سلسلة محاضرات في مقياس الاجتهاد القضائي في قانون الأسرة في السداسي الثاني لطور الماستر تخصص قانون الأسرة ، تتمة لمحاضرات مقياس مناهج الاجتهاد القضائي وضوابطه ضمن مقررات السداسي الأول ، تتكون من خمسة محاور وكل محور يتضمن محاضرتين أو أكثر حسب طبيعة المادة المعالجة.

سلسلة محاضرات في مقياس  

الاجتهاد القضائي في قانون الأسرة

لطلبة السنة الأولى ماستر/تخصص:قانون الأسرة

                                                                                                    إعداد الدكتور : غجاتي فؤاد

المحور الأول :

تطور الاجتهاد القضائي وأهميته في قانون الأسرة من الوجهة العملية

 

المحاضرة الأولى : مدخل للاجتهاد القضائي في قانون الأسرة

إن مسايرة القضاء الشرعي في مجال الأحوال الشخصية لما تتطلبه الأوضاع المختلفة للمجتمع في مختلف مراحل تطوره إنما يدل على مرونة التشريع الإسلامي بوجه عام وصلاحيته لاستيعاب ما يجدّ من قضايا ناتجة عن التطور العلمي الذي يشهده هذا العصر، أو ناتجة عن الظروف السياسية والاجتماعية، وكذا الأوضاع الثقافية التي استحكمت في بعض الدول العربية. مما جعل الدور مناطا بالمحاكم الشرعية للنهوض بالاجتهاد في مجال قضاء الأحوال الشخصية، الأمر الذي أسهم في المحافظة على إبقاء الشريعة الإسلامية مصدرا لأحكام الأسرة، وفيما يأتي بيان ذلك من خلال المطالب الآتية:

المطلب الأول: العوامل المساعدة على تطور الاجتهاد في قضايا الأسرة

ويراد بها العوامل التي كان لها تأثير في قضايا الأحوال الشخصية، مما ساعد على تطور الاجتهاد فيها، وذلك بظهور مسائل مستجدة -نتيجة عوامل معينة- تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي الذي يناسبها، ومن هذه العوامل:

-1 التطور العلمي: إن غزارة الدراسات الاجتماعية والأبحاث الطبية والابتكارات العلمية المتسارعة، التي مكنت البشرية من الوصول إلى كثير من الحقائق التي كانت مجهولة سابقا، ومنها بعض الجوانب المتعلقة بالأحوال الشخصية، كتقدير أطول مدة الحمل، وإثبات النسب، وأطفال الأنابيب، وبنوك الحليب في الرضاع، وغير ذلك. فظهور مثل هذه المسائل التي تحتاج إلى بيان حكمها الشرعي المناسب لها، لا يكون إلا عن طريق الاجتهاد فيها.

-2 الوضع السياسي والاجتماعي: تأثر قانون الأحوال الشخصية كغيره من القوانين بالوضع السياسي والاجتماعي السائدين، بعدما حل محل حكم الدولة العثمانية بالشريعة الإسلامية في كثير من الدول العربية والإسلامية الاحتلال الأجنبي الذي أقصى تطبيق الشريعة الإسلامية في مختلف مناحي الحياة المدنية على الخصوص، وأبقى على الأحوال الشخصية تحكمها قواعد الفقه الإسلامي، غير أنه لم يبق الأمر على حاله بعدما تأثر بعض المسلمين بمناهج المحتل، فانعكس ذلك على فهمه لدينه، وعلى مدى التزامه بتطبيقه على الوجه الصحيح، فغدا التفكك الأسري والتشرد ، وضياع الهوية، وظهرت سمات للأسرة المسلمة مماثلة بنسبة ما للأسرة في المجتمع الغربي، وعلى المستوى السياسي اختيرت الطبقة الحاكمة من الطائفة المتأثرة بثقافة غير إسلامية، فأصبح التوجه العام يلامس المشاكل في كل الجوانب، ويبحث عن الحلول الأجنبية خارج نطاق أحكام الشريعة الإسلامية في جانب السلوك الفردي والنظام الاجتماعي والنظام العقابي. فكان من دواعي النهوض بالاجتهاد السعي لحماية الأسرة من غوائل المفاسد الاجتماعية التي أفرزتها الحضارة الوافدة، لوضع البدائل والحلول المناسبة التي من شأنها المحافظة على النظام الأسري في المجتمعات الإسلامية.

-3 التأثر بالحضارات الوافدة

إن أهم ما خلفه تلاقي الحضارات وتعارف الشعوب على المجتمع الإسلامي هو زعزعة الثقة بالأحكام الشرعية وخاصة في قضايا الأسرة التي تعتبر اللبنة الأولى للمجتمع، ما أدى إلى العمل على تغييرها ولو تدريجيا، ومن هنا كانت حجج المطالبين بالتعديل وتبريراتهم مبنية على حتمية استنباط أحكام تتماشى مع روح العصر، واستجابة لميولهم لتقاليد الأمم الأخرى في هذا الاتجاه،أو تجنبا لاتهامهم بالتخلف، لأن الشريعة الإسلامية تبيح تعدد الزوجات والطلاق ولو كان ذلك للمصلحة.

فكان للاجتهاد دور في بيان تفوق النظام الإسلامي بكل جوانبه على ما لدى الآخرين من

أنظمة، فما أعطته الأحكام الشرعية للمرأة يفوق ما أعطته القوانين والأنظمة في دول الغرب، وهذا ما

صرح به الكثير منهم.

