القصة في النثر المغاربي الحديث (2)

ثانيا :  الجزائر

1-     بدايات القصة في الجزائر:

  كانت نشأة القصّة متأخرة قليلا عن البلاد العربية نتيجة الظروف الاستعمارية، والحياة العامة ثقافيا واجتماعيا، والتي عزلت الجزائر عن باقي البلدان بما فيها تونس والمغرب وليبيا. ولولا جهود بعض المثقفين والعلماء ( جمعية العلماء مثلا) لما تحركت الحركة الأدبية، ونشطت نوعا ما، وقد أدى هذا السياق إلى تأخر ظهور الفنون، والأنماط الأدبية، ومن بينها القصة. 

2-    أسباب تأخر القصة في الظهور:

النماذج القصصية المشرقية لم تكن ناضجة، وبالتالي لم يحتذ  بها كتابنا.

موقف الحركة السلفية بأنّ ( القصة العربية بدعة)

ليست هناك دوافع حقيقية وواضحة للإبداع القصصي.

السياق العام يعتبر القصة خرافة.

مراحل تطور القصة الجزائرية:

3-    المرحلة الأولى : المقال القصصي بادرة فن القص:

كانت البداية مع المقال القصصي، والذي تفوق في مضمونه وهيكله على المقال الأدبي والمقال الإصلاحي أيضا، ولكن البداية الحقيقية للقصة الفنية تجلّت في "الصورة القصصية"، ويعدّ نص "عائشة" أول نص توفر على إطار القص وصوره، بما يحويه من مستويات فنية، وهو ما ذهب إليه الباحث  عبد الله بن حلي بقوله : إنّ النص الذي مسّ إلى حد ما الهيكل القصصي عائشة، الذي ورد ضمن القصص التي جمعها كتاب محمد السعيد الزهراوي.

ويعتقد عبد المالك مرتاض أنّ أوّل نص كتب في القصّة هو "فُرنسوا والرشيد" "لمحمد السعيد الزاهري" المنشور عام 1925 الصادر في جريدة الجزائر ، بينما اعتبرت "عايدة سامية" أديب "محمد العابد الجيلالي" رائد فن القصّة ومن أشهر ما نُشر: الصائد في الفخ، السعادة  البتراء، ظهر أيضا "أحمد بن عاشور" "حجاج في المقهى" عام 1935،  كما أنّ هناك من يرى بأن "أحمد رضا حوحو" هو أبو القصّة المكتوبة بالعربية في الجزائر.

وقد ظهرت المقالة القصصية [مع الصحافة ] بأسلوب جديد: الاقتصاد اللغوي، وتجنب الاستطراد، وكذا تنوع المواضيع (الالتزام بالقضايا الوطنية والاجتماعية)، كتابة توافق روح العصر بخلاف الكتابة الكلاسيكية التقليدية 1949،  وقد كتب "حوحو" مقالا عنوانه: " استنطاق الشخصيات في الأدب القصصي، يحث فيه الأدباء على كتابة القصّة من أجل التنوير الاجتماعي.

 

4-    المرحلة الثانية :  الكتابة، ووهج الثورة ( من نهاية الخمسينات وبداية الستينات ):

 لقد تطورت الحركة الأدبية في الجزائر  لعدّة أسباب:

-         كثرة الكتّاب وإقبالهم على التأليف بعد رجوعهم إلى أرض الوطن.

-         تخرج بعضهم من معاهد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

-         استمرار إرسال  البعثات العلمية في البلاد العربية [ تونس والمغرب ].

-         ازدهار تأسيس النوادي الأدبية والثقافية والصحف اليومية التي تهتم بالإبداع الأدبي خصوصًا. 

لقد شكلت حرب التحرير الكبرى رافدًا هامًا من الروافد التي استمد منها القصاصون أعمالهم ومضامينهم ( الموضوعات ) حيث يقول الكاتب "شريبط أحمد شريبط": « واِلتحقت القصّة بدورها والجيل تعايش الثورة وتكتب عنها، ومن القصاص من تفرغ للثورة وتخصص فيها، ولم يكتب عن أي موضوع سواها مثل: عثمان سعدي، عبد الله الركيبي، فاضل المسعودي، محمد الصالح الصديق» ( كتاب تطور البيئة الفنية في القصة الجزائرية المعاصر، 1947-1985) 

وقد عالج القصّاصون الجزائريون موضوعات عدّة: موضوعات عاطفية، موضوعات اجتماعية، نفسية، أخلاقية، ومن أبرزهم أحمد رضا حوحو  الذي اعتنى بالجانب الفني الجمالي، و آمن بضرورة التمرّد على التقاليد البالية، ودعا في كتاباته إلى تحرير المرأة والتعرض للقضايا السياسية بالانتقاد. 

     ويمكن القول أنّ الحركة الإبداعية ازدهرت بأقلام جديدة مثل أبو القاسم سعد الله، وأبو العيد دودو، وابن هدوقة، وزهور ونيسي، من خلال كتابات واعية فكريا " قصة السعفة الخضراء" لأبي القاسم سعد الله والتي كانت " علامة واضحة أصيلة في مشار القصة الجزائرية القصيرة في انتقالها من الحكاية إلى قالب قصة ناضجة تماما بحدثها وشخصياتها وبنائها على المستوى اللغوي والأسلوبي" . 

1-    المرحلة الثانية :  السبعينتات، وكتابة  الذات المتصوّرة للاستقلال: 

ارتكز الخطاب القصصي في هذه المرحلة على رسم معالم المجتمع الجزائري بعد الاستقلال، وانتقلت القصة من الموضوعات  المادية  المستهلكة إلى المضامين الثورية المنفعلة، والمتفاعلة مع روح الثورة، بالواقع الجديد على حد قول الركيبي،  وكانت القصة  تبحث عن النص النموذج الذي بإمكانه أنّ يتصور المستقبل بعد ثورة مجيدة ملهمه، وتضحيات جسام، لابد لها من كتابة تتحدى وتجابه العراقيل لبناء الإنسان الجزائري الطامح إلى حياة الحرية والنضال الوطني الحقيقي.

     نشر كثير من القصاصين عبر صفحات مجلة "آمال" إبداعاتهم، واشتهرت عربيا، وعدّت نصوصهم تأسيسا حقيقيا لفن القصة الحديثة عندنا، نذكر منهم:  "دخان من قلبي" للطاهر وطار، "بحيرة الزيتون" لأبي العيد دودو، و" الأضواء والفئران" لـ مصطفى فاسي،  و"على الشاطئ الآخر" لزهور ونيسي. واهتمت الصحافة العربية بقصص هؤلاء، ونشرت لهم أعمالهم، رغبة في تقديم قصص بلد المليون شهيد كما علّقت .

