تجدون في الملف المرفق دروس محاضرات مقياس الحوكمة واخلاقيات المهنة للسداسي الاول السنة الثالثة علم الاجتماع

 

 

 

-جامعة آكلي محند أولحاج-

-البويرة-

-كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية-

-قسم الشريعة -

مطبوعة العقيدة الإسلامية

سنة ثالثة عقيدة و مقارنة الأديان

الدكتورة أنيسة زغدود

 

 

السنة الجامعية: 2020/2021م الموافق لـ 1441/1442ه

 

 

 

 

 

الدرس رقم: 01

مفهوم اليوم الآخر و مرادفاته

اليوم الآخر: هو يوم القيامة، الّذي ورد ذِكره في القرآن في سبعين موضعاً، ومن تلك المواضع قول الله تعالى ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ النّساء: 87

وقد سمّي هذا اليوم باليوم الآخر: لأنّه لا يوم بعده، ووقته من يوم الحشر وإلى ما لا نهاية. فالمراد باليوم الآخر أمران:الأول: فناء هذه العوالم كلها وانتهاء هذه الحياة الدنيا بكاملها.الثاني: إقبال الحياة الآخرة وابتداؤها.

الإيمان باليوم الآخر: هو أن يُصدّق المسلم تصديقًا جازمًا بأنّ الله تعالى سينهي الحياة الدنيا في وقت ما أعدّه لذلك، و أن يُؤمن العبد بما جاء في القرآن من إخبار الله تعالى، وما جاء في سنة رسول الله -عليه السلام- بالذي يكون بعد موت الإنسان من حياة القبر بنعيمه وعذابه، والإيمان بالبعث والحشر والحساب والصحف والميزان، والإيمان بالصراط والحوض والجنة والنار، وكلّ ذلك هو في عالم الغيب؛ فهو غير مشهود من أحد، وقد أخبر الله تعالى عباده به عن طريق الرسل الكرام، والإيمان بكل ما أخبر الله به عن اليوم الآخر هو واجب على كل مسلم.حيث لا يُقبل الإيمان من المؤمن حتّى يأتي به، فقال:﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ِالبقرة: 771. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُومِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَالبقرة:4.

يتضمّن الإيمان باليوم الآخر عدّة أمورٍ لا يتمّ إلّا بها :

أوّلها :أن يؤمن العبْد بمقدّمات اليوم الآخر؛ كالموت، وعذاب القبر، وعلامات الساعة.

 وثانيها :أن يؤمن ببعث الله للناس من القبور.

وثالثها: الإيمان بأحداث اليوم الآخر نفسه؛ كالحشر، والحساب، والجزاء، والشفاعة، والحوض، والصراط، ونحوه. وأخيراً :الإيمان بوجود الجنّة ونعيمها والنار وعذابه، وأن الناس مصيرهم إمّا إلى الجنّة أو إلى النار.

أهمية الإيمان باليوم الآخر :
عني القرآن الكريم عناية بالغة، واهتم اهتماماً خاصاً، بالحديث عن اليوم الآخر من خلال عرض أحداثه، وتقريره في كل موقع، وإثبات وقوعه بمختلف الأدلة والآيات، والرد على منكريه، ودحض شبهاتهم بمختلف الحجج والبراهين.و من ذلك :
1-الإتيان به عقب الإيمان بالله مباشرة:

الإيمان باليوم الآخر هو الركن الخامس من أركان الإيمان الستة، كما ورد في حديث جبريل المشهور: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر...» إلا أننا نلاحظ أن القرآن الكريم يضع الإيمان باليوم الآخر عقب الإيمان بالله عز وجل مباشرة في كثير من الآيات، يقول تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾ البقرة: 177. وكذلك جعله بين الإيمان بالله وبين العمل الصالح حيث يقول سبحانه: ﴿ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ البقرة: 62.

وقال صلى الله عليه وسلم(( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) البخاري (6018)، ومسلم (47).

 2-الإكثار من التذكير به، وعرض مشاهده، وتفصيل أحداثه

فالذي يقرأ القرآن يلاحظ أنه لا تكاد تخلو سورة من سوره من التذكير باليوم الآخر، وتدبر ما سيقع فيه من أحداث ومشاهد وأهوال، قام القرآن الكريم بعرضها عرضاً مفصلاً وفي صور عديد ومتنوعة، حتى تتم العبرة والاتعاظ به على أكمل حال.بالإضافة إلى تعددأسمائه و كثرتها  .