المطلب الثاني: أهمية الاجتهاد القضائي في قانون الأسرة من الوجهة العملية

إذا لم تكن الاجتهادات القضائية في القانون الفرنسي والقوانين العربية التي سارت على خطاه تعد من الوجهة النظرية قواعد قانونية عامة وملزمة، فإنها في الواقع تتمتع من الوجهة العملية بقوة ملزمة تكاد لا تقل أهمية عما تتمتع به قواعد القانون الناشئة عن مصادره الرسمية، وكثير من الاجتهادات التي صدرت عن القضاء الفرنسي ولا تزال تطبق حتى اليوم كأنها قواعد ملزمة مع أنها ليست قواعد قانونية.

ولعل السبب الرئيس لهذه القوة التي يتمتع بها الاجتهاد القضائي من الناحية العملية يكمن في

تسلسل أنواع المحاكم من جهة، ووجود رقابة من محكمة النقض على أحكام المحاكم الأدنى منه درجة

من جهة ثانية.  فحين تتبنى محكمة النقض في أحكامها رأيا معينا وتستقر عليه تتبنى بعدها سائر المحاكم هذا الرأي وتطبقه بانتظام، ولا شك في أن اجتهاد محكمة النقض ليست له من الوجهة النظرية أية قوة إلزامية، ويمكن لأية محكمة مخالفته إذا شاءت، ولكن المحاكم التي هي أدنى من محكمة النقض تدرك أن لا فائدة من مخالفة اجتهاداتها المستقرة؛ لأن أحكامها ستنقض إن هي فعلت ذلك، لذا فهي تلزم نفسها غالبا بتلك الاجتهادات سواء اقتنعت بها أم لم تقتنع، حتى لا تكون أحكامها عرضة للنقض، وعلى هذا تصدر عن محكمة النقض أحكام تتضمن مبادئ قانونية، يطلق عليها اسم "الأحكام المبادئ"، وهكذا ينشأ اجتهاد ثابت مستقر تطبقه جميع المحاكم كما تطبق قواعد القانون.  وليس ما يمنع محكمة النقض من تغيير اجتهادها الثابت إذا دعت الحاجة لتغييره، وعندئذ يحصل تغير في الاجتهاد، وينشأ اجتهاد جديد لدى محكمة النقض يصبح فيما بعد اجتهادها المستقر الذي تتقيد به المحاكم الأخرى.

وقد كان للتطبيق العملي لأحكام الأسرة في البلاد العربية ومنها الجزائر- الأثر الكبير على

الاجتهاد القضائي، فحينما توجد مشكلة لم يتناولها القانون المعمول به يقترح ما يغطي هذه المشكلة عن طريق الاجتهاد، وعندما تظهر صعوبة في تطبيق مادة ما، أو في حال تعدد الأفهام حولها، يأتي التعديل الجديد عن طريق الاجتهاد ليضع حدا للاختلاف، وينقل القانون إلى صياغة أمثل تساعد في ضبط التطبيق نحو الأفضل. ومن أمثلة ذلك ما يلي:

- ليس للمرأة حق طلب التطليق بسبب فقد زوجها أو غيابه عنها بالسجن أو السفر، وفقا

للمذهب الحنفي المطبق في كثير من الأقطار الإسلامية، حيث جاء التعديل ليأخذ برأي الجمهور الذي يعطي المرأة حق طلب التفريق لهذه الأسباب، وذلك رفعا للضرر عنها، وهو ما نصت عليه المادة 112من قانون الأسرة الجزائري.

- ليس للمرأة الحق في طلب فسخ عقد الزواج بسبب الإعسار بالنفقة اعتمادا على المذهب

الحنفي الذي لا يجيز ذلك، فجاء التعديل (الاجتهاد) ليأخذ برأي الجمهور الذي يعطي للمرأة حق طلب الفسخ لهذا السبب، وهو ما نصت عليه المادة 53 من قانون الأسرة الجزائري.

- وبخصوص كثرة دعاوى الزوجات بعدم الإنفاق عليهن لمدة طويلة سابقة على رفع الدعوى يصعب إثباتها أحيانا، جاء التعديل ليعطي المرأة حقها في النفقة المستحقة سابقا إذا ثبت ذلك بالبينة، وهو ما نصت عليه المادة 80 من الأمر رقم 84_11 لسنة 1984 المتضمن قانون الأسرة المعدل والمتمم.

ومن هنا يتضح دور الاجتهاد القضائي عمليا من خلال المساهمة الفعالة في حل ما أشكل من قضايا تخص نظام الأسرة والمجتمع. غير أنه لا يرتقي في مفهومه إلى معنى الاجتهاد القضائي الشرعي.

-        إلا أنه وبالرغم من أن الاجتهاد القضائي جاء ليحل بعض المشكلات في عدد من نصوصه، فقد ساعد ذلك في خلق مشكلات أخرى، على نحو النصوص التي جاءت لتعالج الإضرار بأحد الزوجين، بما يسمى بقضايا الشقاق والتراع التي أوجدت حالة من كشف الأسرار الزوجية،كما أدى التعويض عن الطلاق التعسفي إلى اختلاق الزوج في زوجته ما ليس فيها للهروب من دفع هذا التعويض.