   نموذج تطبيقي:

مقال قصصي " الزواج"  لأحمد رضا حوحو:

     جاءني حمار الحكيم مبكرا هذا الصباح على خلاف عادته كل يوم، فتعجبت من ذلك، لأنني أعرفه دقيق المحافظة على النظام و المواقيت.و ما كاد يجلس حتى ابتدرته: خير إن شاء الله، هذه الزيارة المبكرة ؟
قال: جئت أستشيرك في أمر مهم... ما رأيك في الزواج ؟
     قلت: رأيي في الزواج هو رأي برنارد شو فهو كالجمعية السرية؛ الخارج عنها يجهل عنها كل شيء،   والمنخرط فيها لا يستطيع أن يقول عنها شيئا.قال: لم أعن هذا، و إنما أقصد زواجي، ما رأيك في زواجي أنا؟ فقد خطر ببالي أن لا أبقى عازبا ؟ فإن ذلك يجر الشبهات .... ثم لابد من خلف صالح يخلفني !
قلت:هل وقع اختيارك على صاحبة الحسب و النسب ؟
قال: إنك تعرفني أجنبيا في هذه الديار،لا أعرف فيها حمارا ولا أتانا.
قلت: خذ لك أية أتان تعثر عليها و السلام.
قال: لا تنس أني لست كبقية الحمير، فانا أتمتع ببعض الثقافة!
قلت: فاسلك إذن مسلك المثقفين.
قال: ماذا تعني ؟
قلت: أعني أن تتزوج بأتان أجنبية!
قال:ما هذا الهذيان؟ أأصبت في عقلك؟
قلت:أبدا، فإن الشائع في هذه الأيام هو زواج المثقفين بأجنبيات، وأي مانع في أن يتزوج حمارنا المثقف بأتان أجنبية تليق بمقامه المحترم ؟ !
قال:إنك لا تعي ما تقول!
قلت: لماذا؟
قال: أما يكفي هذا الانحلال الاجتماعي و الخلقي الذي جره زواج بعض رجالكم من الأجنبيات حتى أضيف إليه انحلالا آخر في فصيلة الحمير؟
قلت: كيف ذلك ؟
 قال:زواجي من أتان أجنبية تخالفني في الجنس و العادات و التفكير، فيه خطورة كبيرة على أخلاقي و عاداتي و تفكيري.
قلت:يبدو أنك تهول الأمر...و لا تنس أنك أنت الذي ستتزوجها؟ وعليه، فأنت الذي ستفرض عليها عاداتك و أخلاقك وتصبها في قالبك.
     قال: إني لم أر حتى الآن حمارا شرقيا تزوج بأتان غربية، و لكني أعرف كثيرا من الرجال الشرقيين تزوجوا من نساء أجنبيات، و لم أر بينهم من استطاع أن يعرّب زوجته الغربية، و قليلون جدا الذين لم تفرنجهم أزواجهم !
فكرت مليا ثم قلت: و لكن ما هي الأسباب، يا ترى، حتى أعطي رأيي السديد في زواج حمار من أتان ؟ !
      قال: هناك أسباب تتعلق بأخلاق المرأة من حيث هي امرأة: و أسباب خاصة تضاف إلى أخلاق المرأة ألأجنبية.
قلت: إنك ستتورط في فلسفة عميقة !
قال: الأمر بسيط جدا، و إليك بيانه....
قلت: هات.
      قال: إن المرأة مع أنانيتها تشعر بضعف طبيعي غريزي فيها، فهي من الناحية النفسانية ترتــــــــــاح  إلى الرجل القوي الذي يبسط عليها سلطانه العارم، ويتسلط عليها فتستكين إليه، لأنها تشعر بحمايته         ورعايته؛ فهي تريده ضعيفا و تبغض ضعفهن فهي تجد متعة في التغلب عليه؛ لكنها تجد حســـــــــــــرة في استسلامه إليها، لأنه بهذا الاستسلام ينهار في قلبها ذلك الحصن الذي كانت تتمتع بحمايته و ترتاح إلى قوته و جبروته.
قلت: ثم ماذا ؟
       قال: هذه الأسباب العامة، و هي تتعلق بأخلاق المرأة من حيث هي، ويضاف إليها بالنسبة للأجنبية أنها ترى نفسها ابنة حاكم و هو ابن محكوم، سيدة و هو مسود، ترى في زواجها منه تنازلا منها لطبقته، فهي إذن تمن وتتدلل، و ما عليه إلا أن يرضى ويتذللن و إلا حدث الخلاف، و ساد الشقاق، وكان بعد الزواج الطلاق.
قلت: إن كلامك حق، لكني لا أتحمل مسؤوليته.
قال: دعنا من هذا، و لنعد للموضوع !
قلت: نصيحتي لك أن تصرف فكرك عن الزواج، فأنت حمار وديع، وإني أخشى عليك من تسلط الأنثى وسيطرتها عليك فيخسرك المجتمع الذي أخذ يعجب بك و بآرائك السديدة.

 المطلوب :

-        ادرس بنية المقال شكلا ومضمونا.

ملاحظة: يعّد هذا الواجب إجباريا بالنسبة إلى طلبة السنة الأولى الماستر، الأفواج الأربعة ، وترسل الأعمال إلى البريد الالكتروني التالي في مدّة خمسة عشر يوما ابتداء من 14 أفريل 2020: a.lebachi@univ-bouira.dz


ماستر1 ، الأدب العربي الحديث والمعاصر

القصة في النثر المغاربي الحديث    

 أولا:  تونس

1-              بدايات القصة في تونس :

        كتب كثيرون حول أصول القصة في تونس، من بينهم القصاص محمد صالح الجابري، وهي في رأيه تعود إلى القرن التاسع عشر، وفق البدايات العربية في مجال القصة بمفهومها الحديث، وهو رأي يخالفه فيه القاص التونسي جلول عزونة، ويقول أنه تحديد مغالى فيه، لأن أصحابه متأثرون بالطرح الغربي لمفاهيم القصة والرواية؛ ويعلل ذلك بأنّ القصة والرواية كليهما فنّان ضاربان بعمق في التراث الإنساني، ضمن منجزات الرقي الحضاري عموما، وساهمت فيهما الحضارة العربية والإفريقية تحديدا، ويستدل برواية الحمار الذهبي للوكيوس أبوليوس،المترجمة أيضا إلى : "التحولات" أو " المسخ"، وقد تحدّث عن قيمتها محمد البشروش في مقالة طويلة : تاريخ الأدب التونسي قبل الإسلام والتي نشرت بجريدة الزمان في مارس 1936 على حلقات ( ينظر كتاب محمد البشروش : حياته وآثاره، لعبد الحميد سلامة، الدار التونسية للنشر،1978،من ص 251 إلى ص 285)

    وبالعودة إلى الموروث القصص التونسي يصادفنا مؤّلف يحاكي ألف ليلة وليلة، وهو "مائة ليلة وليلة" التي حقّقها ونشرها القاص محمود طرشونة ( ينظر تحقيقه، الدار العربية للكتاب،1979 ، 532ص: ، ودبّج لها بمقدمة في نحو 55صفحة، وهي المرة الأولى التي تنشر فيها مثل هذا النوع من القصص في تونس الشقيقة  بعد أن نشرت باللغة الفرنسية.

وبالعودة إلى تراث "التوانسة" القصصي يمكن حصر عدد من المخطوطات القصصية والحكايات التونسية، وهي عبارة عن مخطوطات ثمينة، فيها من القصص والحكايات والنوادر والأخبار ما يحفز الناقد والباحث على دراستها واستجلاء ملامح عصرها، ودراستها فكريا وفنيا، ومنها نذكر:

  )              حكاية أدبية –          ورقات في العشق والعاشقين –

-       كتاب في أخبار وأشعار العشاق    -  كتاب النوادر والحكايات (

 وهي أجزاء لصفحات من مخطوطات متوفرة في المكتبة الوطنية التونسية ( ينظر: جلول عزونة، في الفن القصصي، دار سحر للنشر، ص19)

 

2-              تطور الفن القصصي في تونس :

         تجاذبت تيّارات أدبية متباينة متزامنة الفن القصصي في تونس منذ نشأته حسب تزامن الأجيال في الفترة الواحدة، إذ الملاحظ أنه " لم يحدث قطيعة تامة مع التراث، وإن كانت أشكاله التقليدية كالمقامة والحكاية  مغيّبة، ومع ذلك فهو لم يتبنّ أشكالا غربية، بل سعى إلى شقّ طريق متفرّدة تكيفها الرواسب الثقافية لا محالة لكنها تقوم أساسا على ما يفرزه الواقع التونسي من قضايا، وما تحتّمه اللحظة الحضارية من بحث متواصل في مستوى الجماعة والأفراد". ( ينظر:  تاريخ الأدب التونسي الحديث والمعاصر، ص 136).

