض فِجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السّميع البصير؟".

2 - أدلة العناية : والمقصود بها ما يلاحظه الإنسان من النظام والإتقان والتقدير في هذا العالم، فالسماوات وأفلاكها والأرض ومحتويـاتها، خلقت بـالحق، وبه حفظت، قـال تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقّ﴾ الأحقاف : 3 وقال تعالى: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾الفرقان : 2 . فهو قيوم السماوات والأرضين، فلا قيام لهما ولا استقرار إلا به سبحانه وتعالى  كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ فاطر :41. ونستنتج من هذا أنه لا يوجد صدفة في الكون وكل شي فيه خلق طبقا لغرض معين وبتوازن بديع وبتناسق وترتيب عجيب.

وإذا تأمل الإنسان بفكره في جزئيات هذا العالم المسخر لمصالحه والتي عليها استقرار حياته، كفاه ذلك دليلاً واضحا وحجة بينة على أن هذا العالم مخلوق لخالق حكيم قدير عليم ،قد قدر هذا العالم فأحسن تقديره، ونظمه فأتقن تنظيمه. قوله تعالى: ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ النمل :88. يقول تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ القصص : 73.

 و من عناية الله بالإنسان حسن خلقه و هدايته و أنواع النعم و الطيبات قال تعالى:﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ التين 4، وقال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ الإنسان :3 ، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾  النحل :72. قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ﴾  النحل: 66 .

3 -أدلة الفطرة : الفطرة لغة : هي الخِلقة التي يكون عليها الإنسان في أول أمره.

أما الدليل الفطري على وجود الله فيعني: أن كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم ولهذا تسمى أدلة الفطرة الأدلة الوجدانية. و من الأدلة على ذلك مايلي :

ا-آية العهد و الميثاق :  قوله تعالى : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ الأعراف : 172.

ب- آية سورة الروم : قال تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ الروم: 30.

و من السنة :    ا- ما ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء)). البخاري (1359)، مسلم بنحوه (2658).

ب-عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم)) رواه مسلم (2865).

وأبرز دلالات الفطرة ثلاثة:

ا- حالة الاضطرار:في حالة انقطاع الأسباب ووقوع الإنسان في شدة تصفو الفطرة ويلجأ الإنسان داعيا ضارعا إل ربه أن يكشف غمّته، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ الروم: 33، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ يونس: 22 .

ومن سنن الله الاستجابة لمن دعاه مضطرا بغضِ النظر عن سابق حاله، قال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ النمل :62.

ب- تطلع الفطرة إلى الكمال : من صفات الإنسان الميل إلى الكمال والسعي إليه والهروب من النقص. وبحكم قانون التضاد فإن هذا القول يؤدي إلى الاعتراف بوجود مدبر كامل ، فكما أن لكل شيء ضدا فالنور والظلام والعدل والظلم والعدم والحدوث ،كذلك العلم المحدود يقابله العلم غير المحدود والقدرة الناقصة تقابلها القدرة الكاملة، وإذن فنقص الآدمي وعجزه وسعيه لبلوغ أمانيه يبرهن أن في الغيب قدرة قاهرة وكمالا باهراً تنتهي إليه الأماني.

ج - الأشواق الروحية : خلق الله تعالى الإنسان من مادة وروح ولكل منهما حاجاته التي ينبغي أن تشبع فلابد من إشباع الجانب الروحي بدعاء الله وذكره والخوف منه والرجاء فيه ومحبته والطمع فيه والتوكل عليه والتسليم له .أي عبادته بالقلب واللسان والجوارح في كل حال. ومن نتائج هذا الإشباع الشعور بالقرب من الله والاطمئنان ، قال تعالى : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ الرعد :28، والذي لا يشبع هذا الجانب بالإيمان بالله وعبادته يشعر بالقلق والكآبة والفراغ الروحي.

الدرس رقم:02

ثانيا - طريقة المتكلمين  في إثبات وجود الله ووحدانيته : 

دليل الحدوث: هذا العالَمُ بجميع أجزائه حادِثٌ ( يعني وُجِدَ بعدَ عَدَمِهِ) وَ كُلُّ حادِثٍ لا بُدَّ لَهُ من مُحدِثٍ (يعني مَنْ يُوجِدُهُ) إذَن فهذا العالَمُ لا بُدَّ لَهُ من مُحدِثٍ.

  يذهب جمهور المتكلمين إلى إثبات وجود الله تعالى، عن طريق حدوث العالم، ذلك أن الحدوث عندهم هو العلة المحوجة إلى المؤثر، فإذا ثبت أن العالم حادث فلا بد له من محدث، يبرزه من حيز العدم إلى حيز الوجود، وهذه قضية بدهية ، فمن رأى بيتاً مبنياً منسقاً علم أنْ له بانياً ضرورة.

يرى المتكلمون أنه لا بد من إثبات حدوث العالم قبل إثبات وجود الله تعالى، ولهم في إثبات حدوث العالم أصول يقرونها.يقول المتكلمون: العالم جواهر وأعراض وقد يستدل على إ ثبات الصانع بكل واحد منهما إما بحدوثه أو بإمكانه . و الأعراض  بعضها  حادث بالمشاهدة كالضوء بعد الظلمة ،والوجود بعد العدم ، والحركة بعد السكون .وبعضها بالدليل. وهذه الأعراض تقوم بالجواهر فدل حدوثها على حدوث الجواهر. فهذه المصطلحات يصعب فهمها على الإنسان  فما الجواهر ؟ وما العرض ؟ و ما الجوهر الفرد؟

واختلفوا في تحديد مفاهيم هذه المصطلحات فكان المستدل على وجود الله تعالى بحدوث العالم يحتاج إلى ما يلي :1-إثبات ا لجواهر الفردة .2- إثبات حدوثها .3-الاستدلال بعد ذلك على أنها محدثة .

فهذه الطريقة للمتكلمين في إثبات وجود الله تعالى شاقة صعبة المنال حتى على المتخصصين بالإضافة إلى الاعتراضات الموجهة إليها ثم بطلان نظرية الجوهر الفرد علمياً الآن فالجوهر الفرد عندهم هو الجزء الذي لا يتجزء وقد أثبت العلم الحديث تجزأه فدل على بطلان  النظرية .ودليلي الاختراع والعناية من الأدلة التي قررها المتكلمون في أصول الدين ، كابن رشد الحفيد ، رحمه الله .

-و من البراهين العقلية التي أخذها المتكلمون من القرآن الكريم برهان الخلق .نجد ذلك في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ الطور 35-36.

فالاحتمالات العقلية في الآيتين ثلاثة وهي :

أ - (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ): هذه المخلوقات كانت عدما والعدم لا يوجد شيئا ، إذن الاحتمال الأول باطل.

ب-(أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ) :  أنهـم خلقـوا أنفسهـم ، وهذا أشد امتناعاً في العقل، لأن المخلوق لا يخلق نفسه.

جـ-( أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ):و لا أحد خلق السماوات و الأرض من الناس أو ادعى ذلك .و المخلوق لا يخلق غيره .

فلم يبق إلا أن لهم خالقاً خلقهم، وهذا يسلم به العقل وهو الحق . فالخالق أوجد هذه المخلوقات بعد أن لم تكن ، والخالق هو واجب الوجوب لذاته فهو الأول والآخر لذاته ، والمخلوقات لها بداية ونهاية ، وتستمد وجودها من الخالق.

وَلِهَذَا لَمَّا سَمِعَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ رضي الله عنه رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَأُ سُورَةَ الطُّورِ فَبَلَغَ هَذِهِ الْآيَاتِ: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ [الطور: 35 - 37]، وَكَانَ جُبَيْرٌ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا، قَالَ: "كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ، وَذَلِكَ أَوْلَ مَا وَقَرَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِي". أخرجه البخاري (4023، 4854).

-و من البراهين العقلية التي أخذها المتكلمون من القرآن الكريم : ( دليل التمانع ) و معناه: أن وجود النظام في الكون يدل على أن الإرادة المتحكمة فيه إرادة واحدة لا تقبل التعدد .ولو افترضنا وجود إرادة ثانية تتصرف في الكون لأدّى عند تعارض الإرادتين في شأن الخلق و وضع النظام إلى الاحتمالات الآتية :

1- أن تنفذ الإرادتان وهو مستحيل لأنه جمع بين النقيضين.

 2- أن تتعطل الإرادتان معا، وهذا عجز يتنزه عنه مقام الألوهية.

3 - أن تنفذ إحدى الإرادتين فتكون النتيجة العقلية أنه لابد أن يكون الإله واحدا ، قال تعالى : ﴿ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ الأنبياء :21 ـــ 22.

ويؤيد هذه الآية قوله تعالى : ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ المؤمنون:91 ويؤيده قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ الإسراء :42.

 ثالثاً - طريقة الفلاسفة المسلمين في إثبات وجود الله تعالى :

دليل الإمكان:لم يسلك  هؤلاء مسلك المتكلمين وهو الاستدلال بالحادث على المحدث أو بالصنعة على الصانع ( دليل الحدوث ) وإنما سلكوا  مسلكا آخر يسمى دليل  الإمكان أو دليل الوجوب والإمكان فقالوا :إن الموجود إما أن  يكون واجبا أو ممكنا .والواجب ما  كان وجوده من ذاته و الممكن ما كان وجوده  من غيره .إذا فلا بدله من مؤثر يرجح وجوده من  على عدمه ،وهذا المؤثر إما أن يكون واجب  الوجود بذاته أو ممكن الوجود ، فإن كان  واجب  الوجود بذاته ثبت وجود الواجب و هو المطلوب . وإن كان ممكن الوجود احتاج إلى علة ترجح وجوده على عدمه و تسلسل الممكنات إلى غيرنهاية ممتنع  ،إذا لابد من انتهاء إلى علة غير محتاجة إلى علة أخرى  توجدها وهذه العلة عندهم هي واجب الوجود : الله تعالى .