المطلب الثالث : دور الاجتهاد القضائي في استقرار الأحكام القضائية

تعد الأحكام القضائية الصادرة من المحاكم والجهات القضائية بشكل عام ثروة حقوقية، إذ أنها تشكل الطابع العملي الحي للقانون، وهي التي تشكل مداه وأبعاده، فالقانون بمواده عبارة عن مادة خام جامدة، تصبح في حالتها النشطة عندما تتحول إلى أحكام قضائية ؛ فالأحكام المؤيدة من قبل المحكمة العليا، والتي يستقر عليها قضاؤها هي تعبير عن توجه القضاء وتوضيح للمنهج الذي يسير عليه أثناء فصله في المنازعات المعروضة عليه. وتسمى%3

يعتبر هذا المساق فضاء لوضع المحاضرات الخاصة بمقياس الضوابط الفقية انطلاقا من المحاضرة الرابعة الى غاية نهاية البرنامج.

ملاحظة على الطلبة الاتصال بالاستاذ عبر البريد الالكتروني التالي

elyesdiabdjeffal@gmail.com

جامعة آكلي محند أولحاج- البويرة-

كلية الحقوق والعلوم السياسية

قسم: القانون الخاص

السنة الأولى ماستر

تخصص :قانون الأسرة

تتمة لمحاضرات السداسي الثاني في مقياس المصادر التبعية لقانون الأسرة

الدكتور الصادق ضريفي

ملاحظة: ستتبع هذه المحاضرات بمحاضرات أخرى بإذن الله تعالى

المحاضرة الأولى

المصالح المرسلة

     من الأسس التّي يقوم عليها التّشريع الإسلامي رعاية مصالح النّاس، فالأحكام الشّرعية إنّما شرعت لتحقيق مصالح العباد في الدّارين؛ الفانية والباقية، وذلك بجلب المنافع ودرء المفاسد.

تعريف المصلحة وأقسامها

تعريف المصلحة

  أولا: تعريف المصلحة لغة: المصلحة في اللّغة كالمنفعة وزنا ومعنى، فهي مصدر بمعنى الصّلاح كالمنفعة، وهي ضدّ المفسدة، أو هي اسم للواحد من المصالح.

    ثانيا: تعريف المصلحة اصطلاحا: أمّا في الاصطلاح فيقصد بها: (( المنفعة التّي قصدها الشّارع الحكيم لعباده، من حفظ دينهم، ونفوسهم، وعقولهم، ونسلهم، وأموالهم، طبق ترتيب معيّن فيما بينها)). والمنفعة: هي اللّذة أو ما كان وسيلة إليها، أو دفع الألم أو ما كان وسيلة إليه.

أقسام المصالح

  يقسم العلماء المصالح من حيث ما شرعت لأجله أو من حيث مراتبها إلى: مصالح ضرورية، حاجيّة، وتحسينيّة، وقد سبق لنا تناولها عندما تعرضنا لرعاية مصالح النّاس كأساس من أسس التّشريع الإسلامي، أمّا من حيث اعتبار الشارع الحكيم لها فتنقسم إلى ثلاثة أقسام كذلك، تتمثل في المصلحة المعتبرة، الملغاة، والمرسلة، وهذه الأخيرة هي التّي وقع الخلاف بين العلماء حول مدى اعتبارها دليلا من أدلّة الأحكام.

أولا: المصالح المعتبرة: هي المصالح الملائمة لمقاصد الشّارع، ويشهد لها أصل خاص من كتاب، سنّة، إجماع، أو قياس، بمعنى أنّه قام دليل على اعتبارها، وشرعت الأحكام لتحقيقها، مثل كافة الأحكام التي قصد منها المحافظة على مقاصد الشرع الكليّة الخمسة، وهي حفظ الدين، النّفس، العقل، النّسل، والمال، فالجهاد وحدّ الردّة شرعا حفظا للدّين، والقصاص شرع للحفاظ على نفوس النّاس، وتحريم الخمر وكافة المسكرات شرع صيانة للعقل، وحدّ الزنا والقذف شرعا حماية للعرض، وحدّ السّرقة شرع حفظا للمال.

ثانيا: المصالح الملغاة: هي المصالح التّي لم يعتبرها الشارع الحكيم، بل بالعكس ثمّة دليل من الكتاب أو السنة، أو الإجماع أو القياس بقضي بردّها وإلغائها، لما يترتّب عنها من أضرار ومفاسد وإن توهم الإنسان أنّ فيها مصلحة، لذا يطلق عليها العلماء أيضا تسمية ( المصلحة المتوهّمة)، وهذه لا يجوز بناء الأحكام الشّرعيّة عليها بلا خلاف، ومن أمثلتها دعوى مساواة الذّكر للأنثى في الميراث فهي ملغاة بصريح قوله تعالى: ﮓ  ﮔ   ﮕ  ﮖ  ﮘ   ﮙ  ﮚ  ﮛ[1]، وكذلك ما يدّعى من مصلحة للدّولة في تصنيع الخمور والاتجار بها وتعاطيها، لأنّها ملغاة بصريح قوله تعالى: ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ   ﭖ  ﭗ  ﭘ  ﭙ   ﭚ  ﭛ  ﭜ  ﭝ  ﭞ  ﭟ[2] .