   وهناك تقسيمات كثيرة لتطور الفن القصصي التونسي وفق زوايا متعددة تتحكم فيها طبيعة المراحل، والأشخاص الفاعلون فيها، واستمرارية العطاء الأدبي. وثمّة أسئلة عديدة تطرح: هل يركز الدارس للقصة التونسية على الشكل أم المضمون أم كليهما، وهنا تكمن الصعوبة، لذا تحصي الدراسات تقسيمات عدّة ، من أهمها :

1-    تقسيم  محمد فريد غازي في كتابه : ( le roman et la nouvelle en Tunisie  M.T.E 1970, 126p)  كما يلي:

 جيل ميلاد الأقصوصة في تونس مع زين العابدين السنونسي والتيجاني بن سالم ومحمد عبد الخالق البشروش، ومصطفى خريف، وجماعة السور، وأهم القصاصين حسب رأيه : محمود المسعدي، وعلي الدوعاجي، رغم قيمة ممن كتب بين الحربين : محمد العريبي، وعبد الرزاق كرباكة، وتوفيق بوغدبر، ولكن القاص البشير خرّيف يظل لديه ممثلا لجيل الرواد، ثم  جيل من طورِ الثورة إلى الانتفاضة ويمثله : الطاهر قيقة، والطيب تريكي وصالح القرمادي، لكنه يضع : رشيد الغالي، وحسن نصر، وعثمان بودن ضمن تيار كتّاب الأقصوصة الذي يركز على قدر الإنسان ومكانته في المجتمع التونسي. 

2-تقسيم صالح القرمادي:  في دراسته التي ظهرت في "الحوليات التونسية لسنة 1965 تحت عنوان: القصة في تونس منذ الاستقلال من خلال المجلات التونسية (من ص 75 إلى ص 132) وفي بحثه عن التطور القصصي في تونس استنتج وجود نزعات عدّة بوّبها كالتالي:

نزعة الاضطربات العاطفية أو النزعة الرومنطقية ثم  نزعة الحماسة والتمجيد  وأخيرا النزعة الواقعية الاجتماعية.

     ويبدي القرمادي إعجابه بهذه النزعة الأخيرة التي يعتبرها علامة على النضج، وعلى المستوى الراقي  في النظرة إلى الأشياء.

3-تقسيم محمد الصالح الجابري في كتابه : القصة التونسية، نشأتها وروادها، وقد قسّم الجابري اتجاهات القصة التونسية في هذا الطور حسب الدور الملتزم الذي لعبه :

أولا: قصص الحنين، ثانبا :  الاتجاه الاجتماعي، ثالثا:  الاتجاه السياسي

4-تقسيم عز الدين المدني: يقسم المدني تطور القصة التونسية حسب نظرته إلى الأجيال :

جيل الرواد: التأسيس والاقتباس ويمثله: الصادق الرزقي، ومحمد الحبيب، ومحمد زروق..

الجيل الثاني: جيل التجذير: وفيه يبرز دورعلي الدوعاجي ( أبو القصة التونسية بلا منازع حسب رأيه)، وزين العابدين التونسي، والبشير خرّيف، والمسعدي، وامحمد المرزوقي وقيقة.

الجيل الثالث: جيل المواصلة والمراجعة: وفيه يضع القرمادي والحمزاوي، وحسن نصر، والمنجي الشملي، والفارسي، ويلحّ على دور نادي القصة في بعث الرواية.

5-تقسيم مجموعة من الباحثين في  كتاب " تاريخ الأدب التونسي الحديث والمعاصر:

قدّم هؤلاء الباحثون ثلاثة مستويات من الخطاب القصصي في تونس، حسب ما أوردوه من  الصفحة 118 إلى 136  كما يلي :

أولا: المستوى التقليدي: وهو يتبع خطا سرديا أفقيا، ويدعو إلى أخلاقية موروثة، ولا يقتصر هذا التيار على جيل دون جيل، إذا نجد ضمنه مجموعة من القصاصين المولودين في مطلع القرن العشرين، لكن أغلبهم عاش قبل الاستقلال تكوينا وثقافة، غير أنّ الرابط المشترك بينهم هو انتماؤهم إلى الحساسية العربية والإسلامية، في صورتها الموروثة عن الحركة الإصلاح السفلية في المشرق العربي وامتدادها في المغربي العربي.

       إنّ مفهوم القصة لدى هذا التيار تعني الالتزام بقضية الأخلاق، وتنمية الشعور الديني ،والحس الوطني القريب من روح الذهنية الشعبية؛ ثمّ إن أهم ما يميز كتابتهم هو تمسّكهم بتصوير الواقع، إذ يكاد يكون تسجيليا، وقد استمدوا مواضيعهم من وعي الحركة الوطنية، ومجّدوها، وعدّوها نموذجا يحتذى به؛ خدمة للخط المحافظ المنسجم مع الوعظ والإرشاد، وتبعا لذلك فقد تقيّدت قصصهم بأركان القصة التقليدية من سرد وحوار وتصوير للشخصيات، فكان سردهم أفقيا، و لغة حوارهم تتداخل مع لغة الوصف في صورة غير واضحة.  ويمكن التمثيل لهذا التيار بمجموعة من القصاصين: المرحوم محمد المرزوقي في قصص "أحدايث السمر"، وهي امتداد لما كتب في الخمسينات: بين زوجين، وعرقوب الخير" و" في سبيل الحرية، وما كتبته السيدة ناحية ثامر في "عدالة السماء" ، و" المرأة والحياة  و" التجاعيد" ،  ويحي محمد في " نداء الفجر، و "حوار في الظل" ، و" أحاديث النسيان" ،  ومحمد الخموسي في " درب العودة"و " في الزنزانة" ، وعبد الواحد إبراهيم في ظلال حمراء، و"ظلال أخرى ...وغيرهم من القصاصين الذين انتبهوا إلى القضايا الوطنية والاجتماعية ولأخلاقية في تنوير المجتمع التونسي.          

ثانيا: مستوى التطلّع:  وهو الذي احتفظ ببعض مقومات القصة التقليدية، وطوّر بعضها الآخر، وأقرّ بعض القيم السائدة وتطلّع إلى قيم حديثة، كالحرية، والتغيير، ونقد الواقع، عن طريق الانغماس في الواقع النفسي والاجتماعي بعين واعية ناقدة، هدفها تطوير الفن القصصي، وقد سجلت التجارب القصصية استعمال بعض الرموز، لتبليغ موقف ما، والاستعانة بالعجائبي والخارق في تصوير مشاهدة حيّة من الواقع، والتصرف في نظام الزمن، وتسلسل الأحداث، واختيار الأمكنة، والتعمّق في تحليل الشخصيات، مما أكسب هذا الفن نضجا فنيا، - ولو نسبيا - نافس القصيدة وقتها، ومن أبرز قصاصي هذا المستوى: الطاهر قيقة في" نسور وضفادع"، وحسن نصر في" 52 ليلة."