مرادفات اليوم الآخر:أي أسماؤه، وهي:

يوم القيامة: ذكر 70 مرة: القيامة في اللغة: مصدرٌ من الفعل الثلاثيّ (قام)، (يقوم)، وأُدخِلت تاء التأنيث عليها من باب المُبالغة، وسُمِّي بهذا الاسم؛ لِما فيه من أمورٍ عظيمةٍ، ومنها: قيام الناس لله -عزّ وجلّ-، ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِالقيامة:1.

اليوم الآخر: 26 مرة: وسُمِّي بهذا الاسم إذ لا يوم بَعده؛ قال -تعالى ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَالتوبة:18.

الدار الآخرة: 09 مرات: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَالقصص:83.

الساعة :39 مرة : بيّن الإمام القرطبيّ أنّ الساعة تدلّ في اللغة على جزءٍ من الزمن دون تحديدٍ، وسُمِّيت القيامة بالساعة؛ إمّا من باب قُرب وقوعها، وإمّا تنبيهاً على ما فيها من أمورٍ عظيمةٍ، وقِيل لأنّها قد تأتي فجأةً في أيّ وقتٍ؛  ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَغافر:59.

يوم البعث :مرتان: وقد سُمِّي بذلك؛ بسبب إحياء الأموات فيه، وإخراجهم من قبورهم؛ قال -تعالى-: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَالروم:56.

يوم الخروج: مرة: وسُمِّي بهذا الاسم؛ لأنّ الناس يخرجون فيه من قبورهم؛ للبَعث؛ ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِق:42.

الآخرة: مرة ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىالأعلى:17.

القارعة: 4 مرات: وسُمِّيت بذلك؛ لأنّها تقرع الناس بما فيها من أحداث، وشدائد؛ ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ القارعة:1-3.

يوم الفصل: 6مرات: وسُمِّي بذلك؛ لأنّ الله يفصل في هذا اليوم بين الخلائق؛ قال -تعالى-: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًاالنبأ:17.

يوم الدين: 10 مرات: ويُقصَد بالدِّين هنا: الجزاء؛ إذ إنّه اليوم الذي يُجازي الله -سبحانه وتعالى- فيه عبادَه على ما قدّموا من أعمالٍ؛ فيُثاب مَن فعل البِرّ، ويُعاقَب مَن ارتكب الشرّ، ولا يُعذّب الله أحداً دون إقامة الحُجّة؛ بإرسال الرُّسُل -عليهم الصلاة والسلام-، وتأييدهم بالكُتُب السماويّة، وبذلك يستحقّ العباد الثواب، أو العقاب؛ قال -تعالى- عن نفسه: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِالفاتحة:1.

الطّآمة: مرة: الطامّة في اللغة: الداهية العظيمة، وعُرِّفت كذلك ب: الأمر الذي لا يُطيقه الشخص، ولا يستطيعه، وسُمِّي يوم القيامة بالطامّة؛ لأنّه يطمّ كلّ شيءٍ؛ أي يضعه فوق بعضه البعض؛ قال -تعالى-:  ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىالنازعات:34.

الصّآخة: مرة: وتُعرَّف بأنّها: الصيحة الشديدة التي تصمّ الأُذن؛ لقُوّتها؛ قال -تعالى-: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُعبس:33.

يوم الحسرة: مرة: الحَسرة في اللغة: أشدّ مراحل النَّدَم، ويوم الحسرة هو: اليوم الذي يكون فيه النَّدَم شديداً، وهو يوم القيامة؛ إذ يرى كلّ عبدٍ حصيلة أعماله،وتكون الحسرة بما يراه أهل النار من منازل أهل الجنّة، فتشتدّ حَسرتهم؛ قال -تعالى-: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَايُؤْمِنُونَمريم:39.

الغاشية : مرة: وسُمِّيت بالغاشية؛ لأنّه يغشى الخلائق بما فيه من أحداث، وشدائد؛ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِالغاشية:1.

يوم الخلود: مرة: إذ إنّه دائمٌ أبديٌّ لا انتهاء له؛ يقول -تعالى- مخاطباً أهل الجنّة ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ:ق:34.