أثبت فلاسفة الإسلام مثل ابن سينا والفرابي واجب الوجود لذاته و هو الله تعالى وجعلوه علة تامة صدرت عنها كل المعلولات كصدور شعاع الشمس عنها ، متأثرين بفكرة الفيض لأفلوطين ، مخالفين لفكرة الخلق التي وردت في القرآن و التي تقوم على قدرة الله و إرادته و حكمته و علمه .

 ومنه نستنتج أن الفلاسفة أوغلوا في التجريد و العقلانية في وصف الألوهية .فالإله الذي أثبته الفلاسفة غير الإله الذي جاء وصفه في القرآن الكريم بأنه الخالق القادر المدبر بمشيئته وعلمه لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر وسبب هذا الانحراف هو تأثرهم بالفلسفة اليونانية.

خلاصة :لاشك أن القرآن الكريم قد أشار في إثبات وجود  الله تعالى إلى دليل حدوث العالم ولكن الفرق بين طريقة المتكلمين وطريقة القرآن في كيفية إثبات هذا الحدوث .

فالقرآن يسلك بالمخاطبين سبيل الحس والمشاهدة في إدراك حدوث العالم كحدوث السحاب المسخر بين السماء والأرض وكذا إنزال الماء من السماء وكإحياء الأرض بالنبات وغيرها من الآيات التي أخذناها في دليل  الخلق لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ البقرة :164ـ

فقد جعل الله تعالى إدراك هذه ا لأعيان إدراكا مباشرا آياتٍ ودلائل على وجود الخالق والمحدث لها كما أشارت  هذه الآيات إلى حدوث الأعراض أيضا فالرياح وتصريفها وحركتها أعراض و كِلاهما يدرك بالحس.

وعليه فإن أدلة القرآن في إثبات وجود الله تعالى أدلة شرعية  وردت في الآيات وأمر الله بها ونبه إليها ودعا إليها لقوله تعالى : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ النحل :12. وهي أيضاً أدلة عقلية يصل إليها العقل وتخاطب العقل .بينما دليل المتكلمين عقلي مع مافيه من صعوبة مصطلحاته وطريقة إثباته .كما أن طريقة الاستدلال في الوحي واضحة بسيطة مقنعة إذ تخاطب عقل الإنسان وتتوجه إلى وجدانه و تنبهه إلى مظاهر العالم الخارجي حوله  وتنجسم مع فطرته .بينما أدلة المتكلمين والفلاسفة أدلة عقلية مجردة لها اصطلاحات خاصة  تعرضت لكثير من الانتقادات وهي صعبة حتى على المختصصين  .  

الدرس رقم :03

الموضوع الثاني- أسماء الله تعالى وصفاته :

1- أهمية موضوع الأسماء والصفات :إن شرف العلم تابع لشرف معلومه ،ولا شك أن أجل معلوم وأعظمه هو الله تعالى ،فلا ريب أن العلم به وبأسمائه و صفاته جل وعلا من أجل العلوم وأفضلها .فلقد خلقنا لتوحيد الأسماء والصفات والربوبية والألوهية: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَ الاِنْسَ اِلاَّ لِيَعْبُدُونِ الذاريات :56

2-ثمرته:هذه المعرفة تزيد الإيمان وترسخ اليقين وتجلب النور والبصيرة.

فعلم الأسماء والصفات إذا رسخ في قلب العبد أوجب خشية الله تعالى،فعلم العبد بأن الله هو الرزاق و المانع و هو الذي ينفرد بالضر و النفع و الإحياء و الإماتة يثمر توكلا على الله تعالى فلا يطلب حاجته إلا من الله و لا يعتمد إلا عليه سبحانه. وإذا علم العبد أنه لا يخفى على الله شيء و أنه بكل شيء عليم يثمر ذلك للعبد حفظ جوارحه و خطرات قلبه عن كل مالا يرضيه عز وجل . وإذا علم أن الله هو الغني الكريم البر المحسن يحصل للعبد رجاء في الله تعالى ... وهكذا فإن معرفة الله تعالى بجلاله و عظمته و جبروته تثمر خضوعا من العبد واستكانة ومحبة لربه.ولذا فإن معرفة العبد لأسماء الله و صفاته على الوجه الذي أخبر به تجعل العبد يقوم مقام العبودية لله تعالى.

تنبيه : ليست أسماء الله وصفاته مسألة غامضة بالنسبة للمسلمين فكل مسلم يوحد الله ويصفه بصفات الكمال

و ينزّهه عن كل نقص، فالمشكلة أساسا عند اليهود و النصارى الذين حرفوا التوراة و الإنجيل و ألحدوا في أسماء الله و صفاته تعالى وغيرهم من الصّابئة و المجوس و أصحاب المذاهب و الأديان .و لم يأمرنا الله تعالى بالتفكر في ذاته و البحث فيها والبحث في  صفاته،بل أمرنا بالتدبر والتفكر في خلقه، فالله عزوجل هو أعلم بذاته وأسمائه

و صفاته .فنسأل الله تعالى الثبات و السداد و التوفيق.

3-أسماء الله تعالى التي وردت في الكتاب والسنة:

-الأسماء الواردة في القرآن: نوعان ،النوع الأول ورد مفردا والنوع الثاني ورد مضافا.

النوع الأول:ما ورد في القرآن مفردا:مثل: [الله، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الحكيم] وذلك في قوله تعالى :﴿ هُوَ اللَهُ الَّذي لاَ اِلَهَ اِلاَ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَ الْشَهَادَةِ هُوَ الْرَحْمَنُ الْرَحِيْمُ هُوَ اللَهُ الَّذِي لاَ اِلَهَ اِلاَ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُوسُ الْسَلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَارُ الْمُتَكَبِرُ سُبْحَانَ اللَهِ عَمَا يُشْرِكوُنَ هُوَ اللَهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِرُ لَهُ الاَسْماءُ الْحُسْنَى يُسَبِحُ لَهُ مَا فِي الْسَمَوَاتِ و الاَرْضِ و هُوَ الْعزِيزُ الْحَكِيمُ الحشر: 22-24.

النوع الثاني: ما ورد في القرآن مضافا: [الرب ، الملك] :﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يومِ الدِّينِ الفاتحة:1-3.[النّور] :﴿ اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَ الاِرْضِ النّور: 35.[الغافر] :﴿ غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ في سورة غافر:3 .[المُحيي] ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى فُصِّلت:39.

[العالم] :﴿ إِنَّ اللهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَ الاَرْضِ فاطر: 38.[العلاّم] :﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ التّوبة:109.[البديع] :﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ البقرة: 117. [الفاطر] ﴿ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وا لاَرْضِ فاطر: 1.[الجامع] :﴿ إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَ الْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا النّساء :104.

-بعض الأسماء الواردة في السنّة:

[الحنّان، المنّان]ورد في مسند أحمد عن أنس(ج3/158) :(ثمّ دعا وقال .. اللّهم إنّي أسألك بأنّ لك الحمد لا إلـه إلاّ أنت الحنّان..." .وفي رواية أبي داوود رقم 1495 بإسناد حسن "اللّهمّ إنّي أسألك بأنّ لك الحمد لا إلـه إلاّ أنت المنّان).

 [السُّبّوح] في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يقول في ركوعه وسجوده (سُبُّوحٌ قُدُّوس ربُّ الملائكة والرّوح) .صحيح مسلم بشرح النّووي (ج4/204).

 [الشّافي] في صحيح مسلم والبخاري عن عائشة رضي الله عنها أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يدعو للمريض بقوله ( اللّهمّ ربَّ النَّاس أَذْهِبِ البأس اشف أنت الشّافي لا شفاء إلاّ شفاؤك شفاء لا يغادر سقما). صحيح الجامع الصغير (/131).

 [الحيِيُّ، السِّتِّير] ورد في مسند أحمد وسنن ابن داوود والنّسائي عن يعلى بن أميّة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: (إنّ الله تعالى حيِيٌّ سِتِّيرٌ يحبّ الحياء و الستر فاذا اغتسل أحدكم فليستتر.) صحيح الجامع الصّغير (ج2/108).

[الوتر] ورد في الحديث: (لله تسعة وتسعون اسما من حفظها دخل الجنّة وإنّ الله وِتر يحبُّ الوتر). صحيح مسلم (ج4/262).

ملاحظات- الفرق بين الاسم والصفة:

-أسماء الله :هي كل ما دل على ذات الله مع صفات الكمال القائمة به؛ مثل: القادر، العليم، الحكيم، السميع، البصير؛ فإن هذه الأسماء دلَّت على ذات الله، وعلى ما قام بها من العلم والحكمة والسمع والبصر:﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾النور : 18 ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ البقرة : 106.

- الصفات: هي نعوت الكمـال القائمة بالذات؛ كالعلم والحكمة والسمع والبصر:﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ الطلاق: 12. علمًا صفة .

 -فالاسم دل على أمرين، والصفة دلت على أمر واحد. فالاسمُ يُعتبر عَلَمًا على الله عز وجل مُتضمنًا للصفة. ويلزَمُ مِن إثباتِ الاسم إثباتُ الصفة.ولا يلزمُ مِن إثباتِ الصفةِ إثباتُ الاسم، مثل: الإرادة ؛ لا يلزم أن نثبتَ للهِ اسم المريد .بناءً على ذلك: تكونُ الصفاتُ أوسع، لأنَّ كلَّ اسم متضمنٌ لِصفة، وليست كلُّ صِفة متضمنة لاسم.