ثالثا: مستوى التفجير: وهو الذي فكّك عناصر السرد وراجع نظام القيم، وسعى إلى إعادة تركيب النظامين السابقين تركيبا جديدا، ويمثله نادي القصة، الذي سعى إلى ضرورة تفجير الأنظمة، وتضمين النصوص شحنة فكرية ونفسية متميزة، وسميّت حركتهم بأسماء مختلفة كالطليعة والتجريب والجديد.  وقد امتدّت هذه الحركة من نهاية الستينات إلى أواخر السبعينات، وساعدتهم عوامل موضوعية أهمها نشر أعمالهم في مجلات: " قصص"، و "الفكر" ، و" العمل الثقافي"، وأبرز ممثلي هذا الاتجاه: عز الدين المدني في "من حكايات هذا الزمان"، وسمير العيادي في "زمن الزخارف"، و" كذلك يقتلون الأمل" ، وأحمد ممّو في "لعبة مكعبات الزجاج" ، و" زمن الفئران الميكانيكية"، والبشير بن سلامة في" لوحات قصصية".

ملاحظة: للاستزادة يمكن الرجوع إلى المراجع  التالية :

1-     جلول عزونة، في الفن القصصي بتونس (دراسات)، دار سحر للنشر، ط1، د.ت، 264 صفحة.

2-     تاريخ الأدب التونسي الحديث والمعاصر، تأليف مجموعة من الباحثين، المجمع التونسي للعلوم، والآداب والفنون، بيت الحكمة،1993.

3-      محمد الصالح الجابري، القصة التونسية، نشأتها وروادها، مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله، ط2، 1975.

4-      -  Mohamed farid ghazi , le roman et la nouvelle en Tunisie ( M.T.E 1970

5-     Abdelkader belhadj, quelques aspects du roman tunisien( M.T.E 1981)

6-      Anthologie de textes et poème traduits de l'arabe par taoufik baccar et salah garmadi- sindbad, paris 1981


المحاضرة الثانية : ماستر 1، أدب عربي حديث ومعاصر

                  من قضايا النثــر الجزائري الحديث:

الخطابة : الخصائص والوظائف: (2)

      الخطبة في مرحلة ما بعد الأمير عبد القادر :

تراجعت الخطابة وضعفت عن أداء الدور المطلوب فيها، وبسبب ما قام به المستعمر الفرنسي من حصار على اللغة العربية وسادت الأمية والجهل والخرافات، فكانت الخطاب ضعيفة، بعيدة عن واقع المجتمع الجزائري.

غير أنّ هناك من حفظ ماء الخطابة، ولعل أبرز اسم تصدى للاحتلال الفرنسي إصلاحا ومقاومة الشيخ صالح بن مهنا القسنطيني ( 1840- 1910) إذ يعدّ من الأوائل الذين بادروا ووضعوا اللبنات الأولى للنهضة الإصلاحية والدينية في الجزائر، بحكم تكوينه الديني والثقافي والفقهي والأدبي، وقد تلقى تعليمه في الزيتونة والأزهر على يد مشايخ كبار هناك، وقد شغل منصب الإمامة في الجامع الكبير بقسنطينة، ومن خلال كتاب مذكرات شاهد القرن، نجد الأستاذ مالك بن نبي كثير الحديث عنه -وفي عدة مناسبات- عن آثار محمد الصالح بن مهنا القسنطيني في الحياة العامة من قسنطينة، ومقاطعاتها أوائل القرن العشرين. فقد خلف الرجل العشرات من المؤلفات في مناحي الدين وإصلاحه منها: البدر الأسمى في بيان معاني نظم الأسماء الحسنى، كتاب شرح ابن عاشر، السر المصون على الجوهر المكنون، شرح الجزائرية الكبير، الوسط،الصغير... وغير هذه المؤلفات في الفقه والتوحيد والتفسير والردود على أهل الشبه ( ينظر: الشيخ صالح بن مهنا القسنطيني ( 1840-  1919) مجلة الإرشاد، العدد 4،أفريل 2015)

 كما ذكره العالم الجزائري الفذ مالك بن نبي في كتابه “شروط النهضة” قائلا : “وإنه لمن الواجب أن ننوّه ببعض ما كان من أمر مناجاة الشيخ صالح ابن مهنّة الضميرية الفردية – إن صحّ التعبير– فإن صوت مناجاته كاد يوقظ أهل قسنطينة كلها حوالي 1898. والحق أن هذا الشيخ الوقور كان في طليعة المصلحين، إذ أنه قام قومة مباركة ضد الخرافيين (الدراويش)، غير أن الحكومة – الفرنسية- الساهرة على الهدوء، كيلا يستيقظ النائمون، عملت على إبعاده، وعاقبته بمصادرة مكتبته الثمينة، وفرَّقت أمثاله من (مقلقي النوم العام) في نظر الاستعمار، فحوَّلت الشيخ (عبد القادر المجاوي) من منصبه بمدرسة قنسطينة، إلى مدرسة العاصمة…”. (مالك ابن نبي: شروط النهضة، ط2. 1961. ص 25

وقد امتاز أسلوبه في الخطابة باستخدام الحجج الدامغة استشهادا بالقرآن والشعر والأمثال العربية، والعناية بالعبارة الرصينة، والسجع الموسيقي الرنان، ودعا إلى العقيدة الصحيحة، والعلم والفكر النير المستقيم.

من خطبه قوله : يا معشر الشباب كم زرع جاح قبل الأوان، وكم من غصن صار حطبا إلى النيران، وكم من شباب أدرج في الأكفان فكأنه ما كان، فلا يغرنك الشباب،فإن مصيره إلى التراب، فبادروا بالتوبة قبل غلق الباب وسدل الحجاب، عسى أن تدخلوا في قول سيد ولد عدنان، وشاب نشأ عبادة الله، في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل للإنسان إلا ظل الملك الدّيان.

وبالرغم من هذا الاستثناء الذي يمثله الشيخ صالح، فإنّ الخطابة ظلّت راكدة، ذات إنشائية فضفاضة، قريبة من النثر العادي، بحيث لا تهز السامعين، ولا تؤثر فيهم طيلة هذه المرحلة تقريبا.

الخطبة في عهد جمعية علماء المسلمين :

اِلتفَّ حول هذه الجمعية أدباء وخطباء مصلحون ، فكانت لدينا خطابة ذات أسلوب متين، ولغة مستمدة من القرآن والأحاديث ( بن باديس، البشير الإبراهيمي) ؛ هدفها الدعوة إلى فكر مستنير، يستمد أصالته من الفكر السلفي، وتاريخ الأمة، و يعتمد العربية الفصيحة .

وقد ظهر خطباء آخرون ( خطباء حزب الشعب ) وكانالتركيز فيها على الناحية السياسية الوطنية، ومهاجمة الاستعمار بجرأة لا مثيل لها، مع ملاحظة أنّ أغلب آثارهم ولم تدوّن ، وذهبت أدراج الرياح. 

أهم مميزات الخطابة في هذه المرحلة:

-      عودة الأغراض ( الموضوعات ) الدينية، الإصلاحية، الاجتماعية، السياسية ( نموذجا  البشير الإبراهيمي وبن باديس على سبيل التمثيل ).

-      التركيز على المقومات ( الإسلام، و العربية، الجزائر) لأنّ الاستعمار كان يهدف للقضاء عليها.

-      الجدّة في الطرح ( الهدف هو التغيير )،  واستنهاض الهمم وشحذ العزائم ، وبث الأفكار الإصلاحية.