ثالثا: المصاللح المرسلة:  ويعبر عنها البعض بالمناسب المرسل، والبعض بالاستصلاح، وآخرون بالاستدلال، وتكاد تتطابق تعاريف الأصوليين للمصلحة المرسلة، حيث تعني عندهم: المصالح التّي لم يعتبرها الشّارع الحكيم ولم يلغها، يقول الإمام الغزالي في هذا الصّدد: (( ما لم يشهد له من الشّرع بالبطلان، ولا بالاعتبار نصّ معيّن)).

 

حجيّة المصالح المرسلة

      لا خلاف بين العلماء في أنّه لا يعمل بالمصالح المرسلة في مجال العبادات، لأنّه لا مجال لإعمال الرأي والاجتهاد فيها، و تعدّ الزيادة فيها من الابتداع في الدّين، وهو مذموم. 

     غير أنّهم اختلفوا في حجيّتها في مجال المعاملات، وقد اشتهر الإمام مالك رحمه الله بالعمل بها، كما أخذ بها الإمام أحمد بن حنبل، وإن لم يعدّها أصلا قائما بذاته، بل كان يعدّ ذلك معنى من معاني القياس، فهو أصل في استنباط المعاني من  جملة الأدلّة الأخرى، ومن المنكرين صراحة للعمل بها الظاهريّة الذّين يلتزمون ظواهر النّصوص، وكان هؤلاء قد أنكروا القياس من قبل رغم أنّ جمهور العلماء يعتبرونه، والشّيعة الذّين يقولون بعصمة أئمّتهم.

أدلّة المنكرين لحجيّة المصلحة المرسلة

أولا: أنّ الشّريعة الإسلاميّة راعت مصالح النّاس بالنّصوص، وبما أرشدت إليه من القياس، فقد اعتبر الشّارع الحكيم كافة المصالح، أمّا المصلحة التّي لا يوجد دليل يشهد لها بالاعتبار فهي مصلحة وهميّة، غي   حقيقيّة، ولا يمكن بناء الأحكام الشّرعيّة عليها.

  ثانيا: أنّ بناء الأحكام على المصلحة يؤدّي إلى فتح الباب على مصراعيه أمام أصحاب الهوى، الذّين يتوهّمون المفاسد مصالح، فيتصرّفون وفقا لمآربهم وأغراضهم،فيكون القول بالمصلحة من باب التّلذّذ والتّشهّي، قال بن حزم رحمه الله: (( وهذا باطل؛  لأنّه اتّباع الهوى، وقول بلا برهان)).

ثالثا: المصالح منقسمة إلى قسمين: ما عهد من الشّارع اعتبارها، وما عهد منه إلغاؤها، والمصلحة المرسلة متردّدة بين هذين القسمين، وليس إلحاقهما بأحدهما أولى من الآخر، فيمتنع الاحتجاج به  دون شاهد بالاعتبار، يعرف أنّه من قبيل المعتبر دون الملغى.

رابعا: أنّ في بناء الأحكام الشّرعيّة على المصلحة المرسلة نيل من وحدة التّشريع وعمومه، حيث تختلف الأحكام باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان، بالنّظر لتغير المصالح من زمن لآخر.

أدلة المثبتين لحجيّة المصلحة المرسلة

  استدلّ هؤلاء بجملة من الأدلّة نذكر منها:

أولا: أنّ الشّريعة الإسلامية  إنّما وضعت لتحقيق مصالح العباد، فيكون الأخذ بالمصلحة المرسلة متوافقا مع طبيعة الشّريعة، والأساس الذّي قامت عليه.

ثانيا: من المعلوم أنّ وقائع النّاس ومسائلهم لا تنحصر جزئياتها، ولا تتناهى أفرادها، إنّما هي متغيّرة ومتجدّدة بتغيّر أحوال النّاس، وتبدّل بيئاتهم، فإذا دلّ نصّ من الكتاب أو السنّة على اعتبار هذه الوقائع أو إلغائها عمل به، أمّا إذا لم يدلّ نص على ذلك، وكان في هذه الوقائع تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة، مع عدم مصادمة النّصوص الشرعيّة ولا المبادئ العامّة للشّريعة الإسلامية، ولا يترتّب عليها مفسدة، حكم المجتهد بناء على المصلحة المرسلة.

ثالثا: أنّه إذا لم يأخذ بالمصالح في كلّ موضع تحقّقت فيه، وكانت من جنس المصالح الشّرعيّة، لوقع النّاس في الضّيق والحرج، والله عزّ وجل يقول:   ﮪ  ﮫ   ﮬ   ﮭ  ﮮ   ﮯ  ﮰ  [3]

رابعا: يظهر من تتبع فتاوى الصحابة والتّابعين ومن جاء بعدهم أنّهم كانوا يفتون ويقضون في الكثير الوقائع المعروضة عليهم لتحقيق مطلق المصلحة، لا لقيام شاهد باعتبارها، دون إنكار من أحد، فكان فعلهم إجماعا على اعتبار المصلحة المرسلة، ومن الأمثلة على ذلك:

أ/ جمع أبي بكر الصّديق رضي الله عنه القرآن الكريم بعد أن استحرّ القتل بالقراء في معركة اليمامة بمشورة من عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان المقصد من ذلك حفظ القرآن الكريم من الضّياع.

ب/ اتّفق الصحابة على تضمين الصّناع، ومع أنّ الأصل أنّهم أمناء على ما في أيديهم من أموال النّاس، لتهاونهم، مع حاجة النّاس إليهم.