وإنما المقصود أن كل اسم من أسمائه يدل على ذاته وعلى ما في الاسم من صفاته .

-أسماء الله مشتقة ليست جامدة :كل اسم يتضمن صفة، فالعليم يتضمن صفة العلم، القدير يتضمن صفة القدرة، الحليم يتضمن صفة الحلم، الرحيم يتضمن صفة الرحمة، الله يتضمن صفة الألوهية، الحي يتضمن صفة الحياة. والعزيز يدل على العزة، والحكيم يدل على الحكمة، والكريم يدل على الكرم.

-أسماء الله كلها حسنى لقوله تعالى: ﴿اللًهُ لاَ اِلَهُ هُوَ لَهُ الاَ سْمَآءُ الْحُسْنَى:طه: 8. ﴿هُوَ الْخَالِقُ الْبَارئُ الْمُصَوِرُ لَهُ الاَسْمَاءُ الْحُسْنَىالحشر: 22.وحسنى يعني بلغت غاية الحسن و نهايته.

- وهي توقيفية بنص الشرع وورود السمع بها. وهي ليست محصورة بعدد تسع وتسعين. 

-أسماء الله الحسنى يتعبد بها :أمر الله بدعاءه بها  لقوله تعالى :﴿وَلِلَّهِ الاَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا الأعراف: 180.  وهذه الأسماء كلها تدل على صفات، وتدل على كمال وجلال، وكلها تقتضي محبته ودعاءه والتوكل عليه.

الدرس رقم :04

4-صفات الله تعالى التي وردت في الكتاب والسنة:

فإن الله سبحانه وتعالى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ الأنعام:103، ولا يمكن أن يشبه شيئاً ولا أن يشبهه شيء ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾الشورى:11، فلا يمكن أن يعرف بالعيان ولا بالمثال، فلم يبق إلا معرفته بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، والاستدلال عليه بمخلوقاته.

-تقسيم الصفات الإلهية:

ومن هنا فإن صفات الله عز وجل التي وصف بها نفسه في القرآن ووصفه بها الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة يمكن تقسيمها إلى:1-الصفات الذاتية.2-الصفات الفعلية.3-صفات التنزيه.

1-الصفات الذاتية:

وتسمى صفات الذات وهي الصفات الثابتة لذات الحق تبارك وتعالى مثل: صفة العلم، والعزة، والعلو، والعظمة، والقدرة و الحياة ونحو ذلك من الصفات. ويدخل في صفات الذات ما أخبرنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أن الله يتصف بها كاليد والوجه والعين ونحو ذلك من الصفات.لقوله تعالى : ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء ﴾  المائدة : 64  .وقوله أيضاً : ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ ص: 75   ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُوْن ﴾ يس :71 .﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ الزمر : 67 .

وقوله تعالى : ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ البقرة: 115: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ الرحمن: 27 ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ القصص :88

وقوله تعالى :﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ طه:39. ﴿ وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾هود : 37﴿  تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ القمر : 14 .﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ ِأَعْيُنِنَا﴾ طور: 48 . قوله تعالى : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾  القلم :42 .

ما روى البخاري (6661)، ومسلم (2848) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

( لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ، حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ ، فَتَقُولُ قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ ، وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ).

عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال(إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ). كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى للقلوب كيف يشاء ،صحيح مسلم ص4804

 يقول الإمام البغوي: "الإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله عز وجل، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله سبحانه وتعالى، كالنفس، والوجه، والعين، واليد، والرجل.) شرح السنة (1/ 168). مع نفي التشبيه؛ فلا نقول: إصبع كأصابعنا؛ يقول الإمام ابن قتيبة: "ولا نقول: أصبع كأصابعنا، ولا يد كأيدينا، ولا قبضة كقبضاتنا؛ لأن كل شيء منه -عز وجل- لا يشبه شيئًا منا" تأويل مختلف الحديث (ص: 303). و الاتفاقَ في التسميات لا يوجب اتِّفاق المسمَّين بها، فنحن نثبتُ الوجود لله تعالى، لكن وجودُه ليس كوجود خلقِه، فكذا نثبت له صفةَ الأصابع كما أثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يلزم من هذا أنها تشبه أصابع خلقه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.

صحَّ عن الأئمَّة الأعلام إثباتهم لصفة الأصابع لله تعالى على ظاهرها مع تفويض الكيفيَّة:يقول أحمد بن نصر: سألت سفيان بن عيينة وأنا في منزله بعد العتمة، فجعلت ألحُّ عليه في المسألة، فقال: دعني أتنفَّس، فقلتُ: كيف حديث عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحمل السماوات على أصبع، والأرضينَ على أصبع»، وحديث: «إن قلوبَ العبادِ بين أصبعين من أصابع الرحمن»… فقال سفيان: هي كما جاءت، نقرُّ بها، ونحدِّث بها، بلا كيف."ينظر: العلو للعلي الغفار، للذهبي (ص: 156).

يقول الإمام أبو الحسن الأشعري: "وندين الله -عز وجل- بأنه يقلب القلوب بين أصبعين من أصابعه، وأنه سبحانه يضع السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تكييف." الإبانة عن أصول الديانة (ص: 26-27).

شبهة تأويل الأصابع بالقدرة:زعم الجهمية وبعض الأشاعرة أن المراد بالأصابع هنا: القدرة.ينظر: نقض الإمام عثمان الدارمي على بشر المريسي (1/ 369)، وقواعد الاعتقاد للغزالي (ص: 167)، وإيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل لابن جماعة (ص: 99).

الجواب عن هذه الشبهة:يردُّ على هذه الشبهة من وجهين: ينظر: نقض الإمام عثمان الدارمي على بشر المريسي (1/ 369-370):

الأول: أن هذا التأويل خارج عن جميع اللغات فضلًا عن لغة العرب الذي نزل بها الكتاب العزيز، فلا يُعرف في اللغة العربية تأويل الإصبع بالقدرة.

الثاني: إنما هي قدرة واحِدة قد كفَتِ الأشياءَ كلَّها وملأتها واستنطقتها، فكيف صارت للقلوب من بين الأشياء قدرتان؟! ومما يبطلُ هذا التأويلَ: أن الإصبع في الحديث مثنَّاة إصبعين من أصابع الرحمن.

-الصفات الفعلية :

هي التي تتعلق بمشيئة الله تعالى  وقدرته كالخلق والرزق والاستواء على العرش والمجيئ والنزول إلى السماء الدنيا والغضب والفرح والضحك والكلام . وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾طه:5.قوله تعالى : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الأعراف :54.

قوله  تعالى : ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّاالفجر: 22ـ  وقوله تعالى : ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ البقرة : 210 ـ   قوله تعالى : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الأنعام: 158 وقوله تعالى  : ﴿وَكَلَمِ الله مُوُسَى  تَكْلِيِماَ النساء: 164 .وقوله : ﴿قُلْ لَوْكَانَ البَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِي لَنَفِذَ البحْرُ قَبْلَ أنّْ تَنْفَذَ كَلِمَاتُ رَبي وَجِئْنا بِمِثْلهِ  مِدداً الكهف :109.قوله تعالى : ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِمَا يُوُحى إِنَّنى أَنَا الله لاإِلهَ إلا أَنَاْ فَاعْبُدْنيِ وَ أقِمِ الصَّلاة َ لِذِكْرِى طه 13 ـ14 .وقوله تعالى : ﴿تِلْكَ الرْسُلْ فضلنا بعضهم  على بَعْضَ مِنْهُمْ مَنّْ كَلَمَ الله وَرَفَعَ بَعْضَهَمْ دَرجَاتٍ البقرة :253. وقوله تعالى : ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لمَيقاتنا َوَكَلَّمَهُ رَبَّه قَالَ رب أرِنى أَنظرْ إليْكَ الأعراف :143 .وقوله تعالى : ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا مريم :52  .              

قوله تعالى : ﴿قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي ﴾الأعراف: 144 .

عن أبي هريرة رضى الله عن  النبي صلى الله عليه وسلم :  يَنْزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالَى كُلَّ لَيْلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدْعُونِي، فأسْتَجِيبَ له؟ مَن يَسْأَلُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَن يَستَغْفِرُني فأغْفِرَ له؟  [ صحيح البخاري كتاب التهجد باب دعاء الصلاة من اخر الليل ] . أخرجه البخاري (1145)، ومسلم (758)

وفي هذا الحَديثِ بيَّن النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ اللهَ تَبارَك وتعالَى يَنزِلُ كلَّ لَيلةٍ حِينَ يَبْقى الثُّلثُ الأخيرُ مِن اللَّيل، وهو نُزولٌ يَليقُ به جلَّ جَلالُه؛ فإنَّه يَجِبُ الإيمانُ بما ورَدَ في ذلك -وأمثالِه- عنِ اللهِ عزَّ وجلَّ مِن غَيرِ تَكْييفٍ ولا تَعْطيلٍ، ومِن غيرِ تحريفٍ ولا تمثيلٍ.

 3-صفات التنزيه :و تتضمن إثبات الكمال لله تعالى ونفي كل عيب ونقص .

لقوله تعالى :﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ شورى :11 ؛هي نفي يتضمن  إثبات  الكمال لله و نفي الشبيه .

لقوله تعالى :﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ البقرة :255 ؛نفي يتضمن كمال القيومية والحياة .