- تحررّت الخطابة من الزّخرف اللفظي ومالت إلى الوضوح والبيان العربي الأصيل من جهة أخرى، وأعادت بذلك للأسلوب العربي مكانته في الأدب الجزائري ( ينظر: عبد الله الركيبي ، تطور النثر الجزائري، ص 33).

من خطب الجمعية:

الأولى : للشيخ عبد الحميد بن باديس بعنوان: ما جمعته يد الله لا تفرقه يد الشيطان يقول فيها:  

         إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضع عشرة قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدة والرخاء، وتؤلف بينهم في العسر واليسر، وتوحّدهم في السراء والضراء، حتى كونت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصراً مسلما جزائرياً، أمه الجزائر وأبوه الإسلام.

       وقد كتب أبناء يعرب وأبناء مازيغ آيات اتحادهم على صفحات هذه القرون بما أراقوا من دمائهم في ميادين الشرف لإعلاء كلمة الله، وما أسالوا من محابرهم في مجالس الدرس لخدمة العلم.

        فأي قوة بعد هذا يقول عاقل تستطيع أن تفرقهم؟ لولا الظنون الكواذب والأماني الخوادع يا عجبا! لم يفترقوا وهم الأقوياء، فكيف يفترقون وغيرهم القوي كلا والله، بل لا تزيد كل محاولة للتفريق بينهم إلا شدة في اتحادهم وقوة لرابطتهم (ذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم) والإسلام له حارس، والله عليه وكيل.

       نعم إننا نتحد لننفع أنفسنا، وننفع إذا استطعنا غيرنا، ومعاذ الله والإسلام أن نتحد على أحد، أو نتفق على باطل، أو نتعاون على إثم أو عدوان.

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ))  "المائدة 08"

( نشرت هذه الكلمة عينها في البصائر السنة الأولى العدد 3 ص 2، ع 2، 3. بتاريخ الجمعة 22 شوال 1354ه – 17 جانفي 1936م.  آثار  عبد الحميد بن باديس 03/ 484).

الثانية: للشيخ البشير الإبراهيمي، بعنوان: رمونا بالوهن، يقول فيها: إن القوم درسونا وفهمونا وتيقنوا أننا لن نفتي مادمنا متمسكين بالعرى القوية من الدين واللغة والشرف، فرمونا بالوهن في مقوماتنا وبدأوا بالدين فسخروا علماءه ووجدوا ثغرا قديمة فينا من الضلالات فوسعوها وأدخلوا على الدين ما ليس منه وشجعوا القديم والمحدثات بواسطة وبوسائط أعانهم على ذلك الانحطاط العام الذي ابتليت به العلوم الإسلامية من المائة الثامنة إلى الآن ثم عمدوا إلى الكبراء فأغروهم بالمال والألقاب والرتب، وأغروا بينهم بالعداوة والبغضاء، ثم عمدوا إلى الشباب فرموه بهذه التهاويل من الحضارة الغربية وبهذه التعاليم التي تقضي على العقل والفكر وتحرف المسلم عن قبلته، وتحول الشرقي على الغرب وان من خصائص هذه الحضارة ان فيها كل معاني السحر، وأساليب الجذب فأصبح أبناؤنا يهرعون إلى معاهد العلم فيرجعون إلينا ومعهم العلم وأشياء أخرى.. وليس منها الإسلام ولا الشرقية ومعهم أسماؤهم وليس معهم عقولهم ولا أفكارهم، وأن هذه هي المصيبة الكبرى التي لا نبعد أن سميناها مسخا، وليتها مسخ للفرد، ولكنها مسخ للأمم، ومسخ لمقوماتها. ( آثار البشير الإبراهيمي، ج2، ص 70).

أهم خصائص الخطبة عند الإبراهيمي :

1-    الارتجال والحماسة

2-   الخروج عن المألوف

3-   الاقتباس من القرآن والحديث والشعر العربي.

4-    الإطناب والتكرار

5-   حدّة الخطاب والميل إلى السخرية.

6-    الاستعانة بأسلوب المقارنة .

 


المحاضرة الثانية : ماستر 1، أدب عربي حديث ومعاصر

                  من قضايا النثــر الجزائري الحديث:

الخطابة : الخصائص والوظائف: (2)

      الخطبة في مرحلة ما بعد الأمير عبد القادر :

تراجعت الخطابة وضعفت عن أداء الدور المطلوب فيها، وبسبب ما قام به المستعمر الفرنسي من حصار على اللغة العربية وسادت الأمية والجهل والخرافات، فكانت الخطاب ضعيفة، بعيدة عن واقع المجتمع الجزائري.

غير أنّ هناك من حفظ ماء الخطابة، ولعل أبرز اسم تصدى للاحتلال الفرنسي إصلاحا ومقاومة الشيخ صالح بن مهنا القسنطيني ( 1840- 1910) إذ يعدّ من الأوائل الذين بادروا ووضعوا اللبنات الأولى للنهضة الإصلاحية والدينية في الجزائر، بحكم تكوينه الديني والثقافي والفقهي والأدبي، وقد تلقى تعليمه في الزيتونة والأزهر على يد مشايخ كبار هناك، وقد شغل منصب الإمامة في الجامع الكبير بقسنطينة، ومن خلال كتاب مذكرات شاهد القرن، نجد الأستاذ مالك بن نبي كثير الحديث عنه -وفي عدة مناسبات- عن آثار محمد الصالح بن مهنا القسنطيني في الحياة العامة من قسنطينة، ومقاطعاتها أوائل القرن العشرين. فقد خلف الرجل العشرات من المؤلفات في مناحي الدين وإصلاحه منها: البدر الأسمى في بيان معاني نظم الأسماء الحسنى، كتاب شرح ابن عاشر، السر المصون على الجوهر المكنون، شرح الجزائرية الكبير، الوسط،الصغير... وغير هذه المؤلفات في الفقه والتوحيد والتفسير والردود على أهل الشبه ( ينظر: الشيخ صالح بن مهنا القسنطيني ( 1840-  1919) مجلة الإرشاد، العدد 4،أفريل 2015)

 كما ذكره العالم الجزائري الفذ مالك بن نبي في كتابه “شروط النهضة” قائلا : “وإنه لمن الواجب أن ننوّه ببعض ما كان من أمر مناجاة الشيخ صالح ابن مهنّة الضميرية الفردية – إن صحّ التعبير– فإن صوت مناجاته كاد يوقظ أهل قسنطينة كلها حوالي 1898. والحق أن هذا الشيخ الوقور كان في طليعة المصلحين، إذ أنه قام قومة مباركة ضد الخرافيين (الدراويش)، غير أن الحكومة – الفرنسية- الساهرة على الهدوء، كيلا يستيقظ النائمون، عملت على إبعاده، وعاقبته بمصادرة مكتبته الثمينة، وفرَّقت أمثاله من (مقلقي النوم العام) في نظر الاستعمار، فحوَّلت الشيخ (عبد القادر المجاوي) من منصبه بمدرسة قنسطينة، إلى مدرسة العاصمة…”. (مالك ابن نبي: شروط النهضة، ط2. 1961. ص 25

وقد امتاز أسلوبه في الخطابة باستخدام الحجج الدامغة استشهادا بالقرآن والشعر والأمثال العربية، والعناية بالعبارة الرصينة، والسجع الموسيقي الرنان، ودعا إلى العقيدة الصحيحة، والعلم والفكر النير المستقيم.