ج/ حارب أبو بكر الصّديق رضي الله عنه مانعي الزكاة، واستخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يعهد بالخلافة لأحد من بعده، لأنّه خشي تفرّق المسلمين، ورأى أنّ عمر  رضي الله عنه  أقدر على جمعهم.

الرّأي الراجح

     يتبيّن بعد عرض رأي المنكرين للمصلحة المرسلة أنّهم لم يلتقوا على محلّ واحد للنّزاع  مع المثبتين لحجيّتها، ذلك أنّه لا يقصد بالعمل بها التّشريع بالهوى، بل لا بد من مراعاة الكثير من الضوابط لبناء الأحكام على المصالح المرسلة، وهذا المصدر التّشريعي يكشف عن مرونة وخصوبة الفقه الإسلامي، وصلاحية الشريعة للتّطبيق في كلّ زمان ومكان، وأنّها تتلاءم مع الظروف المستجدة، والنوازل الطارئة، وعند التّحقيق يتبيّن أنّها محل اتّفاق بين العلماء.

ومن الأمثلة التطبيقية المعاصرة للعمل بالمصلحة المرسلة ما يلي:

- ضرب العملة التّي يتعامل بها النّاس في البيع والشّراء وسائر المعاملات الماليّة.

- وضع قانون للمرور ووجوب احترامه، مع معاقبة المخالفين بالحبس أو الغرامة أو سحب رخصة القيادة.

- تسجيل عقود الزواج، حتى يمكن إثباته عند إنكار أحد الطرفين، وللحيلولة دون ضياع الحقوق خاصة حقوق الزّوجة والأولاد.

- توسعة المساجد لاستيعاب أكبر عدد من المصلّين كما هو جار في الحرم المكي حاليا.

-تسجيل عقد البيع الوارد على عقار لنقل الملكيّة.

 

شروط العمل بالمصالح المرسلة

  يشترط العلماء القائلون بحجيّة المصالح المرسلة عدّة شروط للعمل بها من أهمّها:

أولا: أن تكون مصلحة حقيقيّة لا وهميّة

 بمعنى أنّه يترتّب على تشريع الحكم بناء عليها جلب منفعة أو دفع مفسدة، فمثلا تسجيل العقود في مصلحة التّسجيل يقلّل من شهادة الزور، ويحقّق استقرار المعاملات، أمّا مجرّد توهّم أنّ التّشريع يجلب نفعا، فلا يصح بناء الحكم على مثل هذه المصلحة المتوهّمة، كمن يتوهم المصلحة في إعطاء المرأة الحق في إيقاع الطّلاق، أو سلب الرّجل حق تطليق زوجته وجعله بيد القاضي في جميع الأحوال.

ثانيا: أن تكون مصلحة ملائمة لمقاصد الشّارع الحكيم

    بحيث لا يعارض التّشريع لهذه المصلحة حكما ثابتا بنصّ أو إجماع، ففي هذه الحالة تكون المصلحة ملغاة لا مرسلة، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكر أنّ الفقيه المالكي يحي بن يحي اللّيثي تلميذ الإمام مالك حيث أفتى أحد ملوك الأندلس الذي انتهك حرمة شهر رمضان بإفطاره عمدا بوجوب صيام شهرين متتابعين، ورأى أنّ المصلحة تقتضي ذلك، حيث أنّ المقصود من الكفّارة زجر المذنب وردعه، حتى لا يعاود فعله مرّة أخرى، ولا يرتدع مثل هذا الملك إلاّ بهذا، أمّا الإعتاق فلا يردعه لأنّه قادر على إعتاق ما شاء من الرّقاب، ولا يتحقّق فيه الرّدع، فهذه الفتوى بنيت على مصلحة غير أنّها تعارض نصّا، لأنّ النصّ صريح في أنّ كفارة من أفطر عمدا في رمضان هي إعتاق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستّين مسكينا، بلا تمييز بين النّاس، فقراء كانوا أم أغنياء.

ثالثا: أن تكون مصلحة عامة

   أي أن تكون المصلحة التي يبنى الحكم عليها عامّة لا خاصّة بفرد بعينه أو طائفة معيّنة، بحيث توجب نفعا لجمهور النّاس، أو تدفع عنهم ضررا، لأنّ أحكام الشّريعة موضوعة لتطبّق على النّاس جميعا، أمّا لو كانت المصلحة غير عامّة بأن كانت مصلحة فرديّة لشخص أو أشخاص قلائل من أصحاب المال أو ذوي الجاه والسّلطان والنّفوذ فلا يمكن بناء الأحكام عليها.

 

 العرف

قبل تفصيل الحديث عن حجية العرف( مطلب ثان)، وشروط العمل به( مطلب ثالث)، وتغير الأحكام بتغيّر الأعراف(مطلب رابع) نبدأ ببيان مفهومه( مطلب أول).

مفهوم العرف

يقتضي تحديد مفهوم العرف تعريفه(فرع أول)، مع بيان أنواعه(فرع ثان).

تعريف العرف

    أولا: العرف في اللغة: العرف في أصل اللّغة بمعنى المعرفة، ثمّ استعمل لغة بمعنى الشيء المعروف المألوف الذّي تتلقّاه العقول السّليمة بالقبول.    

  ثانيا: تعريف العرف اصطلاحا: أمّا في اصطلاح الأصوليّين فقد عرّف بتعاريف كثيرة، منها أنّه: (( ما استقرّ في النّفوس من جهة العقول، وتلقّته الطّباع السّليمة بالقبول)) ، ومنها أنّه: (( ما اعتاده النّاس وألفوه سواء كان قولا أو فعلا))، وهو بمعنى العادة عند الفقهاء، والعادة من المعاودة بمعنى التّكرار، والعرف هو العادة الجماعيّة.