لقوله تعالى :﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ سبا :3 ؛ نفي يتضمن كمال العلم .

لقوله تعالى :﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ﴾ ق: 38 ؛ نفي يتضمن كمال القدرة .

﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ البقرة: 255  ،نفي يتضمن كمال العظمة و القدرة .

﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا مريم :65 ؛ قال ابن عباس: هل تعلم للرب مثلاً أو شبيهاً وهو قول مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وغيرهم . وقال عكرمة، عن ابن عباس: ليس أحد يسمى الرحمن غيره تبارك وتعالى وتقدس اسمه (تفسير ابن كثير).

قوله تعالى : ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ الأنعام :100 أي : تقدس وتنزه وتعاظم عما يصفه هؤلاء الجهلة الضالون من الأولاد والأنداد ، والنظراء والشركاء .

قوله تعالى : ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا مريم 92 -91  أي : لا يصلح له ، ولا يليق به لجلاله وعظمته; لأنه لا كفء له من خلقه ; لأن جميع الخلائق عبيد له.

﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ  يُولدَ الإخلاص :3 . نفي الولد و الوالد والصاحبة.

  قوله تعالى : ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ الإخلاص :4 .  لم يكن له شَبيهٌ ولا عِدْلٌ.

قوله تعالى :﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ ﴾ الأنعام :101 .  

﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ الكهف : 49.  نفي يتضمن كمال العدل.

لقوله تعالى : ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ الذاريات :57 . أخبر أنه غير محتاج إليهم ، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم ، فهو خالقهم ورازقهم ابن كثير.فما يريد منهم من رزق وما يريد أن يطمعوه، تعالى الله الغني المغني عن الحاجة إلى أحد بوجه من الوجوه، وإنما جميع الخلق، فقراء إليه، في جميع حوائجهم ومطالبهم، الضرورية وغيرها، (السعدي .)

﴿اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ إثبات الوحدانيّة لله تعالى ونفي ألوهية سواه ونفي الشريك.

ما يُستفاد من درس الصفات :

-صفات الذات وصفات الفعل كلها ثابتة في القرآن ولذلك تسمى ثبوتيّة.

-صفات التنزيه التي تتضمن الكمال وتنفي عن الله تعالى صفات النّقص والعيب و لذلك تسمى سلبيّة .

-صفة الكلام هي صفة ذاتية لأنها ملازمة للذّات الإلاهيّة و أيضا صفة فعليّة لأنها تتعلّق بمشيئة الله تعالى.

-من حيث أدلة ثبوتها:هي سمعية خبرية نقلية :أي جاء السّمع بإثباتها (الوحي والأحاديث الصحيحة) ؛مثل الاستواء، اليد ،الوجه ،المجيء ،الضّحك ،المحبّة ،الكراهيّة...وهيسمعية عقلية :يشترك في إثباتها النقل والعقل مثل صفات العلم والسمع والبصر والعلو والقدرة و الحياة.

-منهج القرآن في الصفات هو التفصيل في الإثبات والإجمال في النّفي.

-باب الصّفات أوسع من باب الأسماء.

الدرس رقم :5

الصفات عند المتكلمين :صفات واجبة و صفات مستحيلة و صفات جائزة .

الصفات الواجبة عند علماء الكلام و هي: 1-صفة نفسية :صفة الوجود.

2-صفات المعاني: وهي سبع صفات : القدرة والإرادة والعلم والحياة والسّمع والبصر والكلام،وهذه الصفات يقول بها جمهور المسلمين وأنكرها المعتزلة فرارا من تعدد القديم وأثبتوا أحكامها فقالوا هو قادر بذاته سميع بذاته عالم بذاته حيّ بذاته.

 وقد أنكر بعض الإسلاميين صفة الإرادة كمعنى مستقل بذاته تعالى، منهم المعتزلة الذين ذهبوا إلى أنّ إرادة الله تعالى لا تعدو أن تكون علمه ذاته بما يقع من الأفعال، وبعض الفلاسفة الذين تأثّروا بأفكار يونانية منها أنّ الله تعالى صدر عنه العالم بطريق الفيض ناشئا عمّا سمّوه عناية متأتية من صفة العلم دون قصد إرادي.  

 وقد ضلّ قوم من الفلاسفة المسلمين المتأثّرين بالفلسفة في تصوّر إحاطة علم الله بجميع المفهومات فقالوا إنّ الله يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات.   

 ولم يقع اختلاف بين المسلمين في ثبوت صفة الكلام لله تعالى فإنّهم مجمعون على أنّه متكلم وأنّ له كلاما وإن اختلفوا في ماهية ذلك التكلم والكلام. وأنصار السّلف من أهل الحديث ينكرون على متكلمي الأشاعرة أقوالهم في الكلام النّفسي واللّفظي.                      

3-الصفات المعنوية: وهي سبع صفات :كونه قادرا وكونه مريدا وكونه عالما وكونه حيا وكونه سميعا وكونه بصيرا وكونه متكلما . وأدلّة وجوبها له تعالى هي أدلة وجوب المعاني له، إذ المعنوية لازمة للمعاني والمعاني ملزومة لها وإذا ثبت الملزوم ثبت اللاّزم . فكونه تعالى حيّا لازم للحياة وكونه مريدا لازم للإرادة. ورأى بعضهم أنه يكفي إثبات صفات المعاني ولا داعي لذكر الصفات المعنوية معها، لأن مدلولات صفات المعاني متضمنة لمدلولات الصفات المعنويةقول بعضهم ـ وهم المعتزلة ـ نحن نثبت لله جل وعلا كونه عالما، ولا نقول له صفة زائدة على الذات هي صفة العلم، فأثبتوا لله حالا هو كونه عالما دون إثبات الصفة.

4-الصفات السلبيّة: وهي خمس صفات. الوحدانية والقدم والبقاء والقيام بالذات والمخالفة للحوادث. وهي التي  "تنفي النقائص في حقّ الله تعالى وذلك مثل الوحدانية التّي تنفي التعدد، والقدم التّي تنفي الحدوث، والمخالفة للحوادث التّي تنفي المشابه ." ترى الأشاعرة أن الوحدانية من الصفات السلبية الواجبة لله تعالى ومعناها عدم التعدّد في الذات وفي الصّفات وفي الأفعال، فالله تعالى واحد في ذاته، فذاته تعالى ليست مركّبة من أجزاء ولا توجد ذات تشبه ذاته تعالى، وواحد في صفاته، أي كلّ صفة من صفات الله تعالى واحدة فليس له تعالى صفتان أو أكثر من نوع واحد كقدرتين وإرادتين، وليس لغيره تعالى صفات تشبه صفاته تعالى، وواحد في أفعاله فجميع الكائنات مخلوقة بقدرة الله وحدها، فلا شريك له فيها وليس لغيره تعالى فعل من الأفعال.                                              

- والصفات المستحيلة في حقه تعالى  هي أضداد الصفات الواجبة : وهي التي يستحيل عقلا اتصاف الله بها، لأنها منافية لما ثبت لله نقلا وعقلا من صفات واجبة تناسب عظمته وجلاله.وهي : العدم و الحدوث و الفناء و الافتقار ومماثلة الحوادث و نفي الوحدانية والعجز والكَراهَةُ والجَهْلُ و المَماتُ و الصممُ و العَمَى و البَكَمُ.

-والجائز من الصفات هي كل ممكن وتركه: يقول تعالى في سورة القصص الآية 68: *وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ*يؤكد قوله تعالى في هذه الآية الكريمة على أن من صفاته سبحانه أن يخلق ما يشاء ويفعل ما يريد، دون أن يملك أحد إلزامه بشيء أو الإعتراض عليه في فعله ومشيئته.

ويدخل هذا النوع في صفات الأفعال التي هي أثر قدرة الله وإرادته، بحيث يجوز في حقه تعالى فعل كل ممكن أو تركه في العدم، فلا يجب عليه فعله ولا يستحيل عليه تركه، بل يفعل ما أراد ويترك ما أراد، كالخلق والرزق والإماتة والإحياء والثواب والعقاب، وفعل الصلاح والأصلح للخلق، ومثل ذلك مما يناسب أن يعتبر صفة جائزة في حقه تعالى.

الصفات عند الفلاسفة المسلمين : ذهب فلاسفة الإسلام أمثال ابن سينا والفرابي... وغيرهم إلى أن صفات الله تعالى ليس معان قائمة بذات الله زائدة عليها ،بل هي ذاته .وهذا ينتهي إلى إنكارهم وجود الصفات ،حجّتهم أن العقل يحيل إثبات الصفات لأن إثباتها يؤدي إلى التجسيم وهو ينافي الوحدانية عندهم ،فجعلوا الله تعالى وجودا مطلقا لا حقيقة له في الأعيان بل هو هو موجود في الأذهان.

الدرس رقم 06

مذاهب السلف والخلف في الصّفات:

 1 -مذهب السّلف الصّالح: السّلف الصّالح هم الصّحابة والتابعون وتابعو التابعين (القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية على لسان النبي صلى الله عليه وسلّم :(خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).

مذهب السلف الصالح هو الإيمان بأسماء الله وصفاته وإثباتها كما جاءت في الوحي ولا يُنقل عنهم -خاصة الصحابة- اختلافهم في الصفات ولا سؤالهم عنها أو البحث فيها. ومذهبهم التنزيه المطلق لله تعالى عن مشابهة مخلوقاته،فلا مجال عندهم للقياس بين الخالق والمخلوق. ولم يخض السلف الصالح في البحث عن كيفية ذات الله تعالى ولا كيفية صفاته.

سئل الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى فقيل: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾طه:5 كيف استوى ؟ فقال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ثمّ أمر بالرّجل فأخرج.              