من خطبه قوله : يا معشر الشباب كم زرع جاح قبل الأوان، وكم من غصن صار حطبا إلى النيران، وكم من شباب أدرج في الأكفان فكأنه ما كان، فلا يغرنك الشباب،فإن مصيره إلى التراب، فبادروا بالتوبة قبل غلق الباب وسدل الحجاب، عسى أن تدخلوا في قول سيد ولد عدنان، وشاب نشأ عبادة الله، في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل للإنسان إلا ظل الملك الدّيان.

وبالرغم من هذا الاستثناء الذي يمثله الشيخ صالح، فإنّ الخطابة ظلّت راكدة، ذات إنشائية فضفاضة، قريبة من النثر العادي، بحيث لا تهز السامعين، ولا تؤثر فيهم طيلة هذه المرحلة تقريبا.

الخطبة في عهد جمعية علماء المسلمين :

اِلتفَّ حول هذه الجمعية أدباء وخطباء مصلحون ، فكانت لدينا خطابة ذات أسلوب متين، ولغة مستمدة من القرآن والأحاديث ( بن باديس، البشير الإبراهيمي) ؛ هدفها الدعوة إلى فكر مستنير، يستمد أصالته من الفكر السلفي، وتاريخ الأمة، و يعتمد العربية الفصيحة .

وقد ظهر خطباء آخرون ( خطباء حزب الشعب ) وكانالتركيز فيها على الناحية السياسية الوطنية، ومهاجمة الاستعمار بجرأة لا مثيل لها، مع ملاحظة أنّ أغلب آثارهم ولم تدوّن ، وذهبت أدراج الرياح. 

أهم مميزات الخطابة في هذه المرحلة:

-      عودة الأغراض ( الموضوعات ) الدينية، الإصلاحية، الاجتماعية، السياسية ( نموذجا  البشير الإبراهيمي وبن باديس على سبيل التمثيل ).

-      التركيز على المقومات ( الإسلام، و العربية، الجزائر) لأنّ الاستعمار كان يهدف للقضاء عليها.

-      الجدّة في الطرح ( الهدف هو التغيير )،  واستنهاض الهمم وشحذ العزائم ، وبث الأفكار الإصلاحية.

- تحررّت الخطابة من الزّخرف اللفظي ومالت إلى الوضوح والبيان العربي الأصيل من جهة أخرى، وأعادت بذلك للأسلوب العربي مكانته في الأدب الجزائري ( ينظر: عبد الله الركيبي ، تطور النثر الجزائري، ص 33).

من خطب الجمعية:

الأولى : للشيخ عبد الحميد بن باديس بعنوان: ما جمعته يد الله لا تفرقه يد الشيطان يقول فيها:  

         إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضع عشرة قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدة والرخاء، وتؤلف بينهم في العسر واليسر، وتوحّدهم في السراء والضراء، حتى كونت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصراً مسلما جزائرياً، أمه الجزائر وأبوه الإسلام.

       وقد كتب أبناء يعرب وأبناء مازيغ آيات اتحادهم على صفحات هذه القرون بما أراقوا من دمائهم في ميادين الشرف لإعلاء كلمة الله، وما أسالوا من محابرهم في مجالس الدرس لخدمة العلم.

        فأي قوة بعد هذا يقول عاقل تستطيع أن تفرقهم؟ لولا الظنون الكواذب والأماني الخوادع يا عجبا! لم يفترقوا وهم الأقوياء، فكيف يفترقون وغيرهم القوي كلا والله، بل لا تزيد كل محاولة للتفريق بينهم إلا شدة في اتحادهم وقوة لرابطتهم (ذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم) والإسلام له حارس، والله عليه وكيل.

       نعم إننا نتحد لننفع أنفسنا، وننفع إذا استطعنا غيرنا، ومعاذ الله والإسلام أن نتحد على أحد، أو نتفق على باطل، أو نتعاون على إثم أو عدوان.

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ))  "المائدة 08"

( نشرت هذه الكلمة عينها في البصائر السنة الأولى العدد 3 ص 2، ع 2، 3. بتاريخ الجمعة 22 شوال 1354ه – 17 جانفي 1936م.  آثار  عبد الحميد بن باديس 03/ 484).

الثانية: للشيخ البشير الإبراهيمي، بعنوان: رمونا بالوهن، يقول فيها: إن القوم درسونا وفهمونا وتيقنوا أننا لن نفتي مادمنا متمسكين بالعرى القوية من الدين واللغة والشرف، فرمونا بالوهن في مقوماتنا وبدأوا بالدين فسخروا علماءه ووجدوا ثغرا قديمة فينا من الضلالات فوسعوها وأدخلوا على الدين ما ليس منه وشجعوا القديم والمحدثات بواسطة وبوسائط أعانهم على ذلك الانحطاط العام الذي ابتليت به العلوم الإسلامية من المائة الثامنة إلى الآن ثم عمدوا إلى الكبراء فأغروهم بالمال والألقاب والرتب، وأغروا بينهم بالعداوة والبغضاء، ثم عمدوا إلى الشباب فرموه بهذه التهاويل من الحضارة الغربية وبهذه التعاليم التي تقضي على العقل والفكر وتحرف المسلم عن قبلته، وتحول الشرقي على الغرب وان من خصائص هذه الحضارة ان فيها كل معاني السحر، وأساليب الجذب فأصبح أبناؤنا يهرعون إلى معاهد العلم فيرجعون إلينا ومعهم العلم وأشياء أخرى.. وليس منها الإسلام ولا الشرقية ومعهم أسماؤهم وليس معهم عقولهم ولا أفكارهم، وأن هذه هي المصيبة الكبرى التي لا نبعد أن سميناها مسخا، وليتها مسخ للفرد، ولكنها مسخ للأمم، ومسخ لمقوماتها. ( آثار البشير الإبراهيمي، ج2، ص 70).

أهم خصائص الخطبة عند الإبراهيمي :

1-    الارتجال والحماسة

2-   الخروج عن المألوف

3-   الاقتباس من القرآن والحديث والشعر العربي.

4-    الإطناب والتكرار

5-   حدّة الخطاب والميل إلى السخرية.

6-    الاستعانة بأسلوب المقارنة .

 


المحاضرة الثانية : ماستر 1، أدب عربي حديث ومعاصر

من قضايا النثــر الجزائري الحديث:

  الخطابة : الخصائص والوظائف: (1)

تعريف الخطبة:

 يمكن تعريف الخطبة على أنها فــن مشافهة الجمهور وإقناعه واستمالته، وهي بالأساس فن أدبي هدفه التوجيه والتمويل والاستمالة؛ إذا ما بحثنا عن الأهداف التي قيلت من أجلها الخطابة، وفي المحصلة العامة تعدّ الخطابة فنا من فنون النثر الأدبي، يختص بكلام يُلقى إلقاء أمام جمهور مستمع، يهدف إلى توضيح أمر أو قضية هما مثار جدل، لإفهام هذا الجمهور وتوجيهه واستمالته بإثارة عواطفه، لاتخاذ موقف ما، هو الموقف الذي يرمي إليه الخطيب.

مسار الخطابة في الجزائر:

عرفت الخطابة في الجزائر مسارات مختلفة انتقلت عبرها من الوعظ والتوجيه تماشيا مع الوازع الديني، والمنظومة الاجتماعية إلى النضج والتألق الفني عن طريق القول المحكم، المبني على البيان العربي الجزل، واللغة المتينة ذات العبارة الجميلة.

1-              الخطبة في العهد العهد التركي :

انحصرت الخطبة في الجامع نتيجة انتشار التّصوف الخرافي، والانحطاط الثقافي، وكان غرضها ديني بالأساس، وقد تميّزت بنزعة تقليدية صرفة، لا تجديد فيها، وغلب عليها الميل إلى الركاكة، وبروز التكلّف، والمباشرة في القول، وكثرة الاستطراد بلا انسجام واضح بين عباراتها، وتراكيبها، وقد استمرت كذلك غداة الاحتلال الفرنسي للجزائر. 