    يفهم من هذا التّعريف أنّ وجود العرف في أمر من الأمور إلاّ إذا كان مطّردا بين النّاس في المكان الجاري فيه، أو غالبا بحيث يعمل به أغلب النّاس، وإلاّ كان تصرّفا فرديا لا عرفا، وعلى هذا وضع العلماء قاعدة (( إنّما تعتبر العادة إذا اطّردت أو غلبت)).

أنواع العرف

    ينقسم العرف إلى أقسام متعدّدة باعتبارات مختلفة أهمّها:   

أوّلا: أنواع العرف باعتبار مظهره

  يمكن تقسيم العرف بهذا الاعتبار إلى عرف قولي وعرف عمليّّ (فعلي).

  أ/ العرف القولي ( اللّفظي): هو اعتياد النّاس على استخدام لفظ معيّن لمعنى معيّن، بحيث إذا أطلق  هذا اللّفظ انصرف الذّهن إلى معناه العرفيّ، حتى وإن خالف معناه في اللّغة، ومثال ذلك: تعارف النّاس على إطلاق لفظ الولد على الذّكر دون الأنثى، مع أنّه في اللّغة يقصد به الاثنان، قال الله تعالى: ﮓ  ﮔ   ﮕ  ﮖ  ﮘ   ﮙ  ﮚ  ﮛ  [4] ، وكاعتيادهم على إطلاق لفظ اللّحم عل غير السّمك، مع أنّ اللّغة لا تمنع ذلك، وقد سمّاه القرآن الكريم لحما، قال الله عزّ وجلّ: ﯛ  ﯜ   ﯝ  ﯞ  ﯟ  ﯠ  ﯡ  ﯢ[5].

ب/ العرف العملي ( الفعلي)يقصد به اعتياد النّاس على فعل أو تصرّف معيّن، مثل تعارفهم على بيع التعاطي دون صيغة لفظيّة؛ أي تبادل المبيع والثّمن دون أن يتمّ التعبير عن الإرادة باللّفظ كما هو الحال في البيع الوارد على الأشياء البسيطة (الجرائد، الأدوات المدرسيّة،الخبز، الحليب...)، وكتعارفهم على تقسيم المهر في بعض المناطق إلى معجّل ومؤجّل، بالرّغم من أنّ المهر مؤجّل إلى أقرب الأجلين الموت أو الطّلاق.

ثانيا: أنواع العرف باعتبار  نطاقه

  العرف بنوعيه القولي والفعلي قد يكون عاما أو خاصا.

أ/ العرف العام:  هو اعتاد النّاس جميعا أو أغلبهم وتعارفهم في زمن معيّن على شيء معيّن، كتعارفهم على إطلاق لفظ الحرام بمعنى الطّلاق على فكّ الرّابطة الزوجيّة، وتعارفهم على البيع بالتعاطي دون صيغة لفظيّة، وتعارفهم على بيع الاستصناع، ودخول الحمّامات دون تحديد مدّة المكث فيها ولا مقدار الماء المستعمل.

ب/ العرف الخّاص: هو ما تعارفه أهل بلد أو إقليم أو منطقة معيّنة، أو ما اعتاد وتعارف عليه أرباب مهنة معيّنة كالتّجار، الحرفيّين، المحامين، الموثّقين، الأطبّاء، وغيرهم، ومثال ذلك ما تعارف عليه المحامون في الجزائر  من قيام المحامي المتربّص بزيارة مجاملة لعدد معيّن من المحامين القدامى، وتعارف التّجار على إمساك دفاتر تجاريّة لإثبات معاملاتهم.

ثالثا: أنواع العرف باعتبار الصحّة أو المشروعيّة

  نميّز هنا بين العرف الصّحيح والعرف الفاسد.

أ/ العرف الصّحيح: هو ما تعارفه النّاس دون أن يخالف دليلا شرعيّا، أو يحلّ حراما، أو يحرّم حلالا، أو يفوّت مصلحة معتبرة، كتعارف النّاس عل تقسيم المهر إلى معجّل ومؤجّل، و أنّ ما يقدّمه الخاطب لخطيبته من حليّ وثياب هو هدايا وليس جزء من المهر، وتقديم عربون في عقد الاستصناع، وأنّ الزوجة لا تنتقل إلى بيت الزّوجية إلا بعد قبض جزء من صداقها.

ب/ العرف الفاسد: هو ما تعارفه النّاس إلاّ أنّه يخالف دليلا شرعيّا، أو يحلّ حراما، أو يحرّم حلالا، كتعارف النّاس في بعض المناطق على حرمان المرأة من الميراث، أو أكل الربا والتعامل مع البنوك والمصارف بالفائدة، اختلاط الرّجال بالنّساء في الحفلات والأعراس، ترك الصّلاة في الاحتفالات العامّة، البناء على المقابر، إحياء ليلة الأربعين للوفاة، تقديم أهل الميت الطّعام للمعزّين، وغيرها.