   وقال الإمام أحمد بن حنبل في قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: " إنّ الله ينزل إلى سماء الدّنيا " و" إنّ الله يرى يوم القيامة " ما أشبه هذه الأحاديث : نؤمن بها ونصدّق بها، لا كيف ولا معنى ولا نردّ شيئا منها، ونعلم أنّ ما جاء به الرّسول حقّ ولا نردّ على رسول الله صلّى الله عليه وسلم ."   

   وقال الخطيب البغدادي في بيان مذهب السّلف في الصفات:"..فإذا كان معلوما أنّ إثبات ربّ العالمين عزّ وجلّ إنّما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف فكذلك إثبات صفاته إنّما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فإذا قلنا لله تعالى يد وسمع وبصر وإنّما هو إثبات صفات الله تعالى لنفسه ولا نقول أنّ معنى اليد القدرة ولا أنّ معنى السّمع والبصر العلم، ولا نقول إنّها جوارح ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التّي هي جوارح وأدوات فعل ونقول: إنّما وجب إثباتها لأنّ التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها."                                           

فعقيدتة السلف هي عقيدة الإثبات والتنزيه: "نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه على لسان رسوله من ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله، وننتهي عند ذلك ولا نزيد عليه وننزهه في ذلك عن مماثلة أو مشابهة شيء من مخلوقاته، ونثبت الاستواء والنّزول ونحوهما ونؤمن بحقيقتهما على ما يليق به تعالى بلا كيف، وبأنّ ظاهرها المتعارف في حقّنا غير مراد."

والمعطّلون هم الذين ينفون الصّفات والمشبهون الذين يشبهونها بصفات المخلوقات وكلاهما على ضلال، أمّا السنيون: فهم الذين يثبتونها له تعالى وينزهونها  عن التشبيه بالمخلوقات، والتعطيل تعطيل اللفظ عن دلالة معناه الحقيقي أو الخروج به  إلى معنى آخر، والتشبيه تشبيه الله بمخلوقاته، فنحن نثبت لله ما أثبته لنفسه من أقوال  أو أفعال أو صفات، ولا نشبه في شيء من ذلك بالمخلوقات، ولا غرابة في إثبات شيء  مع عدم تكييفه ،فالإنسان  يثبت أنّ بين جنبيه نفسا ولكن لا يستطيع تكييفها كذلك نثبت صفات الله بلا كيف.

   وقد لخّص ابن تيمية مذهب السّلف في صفات الله تعالى فقال: " فالأصل في هذا الباب أن يصف الله بما وصف به نفسه وبما وصف به رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم نفيا وإثباتا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه، وقد علم أنّ طريقة سلف الأمّة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصّفات من غير تكييف ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل ."

ومن قواعدهم : القول في الصفات كالقول في الذات . أي لا نعرف كيفية الذات ولا نعرف كيفية الصفات ؛أي ذات الله لا تماثل ذات المخلوقين كذلك صفاته لا تماثل صفاتهم . و القول في الصفات كالقول في الأسماء .

     2 -مذهب الخلف:

قال الشهرستاني: "واعلم أنّ جماعة من السّلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة و...لا يفرّقون بين صفات الذات وصفات الفعل بل يسوقون الكلام سوقا واحدا، وكذلك يثبتون صفات خبريّة مثل اليدين والوجه ولا يؤولون ذلك، إلاّ أنّهم يقولون هذه صفات وردت في الشرع فنسميها صفات خبريّة."

وأكثر الخلف يُؤولون الصّفات السّمعية الخبرية ومبدأهم التنزيه ؛أي نفي مشابهة الخالق بالمخلوق ،وفي هذا يتفقون مع مذهب السلف غير أنهم يختلفون معهم في طريقة التنزيه معهم. وهم يقولون :وكلّ نصٍّ أوهم التشبيهَا ... أوِّلهُ أو فَوِّض و رُمْ التّنزيهَا.

 فالأشاعرة والماتريديّة والمعتزلة ومن تابعهم من الشيعة والإباضية فقد ذهبوا إلى القول بأنّ هذه الصّفات يفيد ظاهرها تشبيه الله تعالى بمخلوقاته وفي إمرارها على الظاهر إلحاق النقص به تعالى، ولذلك ينبغي تأويل هذه المعاني الظاهرة على معان أخرى تفيدها بالمجاز، تنزهه تعالى عن النّقص الحاصل بمشابهة المخلوقات، وعلى سبيل المثال فإنّ الاستواء يكون معناه الاستيلاء والغلبة، والنّزول معناه إسباغ الله نعمائه على عباده، والأعين معناها العناية والرّعاية .   

 لا يثبت الأشاعرة الصفات الخبرية كالوجه واليد والقدم، ولا الأفعال الاختيارية كالاستواء والمجيء والنزول، ونحوها ، ويتأولون ذلك أو يفوضونه.ومنهج السلف الصالح : إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تأويل ولا تعطيل، ولا تشبيه ولا تمثيل.فلا يحصرون الصفات في سبعة، ولا في ثلاث عشرة، ولا في عشرين، بل الصفات الثابتة لله أعظم من ذلك بكثير.

 أيّد المعتزلة مذهب الجهمية في نفي الصّفات ،واشتهر المعتزلة بنفي رؤية الله تعالى يوم القيامة. أثبت المعتزلة الذات مجرّدة من الصّفات وزعموا أن الله لا تقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره (صفات خبرية فعلية) ،وهو قولهم "لا تحله الأعراض والحوادث" ،وبذلك نفوا الصفات الفعلية الذاتية لله تعالى .

 ومن الفرق الضالة المجسِّمة وهم الذين يشبهون الله بالإنسان ومنهم الشيعة الباطنية.

 الترجيح : يذهب العلماء إلى أن مذهب السلف الصالح هو الأسلم والأعلم والأحكم في باب الأسماء والصفات، لكن هناك من جوّز الأخذ بالتأويل في الصفات الخبرية عند الضرورة إذاخيف على ضعاف الأنفس التشبيه إن لم يؤول لهم ذلك الكلم ، بحيث يتصورون الإلـه مجسدا فيؤول لهم ذلك تأويلا سائغا في اللّغة المشهورة .                               

وقد ذكر ابن باديس "ونثبت الاستواء والنّزول ونحوهما ونؤمن بحقيقتهما على ما يليق به تعالى بلا كيف وبأنّ ظاهرها المتعارف في حقّنا غير مراد."

خلاصة:خالف المتكلمون وأصحاب الفِرق والفلاسفة المسلمون منهج القرآن والسنة في باب الأسماء والصفات ،وخالفوا أيضا مذهب السلف الصالح في هذا الباب. وتتمثل أخطاؤهم في :

-خوضهم فيما نهوا عنه ،فقد أمر الله تعالى بالتفكر في خلقه ولم يأمر بالتفكر في ذاته سبحانه وتعالى والبحث فيها وعن كيفية صفاته.

-توهمهم للتشبيه، وذلك بقياس الخالق بالمخلوق والأصل العمل بقوله تعالى﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ الشورى:11

-ومن مظاهر انحرافهم التأويل، التعطيل (النفي)، التفويض (نفي بعض الصفات، نفي كل الصفات، نفي الأسماء.). المشبِّه يعبد صنما، والمعطِّل يعبد عدما، والله ليس كذلك، وما خطر على بالك فالله على خلاف ذلك.

-توحيد الأسماء والصفات: "معناه الإيمان بما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته من الأسماء الحسنى والصفات العلى من غير تحريف ألفاظها أو معانيها ولا تعطيلها بنفيها أو نفي بعضها عن الله عز وجل، ولا تكييفها بتحديد كنهها وإثبات كيفية معينة لها ولا تشبيهها بصفات المخلوقين". محمد نعيم ياسين،الإيمان أركانه حقيقته ،نواقضه،ص27.

الدرس رقم 07

ثانيا - النبوات : 1- وجه الحاجة إلى النبوة وطبيعتها. 2-ماهية الوحي  . 3-عقيدة ختم النبوة [ محمد صلى الله عليه وسلم ] .

1 - وجه الحاجة إلى النبوة وطبيعتها:

هل البشرية بحاجة إلى النبوة  ؟ هذا السؤال محل خلاف بين صنفين:صنف يؤمن بحاجة الناس إلى النبوة وصنف ثاني لايؤمن بحاجة الناس إلى النبوة .والمقصود بذلك  الأنبياء والرسل الذين هم الواسطة بين الله والعباد . ويوجد إنكار خاص لختم النبوة وهي نبوة  محمد صلى الله عليه وسلم  من قبل أهل  الكتاب اليهود والنصارى .

الصنف الأول -المنكرون لجنس النبوة :  البراهمة وهم قبيلة في الهند والصابئة وهم عباد النجوم والكواكب . هذا بالنسبة للقدماء أما في الحياة المعاصرة فهناك من ينكر النبوة ومنهم الملحدون ينكرون وجود الله فينكرون النبوة أو الأنبياء ومنهم العقلانيون الذين يكتفون بالعقل ولايرون مصدرا آخر للمعرفة ولا يؤمنون بالوحي.

ومنهم الماديون الحسيون الذين لا يؤمنون بعالم الغيب ، وأما المنكرون للنبوة  الخاصة وهي ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم في الحياة المعاصرة فهم المستشرقون و اليهود و النصارى.

الصنف الثاني -المقرون بجنس النبوة :الذين يقولون بحاجة الناس إلى النبوة والرسالة ،وهم المؤمنون بالكتب السماوية سواء أ كانوا مسلمين أو يهودا أو نصارى .