2-              الخطبة في مرحلة الأمير عبد القادر الجزائري:

حمل الأمير وبعض المثقفين الجزائريين على عاتقهم الاهتمام بالخطبة؛ لما فيها من ملكة وناصية القول، وأدركوا خطرها على الأعداء؛ خاصة وأنّ فترة الاحتلال كانت مساعدة على الاهتمام وبروز هذا النوع من النثر الأدبي، إذ تحرر الخطباء من التقليد الجامد، وأبدعوا خطبا محكمة، ذات صياغة فنية وجودة عالية ، وأصبحت الخطبة فنًا هدفه الإبانة والإفصاح عن الرأي (مثل خطبة علي أبي طالب عم الأمير أمام مجلس عام من العلماء وأعيان الدولة يحدثهم عن حال البلاد بعد الاحتلال مرتكزا على تثوير النفوس عاطفيا، قصد إقناعهم والتأثير فيهم، ومها قوله : وﻗﺪ ﻋﻠﻤﺘﻢ أيها اﻟﺴﺎدة أﻳﻬﺎ - أﻧﻪ ﻟﻤﺎ تكاثرت اﻟﻤﻈﺎﻟﻢ، وتواﻃﺄ اﻟﻌﻤﺎل، وﻣﻦ واﻓﻘﻬﻢ ﻋﻠﻰ ارتكاب المآتم، اﻧﺘﻘﻢ اﻟﺮب تعالى ﻣﻨﻬﻢ، وﻋﻤﻨﺎ ذﻟﻚ ﻣﻌﻬﻢ ﻗﺎل تعاﻟﻰ : (( واتقوا ﻓﺘﻨﺔ ﻻ تصيبن اﻟﺬﻳﻦ ﻇﻠﻤﻮا منكم خاصة)) ﻓﺴﻠﻂ ﷲ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﻋﺪو دﻳﻨﻨﺎ، ﻓﺘﻜﺎﻟﺐ ﻋﻠﻰ بلادنا، واﺳﺘﻮﻟﻰ ﻋﻠﻰ ﻣﺮاﺳﻴﻨﺎ، واﺳﺘﺒﺪل ﻣﺴﺎجدﻧﺎ ﻓﻴﻬﺎ باﻟﻜﻨﺎﺋﺲ، وأخلاها ﻣﻦ اﻟﻤﺪرس واﻟﺪارس، ﻓﺨﺮج ﻟﺬﻟﻚ أهل  قطرنا، وﺿﺎﻗﺖ بهم أرض مغربنا، واﺳﺘﺒﺪﻟﻮا اﻟﻘﺼﻮر اﻟﻤﺸﻴﺪة بخيام اﻟﺸﻌﺮ وﻣﻀﺎرب اﻟوبر، وتفرقوا أوزاعا في المواطن، وتباﻳﻨﻮا ﻓﻲ اﻟﻤﻮارد واﻟﻤﻌﺎﻃﻦ، وتغيرت الأحوال واشتبه الممكن بالمحال، وتوالى الحل بالارتحال، وﺿﻌﻒ اﻟرجاء ﻓﻲ أن ﻳﺜﻮب اﻟﻤﺴﺎﻓﺮ، وﻳﻌﻮد اﻟﺸﺎرد اﻟﻨﺎﻓﺮ إﻟﻰ أن ﻃﺎﻟﺖ اﻟﻘﺼﺔ وﻋﺰ ﻣﺎ ﻧﺪﻓﻊ به هذه اﻟﻐﺼﺔ، وﻣﺎﻟﺖ شمس اﻻتفاق إﻟﻰ اﻷﻓﻮل، وتهيأ جند اﻟﺘﻨﺎﺻر والتعاضد للرواح والقفول ... ).

 نستشف من هذه الخطبة أنّ عم الأمير عبد القادر قد أجاد السبك، ولخص واقع البلاد والعباد بجملة قصيرة، مؤدية المعنى، ومؤثرة التبليغ، بعيدا عن الإطناب والتكلف والتقعر اللغوي، في عبارة متينة، وأسلوب واضح، ما يجعل متلقيها يستمع إليها، ويستمتع بها، ثم يحفظها..

 أمّا الأمير عبد القادر فقد كانت خطبه حاسمة، ذات حسّ بلاغي عامر بالعواطف تجاه الجيش والرعية، ويذكر أنه في إحدى خطبه التي عنيت  بالفتن الداخلية حين أرسل إليه (موسى بن حسن)  كتابا يدعوه إلى الجهاد فيه، أجابه أن هذا الأمر غير ممكن الآن لما وقع من معاهدة بينه وبين الفرنسيين، وأنه مبايع من أهل الوطن . فلما بلغه الرد لم يقتنع بذلك وعزم العقد على قتاله فتهيأ الأمير للقائه، وخطب في عسكره قائلا : ((أما بعد؛ فاعلموا أن الحق تعالى : قلدني هذا الأمر للمدافعة والذب عن الدين والوطن، وقد بلغكم خبر هذا الرجل .فإن تركته وشأنه أخاف على الوطن  أن تغتاله غوائل الفرنسيين على حين غفلة، وينشأ عن ذلك المفاسد ما يعسر علينا إصلاحه)). 

         وله خطب أخرى تجاه الأعداء خصوصا حين نكثوا عهدهم، يدعو فيها جنده إلى النهوض والجهاد في سبيل نصرة الله والوطن يقول : ((أما بعد؛ فلا يخفى أن اﷲ تعالى قال في كتابه المجيد : (( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ))* وقال : ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله ﷲ )).وهؤلاء القوم قد عاهدناهم فنكثوا، وصدقناهم فغدروا، وصابرناهم فلم يصبروا، وإن تركناهم وشأنهم فلا نلبث أن نراهم قد فتكوا بنا على حين غفلة . وها هم قد خدعوا الدوائر والزمالة وغيرهم من ضعفاء الدين وحازوهم إليهم . فما الذي يمنعنا من دفاعهم ومقاومتهم؟. ونحن موعودون بالنصر على أعدائنا فهيا بنا أيها المسلمون إلى الجهاد، وهلموا إليه باجتهاد، وارفعوا عن عواتقكم برود الكسل، وأزيلوا من قلوبكم دواعي الخوف والوجل.أما علمتم أن من مات منكم مات شهيدا، ومن بقي نال الفخار وعاش سعيدا))

    وعليه نخلص إلى أنّ الخطبة في عهد الأمير تميّزت  بـــــــــ:

-       من خلال هذه النماذج من الخطب، حافظت اللغة العربية على جمالها وأبنيتها الأصيلة، وظلت وفية لتقاليد القول النثري، و وأنماط الإقناع بأسلوب جزل، قوي العبارة، وهادف الغاية.

-      ابتعدت الخطبة عن الركاكة والغموض، وامتازت بالنسج اللغوي البسيط، بلا تكلف والصنعة.

-      أغلب ألفاظها ومعانيها مقتبسة من القرآن والحديث، وتدّل على ثقافة وتكوين قائليها.