حجيّة العرف

      إذا كان العرف صحيحا، بحيث لا يخالف نصوص الشريعة ومبادئها، فهو دليل من أدلّة الأحكام متى تحقّق شروط العمل به، ومنها عدم وجود نصّ في المسألة لأنّ هذا الأخير مقدّم على العرف وهو أقوى منه، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء من الحنفيّة، المالكيّة، الشّافعيّة وغيرهم. فينبغي العمل إذا بالعرف الصّحيح في التّشريع وفي القضاء، لأنّ ما تعارف عليه النّاس وساروا عليه صار من حاجاتهم، ومحقّقا لمصالحهم، ما دام لا يخالف الشّرع، وقد راعى الشارع الحكيم الصّحيح من عرف العرب في التّشريع فاشترط الكفاءة في الزّواج، واعتبر العصبة في الولاية ، ولهذا وضع العلماء قاعدة (( العادة محكّمة)).

الأدلة من المنقول على حجية العرف

أ/ أنّ الشّريعة تحيل في بعض أحكامها على العرف، من ذلك قوله تعالى: ﮪ  ﮫ  ﮬ   ﮭ  ﮮ  ﮰ  ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕ  ﯗ   ﯘ      ﯙ  ﯚ   ﯛ  ﯜ[6]،قال ابن جرير: (( ويعني بقوله " بالمعروف" بما يجب لمثلها على مثله، إذا كان الله -تعالى ذكره-علم تفاوت أحوال خلقه بالغنى والفقر، وأنّ منهم الموسع والمقتر  وبين ذلك، فأمر كلاّ منهم أن ينفق على من لزمته نفقته من زوجته وولده على قدر ميسرته)).

     كما تمّ الإحالة إلى العرف في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﮙ  ﮚ  ﮛ  ﮜ  ﮝ  ﮞ  ﮟ  ﮠ[7]، وقوله عزّ وجلّ: ﮦ  ﮧ   ﮩ  ﮪ[8]، وقوله عزّ وجلّ: ﮯ  ﮰ   ﮱ     ﯓ  ﯔ  ﯕ    ﯖ   ﯗ  ﯘ  ﯚ  ﯛ  ﯜ [9].

ب/  قول الله عزّ وجلّ: ﭵ  ﭶ ﭷ   ﭸ  ﭹ  ﭺ  ﭻ[10]    فالآية تفيد جواز الأخذ بالعرف فيما لم يرد فيه دليل شرعيّ.

 ج/ ما روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال لهند بنت عتبة زوج  سفيان رضي الله عنهما، حينما اشتكت إليه شحّ أبي سفيان وتقتيره في النّفقة: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف))[11]، فجعل النبيّ صلّى الله عليه وسلم العرف ضابطا للواجب –النفقة-الذّي لم يقع تحديده لا بالنصّ ولا بحكم القاضي.

ثانيا: الأدلة من المعقول على حجية العرف

 أ/ أخذ الفقهاء بالعرف وبناء الأحكام الشّرعية عليه في مختلف العصور، دليل على صحّة اعتباره، لأنّ عملهم به ينزّل منزلة الإجماع السّكوتي، فضلا عن تصريح بعضهم به، وسكوت الآخرين عنه، فيكون اعتباره حينئذ ثابتا بالإجماع. 

ب/ إذا تعارف النّاس على أمر فدلّ ذلك أنّه محقّق لمصالحهم وملبّ لحاجاتهم، فإن كان غير مخالف للشّرع وجب اعتباره، لأنّ الشّريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، وثبت أنّ الشّارع الحكيم راعى الصّحيح من أعراف العرب في التّشريع فأبقى عليها.

شروط العمل بالعرف

    اشترط العلماء للعمل بالعرف واعتباره دليلا تبنى عليه الأحكام الشّرعيّة جملة من الشّروط منها:

أولا: أن يكون العرف متّفقا مع نصوص الشّريعة وقواعدها العامة

   أمّا إذا كان يخالف نصوص الشّريعة ومبادئها وأسسها العّامة، فكلّ عرف ورد نصّ بخلافه فهو غير معتبر، ذلك أنّ النصّ أقوى من العرف، وهو في هذه الحالة عرف فاسد، وقد قال الفقهاء في هذا الصّدد أنّ النصّ يهيمن على العرف، ويترتّب على ذلك أنّ ما ورد فيه نصّ لا يغيّره، فلو تعارف النّاس على التّعامل مع البنوك والمصارف بالرّبا، فيبقى الحكم كما هو لورود النصّ بتحريم الربا، قال الله تعالى:     ﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪ      ﭫ  [12]، ولا يصحّ أن يقال أنّ العرف السّائد اليوم إجازة التعامل بالربا لتغيّر الزمن.

ثانيا: أن يكون العرف مطّردا بين المتعارفين عليه في كافة معاملاتهم أو غالبا فيها

    فإن كانوا يتعاملون به في بعض الحوادث، ويذرونه في أخرى، فلا يمكن بناء الأحكام عليه، ومعنى الغلبة؛ أن تكون أغلبية، أي ألاّ تتخلّف إلاّ قليلا، والغلبة والاطراد يعتبران متى وجدا عند أهل العرف لا في الكتب الفقهيّة لاحتمال تغيّرها.  