ما أوجه الحاجة إلى النبوة والرسالة ؟

النبوة والرسالة هي واسطة وسفارة يقوم بها بعض الرجال -اصطفاء من الله- بين الله وعباده ، ويمكن إبراز الحاجة إلى النبوة في النقاط الآ تية :

1- يمكن للإنسان من خلال سلامة الفطرة وصحة العقل والتدبر في الكون أن يعترف بوجود إله ويقر بصفات  عظمته وكماله ،ولكن هنا يتوقف دور العقل والفطرة ولايعرف على وجه الصحة ماهي صفات هذا الإله ولا يعرف ماهي علاقة هذا الإله بالإنسان والكون الذي  خلقه .

2-ولا يعرف هذا الإنسان  أيضا كيف يعبد الله وكيف يوحده ولا ما يجب له سبحانه وتعالى من حقوق على العباد ولا كيفية الصلاة ولا غيرها.

3- وتظهر الحاجة أيضاً في أن المجتمعات منذ وجدت  تضع القوانين وتسن الشرائع ، وتحدد القيم الأخلاقية لتحقيق المنافع للناس ودفع المضار عنهم ،والفصل في خصوماتهم ،وتحسين مستوى معيشتهم وتثقيفهم .ولكن البشرية في كل العصور لم تصل إلى سعادة دنيوية ولا إلى كمال اجتماعي.

 4-اختلف العلماء والفلاسفة والسياسيون في المشروع الأفضل للإنسانية .إذن البشرية بحاجة إلى منهج  في الحياة يحدد لها مصالحها الدنيوية وكيفية تجنب المضار والمفاسد وهذا ما يسمى الشريعة التي  أتى بها الأنبياء والرسل من عند الله تعالى . 

5-يجتهد الناس في فعل الخير وفي تجنب الشر ولكنهم يختلفون في معرفتهما  وتقديرهما، وهنا تظهر الحاجة إلى الشريعة التي تبين للناس الخير والشر والحسن والقبيح [ الأوامر والنواهي ]  .  

6-يطلب الناس الجزاء على أعمالهم ويتساءلون عن مصيرهم كيف يكون للمحسن وكيف يكون للظالم وكيف يقتص منه أي كيف تتحقق العدالة ؟وهنا تظهر الحاجة إلى معرفة اليوم الآخر ومافيه من جزاء [الثواب والعقاب ]وأحوال اليوم  الآخر وما يتعلق به من  حقيقة الموت والحياة البرزخية وأشراط الساعة والجنة والنار، و هي من عالم  الغيب الذي لا يمكن أن يعرف إلا عن طريق النبي والرسول .

الخلاصة: دليل المنكرين للنبوة هو اعتمادهم على العقل والرد : هو بيان محدودية العقل وقصوره وخطئه وبيان عجز العقل عن إدراك عالم الغيب . وإذن فالأدلة تثبت الحاجة إلى النبوة  والرسالة .

-الحكمة من بعثة الأنبياء والرسل  :

 لماذا بعث الله الأنبياء والرسل ؟ اقتضت حكمة الله تعالى وعنايته أن يبعث الأنبياء والرسل وينزل عليهم الكتب وذلك لأمور عظيمة ومنها :

 1-أن الله خلق الخلق لعبادته وحده لاشريك له قوله عزوجل :﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ الذريات :56 ولا يستطيع الناس أن يعبدوا ربهم إلا عن طريق الرسل  .

2-أن قيام الدين الله في الأرض لا يتم إلا بواسطة الأنبياء  وماجاؤوا به من أحكام وشرائع تصلح وتنظم حياة الناس لقوله تعالى : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ النحل:36﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ آل عمران: 164

3- إقامة الحجة على البشر لايكون إلا عن طريق الأنبياء والرسل لقوله تعالى : ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا الإسراء : 165وقوله أيضا : ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ﴾  طه: 134

4-أن الناس بحاجة إلى قدوة حسنة تتصف بالكمال البشري ولايكون هذا إلابالرسل والأنبياء الذين اصطفاهم الله واجتنابهم لقوله تعالى : ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا الأحزاب :21 ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ  الممتحنة :6

الاستنتاج :نستنتج أن النبوة والرسالة هي ضرب من الخير والسعادة والكمال ونعمة عظيمة امتن الله بها على عباده .

-طبيعة النبوة : هل النّبوة ممكنة أم مستحيلة؟

 النبوة ممكنة والدليل وقوعها فعلا على مدى تاريخ البشرية  فقد تواترت الأخبار بنبوة إبراهيم وإسحاق ويعقوب و يوسف وموسى وعيسى عليهم السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم ولا أحد ينكر ذلك .

-تعريف النبوة والرسالة

تعريف النبوة : النبوة  في لغة العرب مشتقة من النبأ وهو الخبر، قال تعالى: ﴿ عَمَّ يَتَسَاءلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيم ﴾ النبأ: 1-2.
وإنّما سمّي النبي نبيّاً لأنه مُخْبرٌ مُخْبَر، فهو مُخْبَر، أي: أنَّ الله أخبره، وأوحى إليه :﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ التحريم: 3، وهو مُخْبرٌ عن الله تعالى أمره ووحيه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الحجر: 49 ﴿وَنَبّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ الحجر: 51.
وقيل: النبوة مشتقة من النَّبْوَة، وهي ما ارتفع من الأرض، وتطلق العرب لفظ النبي على علم من أعلام الأرض التي يهتدى بها، والمناسبة بين لفظ النبي والمعنى اللغوي، أنَّ النبي ذو رفعة وقدر عظيم في الدنيا والآخرة، فالأنبياء هم أشرف الخلق، وهم الأعلام التي يهتدي بها الناس فتصلح دنياهم وأخراهم.

تعريف النبوة في الاصطلاح: النبوة هي إعلام الله تعالى من اجتبى من عباده لرفعته والإعلاء من شأنه بالوحي الذي أراده له، أو له و لغيره.(أو بكر جابر الجزائري ،عقيدة المؤمن ،ص269).و معناها وصول خبر من الله بطريق الوحي إلى من اختاره من عباده لتلقي ذلك ، فالكلمة تفسير للعلاقة التي بين النبي والخالق جل جلاله  وهي علاقة الوحي والإنباء .(كبرى اليقينيات الكونية ،ص 183).

تعريف الرسالة:من الإرسال والإرسال في اللغة التوجيه، فإذا بعثت شخصاً في مهمة فهو رسولك، قال تعالى حاكياً قول ملكة سبأ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ النمل: 35 . وقد يريدون بالرسول ذلك الشخص الذي يتابع أخبار الذي بعثه، أخذاً من قول العرب: (جاءت الإبلُ رَسَلاً) أي: متتابعة.

وعلى ذلك فالرُّسل إنّما سمّوا بذلك لأنَّهم وُجّهوا من قبل الله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ﴾ المؤمنون: 44، وهم مبعوثون برسالة معينة مُكلَّفون بحملها وتبليغها ومتابعتها. قال تعالى﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ النحل: 36، وقال تعالى﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ ﴾ المؤمنون: 44؛ أي: بعثناهم يتبع بعضهم بعضًا.

تعريف الرسالة في الاصطلاح:هي تكليف الله أحد عباده بإبلاغ الآخرين بشرع أو حكم معين . فالكلمة هي تفسير للعلاقة التي بين النبي وسائر الناس وهي علاقة البعث والإرسال .(كبرى اليقينيات الكونية،ص 183 ).

-تعريف النبي والرسول :هو ذكر من بني آدم ، أوحى الله تعالى إليه بأمر، فإن أمر بتبليغه إلى الناس فهو نبي

ورسول ،وأن لم يؤمر بتبليغه فهو نبي غير رسول ... وعليه فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا  .(أبو بكرجابر الجزائري ،عقيدة المؤمن ،ص269). هذا قول جمهور أهل العلم وعامة أهل السنَّة ؛ لأن الرسولَ والنبي قد اشتركا في أمر عام هو النبأ، وافترقا في أمر خاص وهي الرسالة.

ويدلّ على الفرق بينهما ما ورد في كتاب الله من عطف النبي على الرسول﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ إِلاّ إِذَا تَمَنّىَ أَلْقَى الشّيْطَانُ فِيَ أُمْنِيّتِهِ ﴾ الحج: 52، ووصف بعض رسله بالنبوة والرسالة مما يدُل على أن الرسالة أمر زائد على النبوة، كقوله في حقِّ موسى عليه السلام: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىَ إِنّهُ كَانَ مُخْلِصاً وَكَانَ رَسُولاً نّبِيّاً ﴾ مريم: 51.

 -شروط النبوة والرسالة :هناك صفاتٌ واجبةٌ أن تكون في الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام  وهي :
الذكورة : الأنبياء والرسل من البشر لقوله تعالى : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾  الكهف :110. وقد اعترض الأقوام على أنبيائهم ورسلهم بأنهم بشر لاستكثارهم أن يكون النبي بشرا كاملا يتصل الله ويتلقى عنه الوحي و يقتدى به ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا ﴾ هود :27 ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾ المؤمنون : 34ولو كان النبي ملكا لتعذر الاقتداء به لاختلاف الجنسين  ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ الأنعام : 9 .وكلّ الأنبياء المذكورين في القرآن والسنّة من الرجال، ولم يُعرف وجود نبيّةٍ من النساء.﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ النحل :43  .