الواقعة: مرتان: قال الضحّاك إنّ الواقعة هي: الصيحة؛ أي النَّفْخ في الصُّور، ويُقصَد بالواقعة أنّ القيامة ليست كاذبةً، ولا رَدّ لها فهي ستقع لا محالة؛  ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُالحاقّة:15.

يوم الحساب: 4 مرات: وسُمِّي بيوم الحساب؛ لأنّ الله -سبحانه- يُحاسب عباده على كلّ ما صدرَ منهم في الحياة الدُّنيا، وقال الإمام القرطبيّ في تفسير معنى الحساب: "معنى الحساب: أنّ الله -عزّ وجلّ- يسجّل ويُحصي ويُعدّد على الخلق أعمالهم من إحسانٍ أو إساءةٍ، ثمّ يعدّد عليهم نعمه التي تقلّبوا فيها: نعمة الخلق والإيجاد، والرزق والإمداد والإسعاد، والهداية والدِّين، ثمّ يقابل بعضها ببعضٍ؛ فما زاد عن الآخر حكم للزائد بحكمه الذي عيّنه له بالخير أو بالشرّ. ﴿ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِص:53.

يوم الوعيد: مرة: أي وقت تحقيق الوعيد الذي ذكره الله -تعالى-؛ بمحاسبة العبد على ما قدَّم لله من أعمالٍ ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِق:20.

يوم الآزفة: مرة: وسُمِّي بذلك؛ لقُربه؛ أي اقتراب وقت وقوعه، يُقال في اللغة: أَزِفَ الرجل؛ أي قرب.﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَغافر:18.

يوم الجمع: 3مرات: وسُمِّي بذلك؛ لأنّ الله يجمع الخلائق كلّها؛ للحساب، والجزاء؛ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِالشورى:7.

يوم التغابن: مرة: وسُمِّي بذلك؛ لِما يكون فيه من الخُسران والضَّعف، وما يكون فيه من تمنّي الأقلّ منزلةً مكان الأعلى منه، وقِيل إنّ يوم القيامة سُمِّي بيوم التغابُن؛ لأنّ الأمور والأشياء تبدو بخِلاف طبيعتها وحقيقتها في الحياة الدُّنيا ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِالتعابن:9.

يوم التلاقِ: مرة: وسُمِّي بذلك؛ بسبب التقاء أهل الأرض مع أهل السماء، كما يُقابل كلّ شخص ما قدَّمه من أعمالٍ في حياته الدُّنيا؛ ليُجازى عليها ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِغافر:15.

يوم التناد: مرة: إمّا أن يُراد به: الفراق والبُعد، أو المُناداة، والنداء الدالّ على رَفْع الصوت؛ ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِغافر:32.

الحآقّة: 3 مرات: إذ تظهر الأمور، والحقائق، وما أُخفِي في الصدور يوم القيامة، فتَحِقّ وتتنزّل بالخلائق ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُالحاقة:1-3.

الدرس رقم: 02

أشراط الساعة

تنسب الأشراط إلى الساعة، وهي الأشراط الصغرى والكبرى للساعة، أي أماراتها وعلاماتها التي تدل على قرب اليوم الآخر. قال تعالى: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ﴾ محمد: 18.

و وقت الساعة من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، قال تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ الأعراف: 187، وفي حديث جبريل: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: متى الساعة؟ قال: ((ما المسؤول عنها بأعلمَ من السائل)).

لكن ثبت في الأحاديث: أنها ستكون في يوم جمعة: ((خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خُلِق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة.)). رواه مسلم في صحيحه.

أشراط الساعة الصغرى:

هي العلامات التي تدلّ على وقوع القيامة إلّا أنّها تسبقها بزمنٍ طويلٍ لتصبح ممّا يعتاد الناس وقوعه.نذكر منها:

1- بِعثة النبي صلى الله عليه وسلم : فهو خاتم الأنبياء وبه انقطع الوحي، قال صلى الله عليه و سلم:«بُعثت أنا والسّاعة كهاتين»ـ وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى وقرن بينهماـ البخاري(ج6/ص206)، مسلم (ج8/ص207-209).

2-انشقاق القمر: قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُالقمر:1.