ثالثا: أن يكون العرف موجودا عند إنشاء التّصرف الذّي يراد تحكيم العرف فيه 

     ولا عبرة بالعرف الحادث بالنّسبة للماضي، بمعنى أنّ العرف يؤثّر فيما يوجد بعده لا فيما مضى قبله، لذا قال العلماء: (( لا عبرة بالعرف الطارئ))، فمثلا لو أنشأ شخصان تصرّفا من التّصرّفات، ثمّ حدث بينهما نزاع، فإنّ العرف الذّي يجب تحكيمه هو العرف الذّي كان موجودا عند إنشاء التّصرّف، لا العرف الحادث بعده، كما لو عقد رجل على إمرأة ولم يبيّنا في العقد إن كان المهر مؤجلا أم معجّلا، وكان العرف الجاري هو تعجيل بعضه وتأجيل بعضه، ثمّ دعى الزوج زوجته للدّخول في طاعته بعد أن أصدقها شطر صداقها، وكان العرف قد تغيّر حينها فأصبح المتعارف عليه تعجيل كلّ المهر، فامتنعت وحدث نزاع بينهما، فيعمل هنا بالعرف السّابق لا بالعرف الطارئ، وعليها طاعته.     

رابعا: ألاّ يعارض العرف تصريح بخلافه

  فلو كان العرف السائد مثلا يقضي بتقسيم المهر إلى معجّل ومؤجّل، واشترطت الزوجة تعجيل المهر كلّه، كان شرطها صحيحا، ويقدّم على العرف، لأنّ من شروط تطبيق العرف ألاّ يتعارض مع شرط أحد المتعاقدين، فحيث وجد الشرط لا يلتفت إلى دلالة العرف، إذ لا عبرة للدّلالة في مقابلة التّصريح.

تغير الأحكام بتغيّر الأعراف المبنيّة عليها

أولا: إمكانية تغير الأحكام بتغير الأعراف المبنية عليها

    يترتّب على تغير الأعراف بتبدّل الأزمان تغيّر الأحكام الشّرعيّة المبنيّة عليها، لهذا كان من الشّروط الواجب توافرها في المجتهد العلم بأعراف النّاس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيّر عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو فساد أهل زمان، بحيث لو بقي الحكم على حاله لوقع النّاس في حرج وضيق، وهذا مخالف لمبادئ الشّريعة القائمة على التيسير ورفع الحرج ودفع المفاسد، ويقول الفقهاء في هذا الصّدد: لا ينكر تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان.

ثانيا: أمثلة عن تغير الأحكام بتغيّر الأعراف المبنيّة عليها

   ومن الأمثلة على تغيّر الأحكام النّاجم عن تغيّر الأعراف نذكر:

أ/ أفتى المتأخّرون من العلماء بجواز أخذ الأجرة على الإمامة والأذان وتعليم القرآن وسائر الطّاعات، نظرا لتبدّل الزّمان وانقطاع  العطايا التّي كان يتحصّل عليها الأئمّة والمؤذّنون ومعلمو القرآن من بيت المال، فلو انصرف هؤلاء إلى المهن الأخرى كالزّراعة والتّجارة والصّناعة لترتّب عن ذلك ضياع القرآن وإهمال الشعائر الدينيّة. 

ب/ أفتى أبو يوسف ومحمّد بن الحسن الشّيباني صاحبا أبي حنيفة باشتراط تزكية الشّهود ( إظهار عدالتهم وصلاحيته للشّهادة عن طريق ثقة)، لتجنّب إهدار حقوق النّاس،مخالفين بذلك شيخهم أبا حنيفة الذّي كان يكتفي بظاهر العدالة فيما عدا الحدود والقصاص، دون اشتراط التّزكية، لغلبة الصلاح وتعامل النّاس بالصدق في زمانه المشهود له بالخيريّة، فلمّا تغيّر الحال في زمن الصاحبان، وقلّت المروءة، وشاع الكذب وشهادة الزور اشترطا التّزكية على خلاف شيخهما وإمام مذهبهما.

ج/ تضمين الأجير المشترك كالخياط مثلا، حيث شاع الفساد وانتشر، وأصبح أصحاب الحرف لا يحافظون على أمتعة وأمانات النّاس، فصار تضمينه واجبا ليضمن ما تحت يده من أمانات من باب الاحتياط، وحتى لا يدّعي هلاكه،إلاّ إذا كان الهلاك بسبب حريق غالب، رغم أنّ ذلك مخالف لما كان مقررا بأنّه لا ضمان إلاّ بالتعدي لتغيّر الزمان.

  ويمكن القول أخيرا أنّ العرف عند التّحقيق لا يمكن عدّه دليلا مستقلا، بل الغالب ارتباطه بالمصلحة المرسلة، وكما يراعى في تشريع الأحكام يراعى أيضا في تفسير النّصوص، فيخصّص به العام، ويقيّد به المطلق، وقد يترك القياس بالعرف.

 

 



[1] - سورة النّساء: من الآية11.

[2]- سورة المائدة: الآية90.

[3]- سورة الحجّ: من الآية78.

[4] - سورة النّساء: من الآية11.

[5]- سورة النّحل: من الآية14.

[6] - سورة البقرة: من الآية232.

[7] -سورة البقرة: من الآية178.

[8]- سورة البقرة: من الآية229.

[9] - سورة البقرة: من الآية236.

[10] - سورة الأعراف: الآية199.

[11] - رواه البخاري، كتاب النّفقات، باب إذا لم ينفق الرّجل فللمرأة أن تأخذ بدون علمه ما يكفيها وولدك بالمعروف، ر.ح                  ( 5364)؛ ومسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب قضيّة هند، ح.ر (7) 3( 1338).

[12]- سورة البقرة: من الآية275.