الصدق : وهو قول الحقيقة فيما يبلّغونه عن الله تعالى، وفي جميع أقوالهم العادية؛ ومردّ ذلك إلى أنهم أفضل الخلق وأحسنهم، وأنهم لو كانوا متصفين بالكذب لما صدّقهم الناس؛ فمقصود النبوّة هو الإخبار عن الله، فإن كان المُخبر مطعوناً في صدقه، غير موثوقٍ في كلامه، لصعد الطعن تراتبيّاً إلى ما يخبر به، وإلى الرسالة التي أتى بها، والقيم التي يدعو إليها .

العصمة والصفات الحميدة: وهي أن يكونوا معصومين من الزلل في التبليغ عن الله تعالى من جهة، ومحفوظين من مقارفة الكبائر والمهلكات من جهةٍ ثانية، وذلك بحفظ ظواهرهم وبواطنهم من الأهواء، فهم الأسوة الحسنة للمؤمنين، الملتزمين بالدين وأخلاقه، فعن قتادة  رضي الله عنه  قال :" سألتُ عائشة عن خلق رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فقالت : كان خُلقه القرآن " رواه مسلم .

قال القاضي عياض : " وكان  صلى الله عليه وسلم  مجبولاً على هذه الصفات في أصل خلقته، وأوّل فطرته. لم تحصل له باكتسابٍ ولا رياضةٍ، إلا بجودٍ إلهيٍّ وخصوصيّةٍ ربّانيةٍ، وكذا لسائر الأنبياء." كتاب الشفا المجلد 1، ص72.

التّبليغ : وهو توصيل جميع ما أمرهم الله تعالى بتبليغه إليهم، ويستحيل في حقّهم كتمانُ شيءٌ عن الخلق، حتى لو كان في الوحي ما هو مخالفٌ لعاداتِ القوم، أو ما يجرّ عليه انتقاد الفطر المطموسة، والعقول المنحرفة .

الفطنة : وهي ذكاء العقل وسرعة الإدراك وقوّة البديهة والحجة، فالرّسل أرسلوا ليحاججوا الناس ولإرشادهم إلى الطريق المستقيم، وذلك لا يقع إلا من خلال حواراتٍ ومناظراتٍ لإبطال الباطل وبيان عواره للناس، وإقامة الحجّة على الكفار .

الدرس رقم :08

2- ماهية الوحي: تتمثل أهمية دراسة ظاهرة الوحي في اعتبارها أساس النبوة ؛ فعلاقة الوحي بالنبوة هي علاقة إثبات.

تعريف الوحي في اللغة : الوحي هو الإعلام السريع الخفي . وفي القاموس المحيط: الوحي: الإشارة والكتابة والمكتوب والرسالة، والإلهام والكلام الخفي، وكل ما ألقيته لغيرك . وهو بهذا المعنى لا يختص بالأنبياء، ولا بكونه من عند الله سبحانه.والوحي بمعناه اللغوي يتناول :
1
-الإلهام الفطري للإنسان :كالوحي إلى أم موسى . قال تعالى : ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ القصص : 7 .
2
-الإلهام الغريزي للحيوان : كالوحي إلى النحل .قال تعالى : ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا ﴾النحل : 68 .
3
- الإشارة السريعة على سبيل الرمز والإيحاء : كإيحاء زكريا لقومه. قال تعالى ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ مريم : 11 .
-وسوسة الشيطان وتزيين الشر في نفوس أوليائه  قال تعالى : ﴿ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ﴾الأنعام : 121 .
-ما يلقيه الله تعالى إلى ملائكته من أمر ليفعلوه. قال تعالى : ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾الأنفال : 12 .
-تعريف الوحي في الشرع : يطلق ويراد به المعنى المصدري، ويطلق ويراد به المعنى الحاصل بالمصدر، ويطلق ويراد به: الموحى به. ويعرف من الجهة الأولى: بأنه هو" إعلام الله أنبياءه بما يريد أن يبلغه إليهم من شرع أو كتاب بواسطة أو غير واسطة، فهو أخص من المعنى اللغوي لخصوص مصدره ومورده؛ فقد خص المصدر بالله سبحانه، وخصّ المورد بالأنبياء" . ويعرف من الجهة الثانية: بأنه عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من عند الله، سواء أكان الوحي بواسطة أم بغير واسطة.ويعرف من الجهة الثالثة: بأنه ما أنزله الله على أنبيائه، وعرّفهم به من أنباء الغيب والشرائع والحكم، ومنهم من أعطاه كتابا، ومنهم من لم يعطه.

أقسام الوحي الشرعي وكيفياته: لتلقي الوحي من الله تعالى طرق بينها الله تعالى في سورة الشورى : ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾الشورى : 51 . فأخبر الله تعالى أن تكليمه ووحيه للبشر يقع على ثلاث مراتب : إذ المراد بالوحي في الآية: الإلهام ورؤيا المنام، لمقابلته للقسمين الآخرين: التكليم من وراء حجاب أو بواسطة رسول.
المرتبة الأولى - الإلهام أو القذف في القلب:هو الوحي المجرد ودليله قوله تعالى : ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ الشورى : 51 . ومثال ذلك ما جاء في حديث أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي وابن ماجه في سننه وغيرهم .عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إنَّ روحَ القدُسِ نفثَ في رَوعي أنَّهُ لَن تموتَ نفسٌ حتَّى تستَكمِلَ رزقَها فاتَّقوا اللَّهَ وأجمِلوا في الطَّلَبِ  » .

وألحق بعض أهل العلم بهذا القسم رؤى الأنبياء في المنام كرؤيا إبراهيم عليه السلام على ما أخبر الله عنه في قوله : ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾ الصافات : 102. 
وكرؤى النبي صلى الله عليه وسلم في بداية البعثة على ما روى الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها قالت " أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح" متفق عليه. ورؤية نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه في منامه أنهم سيدخلون البلد الحرام وقد كان.

المرتبة الثانية - التكليم من وراء حجاب بلا واسطة كما ثبت ذلك لبعض الرسل والأنبياء ،كتكليم الله تعالى لموسى على ما أخبر الله به في أكثر من موضع من كتابه . قال تعالى : ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ النساء : 164 . وقال : ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾الأعراف : 143 . وكتكليم الله لآدم . قال تعالى : ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ﴾البقَرة : 37 . وكتكليم الله تعالى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء على ما هو ثابت في السنة . ودليل هذه المرتبة من الآية قوله تعالى : ﴿ أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾الشورى : 51 .
المرتبة الثالثة : الوحي بواسطة الملك . ويعرف بـالوحي الجلي. ودليله قوله تعالى : ﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾  الشورى : 51 . وهذا كنزول جبريل عليه السلام بالوحي من الله على الأنبياء والرسل .
والقرآن كله نزل بهذه الطريقة تكلم الله به ، وسمعه جبريل عليه السلام من الله عز وجل ، وبلغه جبريل لمحمد صلى الله عليه وسلم . قال تعالى : ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ الشعراء : 192- 194 . وقال تعالى : ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ النحل : 102

ولجبريل عليه السلام في تبليغه الوحي لنبينا صلى الله عليه وسلم ثلاثة أحوال :
أ- أن يأتي جبريل في صورته التي خلقه الله عليها، وقد رآه الرسول صلى الله عليه وسلم على صورته التي خلق عليها مرتين :رآه مرة بالأفق من ناحية المشرق وفي ذلك يقول الله تعالى : ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ التكوير : 23 . ورآه مرة ثانية ليلة الإسراء في السماء وهذا ما أخبر الله عنه بقوله : ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ﴾ النجم : 13- 15 .وقد ورد عن السيدة عائشة: أن النبي لم ير جبريل على هذه الحالة إلّا مرتين: مرة في الأرض، وهو نازل من غار حراء ومرة أخرى في السماء، عند سدرة المنتهى ليلة المعراج، رواه أحمد.
ب- أن يأتي جبريل في صورة رجل كدحية الكلبي، أو أعرابي ، ويراه الحاضرون ويسمعون قوله، ولا يعرفون هويته، ولكن النبي يعلم علم اليقين: أنه جبريل، وذلك كما في حديث جبريل الطويل في الصحيحين وحديث أم سلمة، ورؤيتها رجلا على صورة دحية الكلبيّ، فظنته هو، حتى بيّن النبي لها أنه جبريل.
ج- أن يأتي على صورته الملكية، وفي هذه الحالة لا يرى، ولكن يصحب مجيئه صوت كصلصلة الجرس، أو دوي كدوي النحل. وقد دلّ على هاتين الحالتين( ب و ج) حديث سؤال الحارث بن هشام النبي صلى الله عليه وسلم: عن كيفية مجيء الوحي إليه فقال : (( يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس ، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال . وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول .)) ومعنى فصم : أي أقلع وانكشف. وهوفي صحيح البخاري :كتاب بدء الوحي،باب بدء الوحي،ص3.

والوحي بجميع أنواعه يصحبه علم يقيني ضروري من الموحى إليه بأن ما ألقي إليه حق من عند الله ليس من خطرات النفس ولا نزعات الشيطان، وهذا العلم اليقيني لا يحتاج إلى مقدمات، وإنما هو من قبيل إدراك الأمور الوجدانية، كالجوع والعطش والحب والبغض.
الاستنتاج:يتضح من هذه الأنواع أن الوحي طرأ على النبي دون أن يتوقعه أو يتطلع إليه. فالنبوة منحة إلهية، قال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾  مريم: 58 ، وحكى الله قول يعقوب لابنه يوسف: ﴿ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبّكَ﴾  يوسف: 6 ، وقال الله لموسى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾  الأعراف: 144.

الدرس رقم 09
 إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم - موقف المشركين  المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم والمستشرقين من الوحي

شبهات المشركين:

-منهم من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم افترى القرآن من عند نفسه كذبا على الله تعالى : ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ۖ فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ۗ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ الشورى:24. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ۖ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾  الفرقان :04.