عَنْ اَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ـ رضي الله عنه اَنَّ اَهْلَ، مَكَّةَ سَاَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اَنْ يُرِيَهُمْ آية، فَاَرَاهُمُ الْقَمَرَ شِقَّتَيْنِ، حَتَّى رَاَوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا‏.‏ صحيح البخاري:  - باب انْشِقَاقِ الْقَمَرِ: 3916. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشِقَّتَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :‏((‏ اشْهَدُوا ‏))‏. صحيح مسلم:  – باب انْشِقَاقِ الْقَمَرِ 7249.

3-ما ورد في حديث جبريل عليه السلام: «...أن تلد الأمة ربّتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان».

4-ظهور نار من الحجاز تضيء لها أعناق الإبل في الشام، خرجت في حدود سنة 654ه،قال صلى الله عليه وسلم :«لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى». صحيح مسلم، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز/2902- ص1328.

5- قبض العلماء وموتهم، وكثرة الزلازل والقتل، وظهور الفتن والبلايا، قال النبي -صلّى الله عليه وسلّم-:(( (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ، وتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، ويَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وتَظْهَرَ الفِتَنُ، ويَكْثُرَ الهَرْجُ -وهو القَتْلُ القَتْلُ- حتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ فَيَفِيضَ .)) البخاري ، عن أبي هريرة، الرقم: 1036.

أشراط الساعة الكبرى

تُعَرَّف علامات الساعة الكُبرى بأنّها الآيات العظيمة الخارقة للعادة، والتي تَظهر مُعلِنةً عن قُرب انتهاء الدنيا، وقيام الساعة، ويُشار إلى أنّ أيّاً منها لم يظهر بعد، ويكون وقوع هذه الآيات مُتتابِعاً؛ أي الواحدة تلو الأخرى ليس بينهما تباعد زمنيّ؛ لقول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (خُروجُ الآياتِ بعضُها على إِثْرِ بعضٍ ، يَتَتَابَعْنَ كما تَتَابَعُ الخَرَزُ في النِّظامِ). رواه الألباني، في صحيح الجامع، عن أبي هريرة، الرقم: 3227.

وترتيب علامات الساعة الكُبرى مسألة اجتهاديّة بين العلماء، لأنّ ترتيب العلامات يختلف من حديثٍ إلى آخر.

وهي عشر آيات دلّت عليها السنّة: فعن حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه  قال: طلع علينارسول الله صلى الله عليه و سلم ونحن نتذاكر، قال: « ما تذاكرون؟» قالوا: نذكر الساعة، قال صلى الله عليه و سلم : «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات» فذكر: «الدخان، الدجال، الدابة، طلوع الشمس من مغربها، نزول عيسى بن مريم  ، يأجوج ومأجوج، ثلاثة خسوف: خسف من مشرق، وخسف من مغرب، وخسف من جزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى المحشر ».( مسلم، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب:في الآيات التي تكون قبل الساعة. الرقم: 2901.)

1-الدخان: يملأ الأرض من المشرق إلى المغرب، ويمكث مدة أربعين يوماً، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ. الدخان: 10.( أبو عبد الله محمد بن فرج شمس الدين القرطبي (1425)، التذكرة بأحوال الموتى وأمور الأخرة (الطبعة الأولى)، الرياض: مكتبة دار المنهاج، صفحة 265.)
2-الدجال:الدجّال هو رجل من بني آدم يدّعي أنّه ربّ العالمين؛ مكّنه الله بقدرات خارقة؛ لامتحان إيمان الناس، ويُسمّى بالمسيح الدجّال؛ لأنّ عينَه اليسرى ممسوحة؛ أي أعور، قال رسول الله: (الدَّجَّالُ مَمْسُوحُ العَيْنِ)، وقِيل لأنّه يمسح الأرض كلّها، ويسير فيها، أمّا دجّال؛ فلأنّه كذّاب ومُحتال. مسلم، عن أنس بن مالك، الرقم: 2933.