-      عبّرت عن حال المجتمع وواقعه، وحياته في تلك الفترة الحساسة من تاريخنا، الأمر الذي يجعلها سجلا تاريخيا حافلا يساعد المؤرخين في كتابة تاريخنا الجزائري الحديث.


v   قضايا النثر الجزائري :
-      الخطابة: الخصائص والوظائف.
-      المقال وأنواعه.
-      القصة القصيرة: النشأة والتطور الفنّي.
-      أدب الرّحلة.
-      المسرح الجزائري وتطوره. 
v   قضايا النثر التونسي:
-      المقال.
-      أدب الرّحلة.
-      القصّة.
v   قضايا النثر المغربي:
-       القصة القصيرة : المصطلح والخصائص.
-       المقال وأنواعه: دور المجلات في انتشار المقال.
-       أدب الرّحلة.
 


الحكاية الخرافية ج3

الفرق بين العالم الواقعي و عالم الحكاية الخرافية 

العالم المجهول بالنسبة لحياتنا الواقعية ينفصل عن عالمنا الزمني ، و ليس معنى هذا أن هذا العالم المجهول لا أثر له في حياتنا ، بل إنه على العكس مهم فيها و في سلوكنا النفسي كما انه ليس بعيدا عنا . فهو يؤثر في حياتنا اليومية ، و الاتصال به يولّد في الإنسان تأملا من نوع خاص. إنه يجذبنا إليه و لكنه يردنا عنه مرة أخرى .. أي أن الإنسان يشعر و لا شك بعلاقة قهرية بينه و بين هذا العالم ، فهو يثير خوفنا منه و شوقنا إليه في الوقت نفسه.

أما الحكاية الخرافية فالعالم المجهول فيها يتمثّل فيها بطريقة أخرى . إنها تعرّف الجن و الغيلان و النساء الساحرات و المردة ، كما تعرف الموتى في العالم السفلي و تعرف الحيوانات و الطيور الغريبة . و لكن أبطال الحكايات الخرافية يختلطون بهذه الأشكال  كما لو كانت مثيلتهم ، فهم يقومون بواجبهم -رغم مقابلتها- في هدوء و ثقة ، كما انهم يتقبلون المساعدة منها أو يحاربونها ثم يستأنفون سيرهم . 

فالبطل في الحكاية الخرافية تنقصه تجربة البعد بينه و بين العالم المجهول ، كما انه لا يقابل شخوص هذا العالم مقابلة المتعجب ، و إنما يقابلها مقابلة المساوم في سبيل الوصول إلى مأربه . غنه لا يمتلك الأساس النفسي الذي يدفعه إلى إبداء العجب من كل ما هو نادر و غريب ، كما انه لا يقوم بمغامرته مدفوعا بالرغبة في الوصول إلى ما يجهله ، و إنما يصعد جبالا و يخوض بحارا لكي يصل غلى اميرة تسكن هناك ، و هو يود تخليصها من سحرها ، او يقوم بهذه المغامرات لأنه مكلف بمهمة يتحتم عليه القيام بها بنجاح .

أما إنسان حياتنا الواقعية فهو غنسان واقعي يعيش حياة واقعية . و لا ينقصه في الوقت نفسه الإحساس بكل ما هو مجهول ، و لكنه غذا قام بمغامرة في عالم مجهول ، فإن المعرفة وحدها هي التي تدفعه لخوض هذه المغامرات ، و هو ما يلبث أن يرتد إلى عالمه الواقعي مدركا أنه إنما ينتمي إلى هذا العالم المعلوم ، و إن شعر بأن كان ماهو مجهول له سيطرة كبيرة عليه . أي ان عالم الحكاية الخرافية ذو بعد واحد ، في حين ان عالمنا ذو بعدين .

كذلك تميل شخوص الحكاية الخرافية إلى التسطيح ، في حين أن شخوص عالمنا الواقعي تنزع إلى العمق الواقعي . فشخوص الحكاية الخرافية أشكال بدون أجساد ، و كأنهم يعيشون بلا واقع داخلي و بلا عالم يحيط بهم .و إذا حكت الحكاية الخرافية أن البطل جلس يبكي ، فهي لا تفعل هذا لكي تنقل إلينا حالة نفسية ، و إنما تتخذ من ذلك وسيلة للاستمرار في السرد و إدراك الهدف ، فإن ما يفعل البطل ذلك حتى تظهر له الكائنات المساعدة ، فتأخذ بيده لكي توصله إلى هدفه . و البطل لا يمتلك نتيجة لهذا الأسلوب التسطيحي طاقة و ذكان ، و إنما يمتلك الموهبة المقدرة له من قبل . و من خواص هذه الموهبة أنها مؤقتة و ليست دائمة . فهي تظهر في فترة الأزمات التي يمر بها البطل ثم تختفي بعد ذلك .

و يندرج تحت هذا الأسلوب التسطيحي في الحكاية الخرافية اختفاء الأبعاد الزمنية ، فهي لا تصور  أناس يعيشون في الزمن ، بمعنى انهم يهرمون و يعيشون الماضي و المستقبل . فالأميرة تنام مائة عام ثم تصحو و هي ماتزال شابة جميلة ، و كأنها لم تكبر يوما واحدا .

ثم غن عالم الحكاية الخرافية عالم تجريدي على العكس من عالمنا الحسي ، و من خواص الأسلوب التجريدي أن الحكاية الخرافية لا تعرف سوى النهايات : غني و فقير ، سيء الحظ و حسن الحظ ، شاب و مسن ...

و بالمثل يتدرج الأسلوب الانعزالي تحت النزعة إلى التجريد ، فالبطل منعزل عن الزمان و المكان ، و عن الأهل و الأقارب . بل إن الأحداث الجزئية تبدو منعزلة بعضهاعن البعض الآخر . فزوجة الأدب القاسية تطرح امام ابنة زوجها المسكينة أكواما من الحبوب المختلطة و تكلفها بفرز هذه الحبوب ، ثم تحتم عليها أن تتم ذلك في فترة وجيزة ، ثم تأتي الطيور الخيرة لمساعدة الإبنة في أداء مهمتها القاسية ، بحيث أنها تنجز العمل في معاده . و لا تستطيع زوجة الأدب أن تفسر ذلك 

و الحكاية الخرافية تسمو بشخوصها بحيث تفقدها جوهرها الفردي ، و تحولها إلى أشكال شفافة خفيفة الوزن و الحركة ، إنها تسمو بشخوصها فوق الواقع الداخلي و الخارجي ، و هي تفرغهم من عواطف الغضب و الثورة و الحقدو الحسد ، لتدخلهم في غمار الحوادث التي تنتفي فيها صفات الكآبة و الظلمة و الإحساس بالتعب ، حيث تتجاوب رغم كل ما فيها من شخوص شريرة أصداء أهم موضوعات الوجود الإنساني .

و مقدرة الحكاية الخرافية على التسامي أكسبها المقدرة على امتلاك الحياة و التعلق بها لا النفور منها . فشخوصها تتحرك في خفة من أجل الوصول إلى الهدف ، و هي لا تقف في عالم ثقيل متعب ، و إنما تقف في عالم جميل مليء بالسحر و الأمل.

كل هذه الوسائل تستخدمها الحكاية الخرافية لكي تخلع على بطلها صفة الشفافية و الخفة  ، و لكي تجعله مليئا بالثقة و الأمل . فهو بطل منعزل ، و لكنه يتحرك في انسجام مع العالم كله . إذ تأتى الموضوعات السحرية لتمثل قمة الأسلوب الانعزالي التجريدي . فكل موضوع في الحكاية الخرافية يتخذ طابعا سحريا عجيبا ، لأن شخوصها خفيفة الوزن و الحركة ، و هي على أهبة لأن تخوض غمار كل الحوادث ، مهما كانت بعيدة عن تصورات الأنسان .