-ومنهم من زعم أن القرآن أساطير الأولين: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾  الفرقان: 5. ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ الأنفال: 31﴿ لَقَدْ وُعِدْنَا هَٰذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾النمل : 68

ومنهم من اتهمه بالسحرو الشعر والشعوذة والجنون والكهانة : ﴿ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾  الحجر: 06 ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾  الدخان :14. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ﴾المؤمنون : 25 ﴿فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ الذاريات :39 ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ الشعراء :27. ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ الأنعام :07.

-ومنهم من يقول إنما يعلمه بشر: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ  النحل 103. ﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ الفرقان :05. أكاذيبهم: جمع أسطورة بالضم «اكتتبها» انتسخها «فهي تملى» تقرأ «عليه» ليحفظها. تفسير الجلالين.

شبهات المستشرقين :المستشرقون هم الباحثون المنشغلون بالدراسات الشرقية والإسلامية العربية خاصة .

شبهاتهم تعود في حقيقتها إلى شبهات المشركين المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن صاغوها في ألفاظ جديدة وزادوا عليها شبهات أخرى تعبر عن مذاهبهم وانتماءاتهم، يمكن أن نذكر آراءهم حول الوحي كما يلي :1-الوحي حالة نفسية .2-الوحي حالة مرضية.3-القرآن أساطير الأولين.4-أخذ النبي صلى الله عليه وسلم من اليهودية والنصراية.

الرد على شبهات المشركين :

- التحدي بالقرآن والإعجاز به : ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ البقرة :23. ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ الإسراء :88﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ يونس:38. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ هود :13.

-النبي صلى الله عليه وسلم لا يقرأ ولا يكتب : ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ العنكبوت :48. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾الأعراف :158﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ۙ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ  يونس : 15-16.

 - نفي الأخذ عن اليهود والنصارى : ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ النحل :103.

-نفي الافتراء والكذب: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ ﴾ هود:  35 ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ السجدة: 3 . ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ۖ كَفَىٰ بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۖ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾الأحقاف :8

- نفي السحر والشعر والجنون والكهانة : ﴿ فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ الطور: 29/31. ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ الحاقة :41-42. ﴿ وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ ﴾التكوير : 22وما صاحبكم أيها الناس محمد بمجنون فيتكلم عن جنة، ويهذي هذيان المجانين بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ .تفسير الطبري . ﴿ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ المؤمنون : 70

الرد بالسنة أو من السيرة النبوية :الأسئلة التي طرحها هرقل ملك الروم على أبي سفيان ؛ عن نسبه صلى الله عليه وسلم وعن أتباعه، وعما يدعو إليه، وعن أشياء أخرى [القصة].قال هرقل :" وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فذكرت أن لا. فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله".وعُرف في مجتمعه أنه الصادق الأمين.

-اتفاق صناديد قريش في اجتماعهم ومناقشتهم على الأوصاف التي يتهمونه بها صلى الله عليه وسلم فأنكر الوليد بن المغيرة أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم كذابا.

-حديث عبد الرحمان بن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق.

الرد على شبهات المستشرقين:

- شبهة الوحي النفسي: زعم المنكرون أن الوحي جاء للنبي صلى الله عليه وسلم من داخل نفسه فهو أمر ذاتي من خياله وعقله المتوقد ذكاء؛ ومعنى ذلك أن هناك أفكار مُدَّخرة في عقل النبي الباطني وأنها تظهر في صورة رؤى ثم تقوى فيخيل إليه أنها حقائق خارجية.

الرد : -فهل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عقيدة وشريعة وما تضمنه من قصص وتوجيهات أخلاقية كان  مٌدَّخرا مركوزا في نفسه؟ فالعقل يرفض هذا بداهة.

-اشتمل الوحي على أسرار الكون والأنفس التي لا تخطر على بال بشر وما عرف العلماء تأويلها إلا بعد تقدم العلوم ، فكيف تكون هذه الأسرار والمعارف العلمية من نفسه صلى الله عليه وسلم؟

-أكد الله تعالى أن الوحي من عنده هو سبحانه وتعالى وهذا يدل على أن الوحي أمر خارج عن نفس النبي صلى الله عيه وسلم.قال تعالى : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ  عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ  الشعراء : 192/195.

-لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يطمع في الحصول على النبوة ولا كان يفكر فيها أوينتظرها، إذن فلا كسب للنبي في نبوته فهي نعمة من الله تعالى عليه واصطفاء واجتباء: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ الشورى : 52 ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ الرعد: 38.

شبهة الوحي عبارة عن أمراض نفسية وعقلية:اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مريض بالصرع وأن ما يعتريه أثناء نزول الوحي هو نوبات صرع.

-يثبت الواقع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أصح الناس بدنا وأكملهم عقلا وأقواهم جسما وأشدهم فطنة وأصدقهم قولا وأحكمهم فعلا، وأوصافه التي تدل على ذلك تناولها الرواة الثقاة، وقد بلغ عن قوته صلى الله عليه وسلم أنه صارع رُكانة بن عبد يزيد وكان هذا الرجل مصارعا ماهرا لم يقدر أحد أن يغلبه، فلما عرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام قال له :"صارعني فإن أنت غلبتني آمنت أنك رسول الله". فتصارعا فصرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

-هناك فرق بين نوبات الصرع وبين أعراض الوحي وصوره وأشكاله، فالمريض بالصرع يصاب بآلام حادة في كافة أعضاء جسمه إذا أفاق من نوبته، ولكن الأمربخلاف ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وعرفنا ذلك من خلال أشكال الوحي التي تطرقنا إليها في الدرس، وخلال الوحي وبعده يكون النبي في حالة وعي تام ، فيكون هو الذي يخبر أصحابه بما أوحي إليه.

-وقد رد القرآن هذه الشبهة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ الذاريات 53/54. وقد تحدى النبي صلى الله عليه وسلم المشركين الذين عاصروه وخبروا حاله أن يثبتوا عليه جنونا أواختلال عقل: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ سبأ: 46، وكلمة صاحبكم تؤكد أن حاله صلى الله عليه وسلم معروف عندهم بقوة العقل ورزانته وسداد قوله وفعله.

- شبهة الوحي مقتبس من اليهودية والنصرانية:زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم اقتبس الوحي من تعاليم دينية أُخذت من اليهودية والنصرانية عن طريق  ورقة بن نوفل وبحيرا الراهب النسطوري.

-اللقاء بورقة بن نوفل تم بعد نزول الوحي (الآيات الأولى من سورة العلق)؛ فورقة بن نوفل بشَّر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعلمه.لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي ورقة بن نوفل بعد ذلك وتلقى منه أو تعلم منه؛ ثم إن ورقة مات مباشرة بعد هذه الحادثة.

-أما لقاؤه ببحيرا الراهب فقد كان في صغره مرة واحدة حين سافر مع عمه إلى الشام، ولا يمكن أن يكون تلقى القرآن عنه لأن ما جاء في القرآن يتجاوزه .

-الزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم تلقى من أهل الكتاب زعم باطل؛ فالقرآن الكريم يصف اليهود والنصارى بما هم عليه من فساد في الدين ما ينفي تماما أن يكونوا هم مصدر الوحي . قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ التوبة: 30.

الدرس رقم 10

3- عقيدة ختم النبوة : فإن الله تعالى اختار محمدا صلى الله عليه وسلم للرسالة الأخيرة، والنبوة المنتهية به، فلن يأتي بعده أحد يأتيه جبريل عليه السلام برسالة، أو ينزل عليه كتاب، أو يوحى إليه لشيء يقظة أو مناما، ومن ادعى شيئا من ذلك فقد افترى عليه الكذب، ولن يطالب على دعواه بدليل، بل يعامل معاملة الدجَّالين الأفَّاكين.

 مفهوم الختم في الشرع :ويعني انتهاء ﺇنباء الله الناس، وانقطاع وحي السماء.

ورد ذكر أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء والمرسلين وأنه لا نبي بعده في قوله تعالى: ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ الأحزاب: 40.

ومن دلائل ختم النبوة :

-عموم الرسالة المحمدية للنبي صلي الله عليه وسلم:قال الله تعالي:  ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ الأعراف: 158، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاس بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. ﴾ سبأ 28، وقوله تعالى : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾الأنبياء:107

- إخبار القرآن الكريم بكمال الدين:قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ المائدة 3. وكمل الدين بنبوته التي لا نبوة بعدها.

-تعهد الله سبحانه وتعالى بحفظ القرآن الكريم .قال الله تعالى:﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾  الحجر: 9، ولم يحفظه إلا ليكون حجة على خلقه.فكتابه ناسخ للكتب كلها، وسنته قاضية على السنن كلها، أي إن رسالته مهيمنة على الرسالات، وإن نبوته حجة على النبوات، لا بالعكس، فلن يهتدي الناس بعد بعثته إلا إذا آمنوا به، قال الله تعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ آل عمران 85. وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  الأعراف: 157. وفي الحديث الصحيح(( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار)).

-أمر الله تعالى بالإيمان بالقرآن الكريم والكتب المنزّلة قبله .قال الله تعالى :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ البقرة 4، ولم يأت في القرآن قط ذكر الإيمان بما ينزل بعده.

أحاديث ختم النبوة في السنة المطهرة

-أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال(( إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين)).

- وفي الصحيحين: قال النبي صلى الله عليه وسلم(( فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون)).

-وفي صحيح مسلم: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي)).

- وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي)).

- وفي الصحيحين عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين، فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال(( كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي)).