ويمكث الدجال في الأرض أربعين يوماً، ويفتن الناس بأن يأمر السماء بالمطر فتمطر، ويأمر الأرض بالنبات فتنبت، وذلك ما قاله النبي للصحابة حين سألوه عن الدجال، قال -عليه الصلاة والسلام-: (أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ، فَذلكَ اليَوْمُ الذي كَسَنَةٍ، أَتَكْفِينَا فيه صَلَاةُ يَومٍ؟ قالَ: لَا، اقْدُرُوا له قَدْرَهُ، قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ، وَما إِسْرَاعُهُ في الأرْضِ؟ قالَ: كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتي علَى القَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ، فيُؤْمِنُونَ به وَيَسْتَجِيبُونَ له، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالأرْضَ فَتُنْبِتُ)، مسلم، عن النواس بن سمعان الأنصاري، الرقم: 2937.

3-نزول المسيح عيسى عليه السلام : إن نزول عيسى -عليه السلام- يكون بعد العلامة السابقة، فهو من العلامات الكبرى .قال تعالى:﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌّالزخرف:61. وقال الرسول صلّى الله عليه وسلّم:( (وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَما فِيهَا، ثُمَّ يقولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾، النساء: 159.)) البخاري، عن أبي هريرة، الرقم: 2222. وقد ثبت أنه ينزل حاكماً بشريعة الإسلام وليس بغيرها من الشرائع زمن المهدي محمد بن عبد الله.

ويكون نزوله عند المنارة البيضاء إلى الشرق من دمشق، كما دلّ على ذلك الحديث الصحيح عن الصحابي النواس بن سمعان -رضي الله عنه- أنّه قال: ((فَيَنْزِلُ عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ علَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وإذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ منه جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ))، مسلم ، الرقم: 2937.

و يقضي عيسى -عليه السلام- على الدجال وفتنته، قال -عليه الصلاة والسلام-: ((فَيَنْزِلُ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فأمَّهُمْ، فإذا رَآهُ عَدُوُّ اللهِ، ذابَ كما يَذُوبُ المِلْحُ في الماءِ، فلوْ تَرَكَهُ لانْذابَ حتَّى يَهْلِكَ، ولَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بيَدِهِ، فيُرِيهِمْ دَمَهُ في حَرْبَتِهِ)) مسلم، عن أبي هريرة، الرقم: 2897.

4-خروج يأجوج ومأجوج:وهما قبيلتان كبيرتان من ذرية آدم عليه السلام، أقام ذو القرنين عليهم سداً بسبب إفسادهم في الأرض، قال تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ وَعدُ رَبّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعدُ رَبّي حَقًّا * وَتَرَكنا بَعضَهُم يَومَئِذٍ يَموجُ في بَعضٍ وَنُفِخَ فِي الصّورِ فَجَمَعناهُم جَمعًا﴾، الكهف: 98-99. ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَالأنبياء:96. ويكون خروجهم بعد نزول عيسى -عليه السلام- وقتله للدجال، ويأذن الله لهم بخرق السدّ؛ فيخرقونه ويخرجون بين الناس، وينتشرون في الأرض، ويشربون مياهها، ويتحصّن الناس منهم، فلا يبقى في الأرض غيرهم، ثم يرمون بِأسهمٍ إلى السماء، فيعيدها الله لهم مليئة بالدماء ليفتنهم، ويبنما هم كذلك يسلّط الله عليهم دوداً في أعناقهم، فيهلكون بسببه.( ابن كثير (2003)، البداية والنهاية (الطبعة الأولى)، مصر: دار هجر للطباعة والنشر ، ص 236، جزء 19.)
5-طلوع الشمس من مغربها:تختلّ حركة الكون بطلوع الشمس من جهة الغرب على غير عادتها التي ألِفَه الخلق عنها؛ وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فإذا طَلَعَتْ فَرَآها النَّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ، فَذلكَ حِينَ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾الأنعام: 158. وتأكيداً على أنّ التوبة لا تنفع حينها، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((ثَلاثٌ إذا خَرَجْنَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجَّالُ، ودابَّةُ الأرْضِ)) مسلم، عن أبي هريرة، الرقم: 158.
6-خروج الدابّة:أخبر بها الله -عزّ وجلّ- وأكّدها النبي -عليه الصلاة والسلام-، إذ قال سبحانه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾،ا لنمل: 82. فتخاطب الدابة الناس، وبها يتميّز أهل الإيمان عن غيرهم. وجاء ذكر الدابة عن حذيفة بن أسيد الغفاري في الحديث السابق. قيل تخرج من مكة وتكلم الناس وتطبع على جبين الكافر(كافر)، وعلى جبين المؤمن(مؤمن).

7-8-9- الخسوفات الثلاثة:تُعَدّ لفظة (الخَسْف) مصدراً للفعل (خَسَفَ)، فَخَسَفَت الأرض؛ أي غارت بمَن عليها، وخَسَفَت به الأرض؛ أي اختفى بداخلها. وهذه الخسوف الثلاثة ليست كغيرها ممّا يَحدُث الآن، فهي أعظم مكاناً وقدراً، وتكون في المشرق، وفي المغرب، وفي جزيرة العرب كما أخبر رسول الله: (وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بالمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بجَزِيرَةِ العَرَبِ).

10- النار التي تخرج الناس إلى محشرهم :اتّفق العلماء على أنّ خروج النار هي آخر علامات الساعة الكُبرى؛ لقول رسول الله: (وَآخِرُ ذلكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ اليَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إلى مَحْشَرِهِمْ) مسلم ، عن حذيفة بن أسيد الغفاري، الرقم: 2901. ويُفهَم من حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّ هذه النار تَخرُج من اليمن، وتَسوق الناس إلى مَحشرهم وهو بلاد الشام؛ لقوله -صلّى الله عليه وسلّم-: (ستَخرُجُ نارٌ من حَضرموتَ أو من نحوِ بحرِ حضرموتَ قبلَ يومِ القيامةِ تَحشُرُ النَّاسَ قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، فما تأمُرُنا؟ فقالَ: عليكُم بالشَّامِ)، وهذه النار ليس الهدف منها إحراق الناس، وإنّما سَوقهم إلى مَحشرهم، فتبقى مُلازمة لهم ليلاً ونهاراً، تبيت معهم وترحل معهم، وتبقى هكذا حتى تَصل بهم إلى الشام، وقد ورد ذلك عن رسول الله بقوله: (ويَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقِيلُ معهُمْ حَيْثُ قالُوا، وتَبِيتُ معهُمْ حَيْثُ باتُوا، وتُصْبِحُ معهُمْ حَيْثُ أصْبَحُوا، وتُمْسِي معهُمْ حَيْثُ أمْسَوْا). (سعيد اللحام (1992م)، علامات الساعة، بيروت: دار الفكر اللبناني، ص104. )

أخبر رسول الله أنّ الساعة لا تقوم إلّا على شرار الخلق، أمّا المؤمنون منهم فيُنجّيهم الله من أهوالها؛ وذلك بإرسال ريح طيّبة تقبض أرواحهم، فلا تظلّ على الأرض نَفْس في قلبها مثقال ذرّة من إيمان؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: ((ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِن قِبَلِ الشَّأْمِ، فلا يَبْقَى علَى وَجْهِ الأرْضِ أَحَدٌ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ، أَوْ إيمَانٍ إلَّا قَبَضَتْهُ، حتَّى لو أنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ في كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عليه، حتَّى تَقْبِضَهُ قالَ: سَمِعْتُهَا مِن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ))، مسلم، عن عبد الله بن عمرو، الرقم: 2940 .

الدرس رقم :03

تفاصيل أحداث اليوم الآخر:

يبدأ اليوم الآخر بالنسبة للإنسان بالموت، أما الكون بما فيه ومن فيه فبقيام الساعة، ثم تستمر الأحداث متتالية حتى الخلود الأبدي في نعيم الجنة أو في عذاب النار.

 1- الموت و الحياة البرزخية: الموت هو قانون عام شامل لجميع الموجودات، قال الله تعالى﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ  العنكبوت: 57.

والموت هو مفارقة الروح للجسد، كما أن الحياة تعني إتصال الروح بالجسد، ومتى فارقت الروح جسد صاحبها فقد مات وانتهى أجله، يقول تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، الأعراف: 34.

والموت حقيقة مشاهدة محسوسة، وكل إنسان يوقن أنه سيموت. يقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ الجمعة: 8. ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ ،الفجر: 27. ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  .يونس: 62 – 64.

 فبالموت ينتقل الإنسان من عالم الدّنيا إلى عالم البرزخ، وفي عالم البرزخ تنكشف للإنسان حقائق لم يكن قد شاهدها أو علم بها قبل الموت.فالإنسان لا يفنى ولا ينعدم بالموت، وإنّما الذي يفنى هو جسده فقط.

تعريف البرزخ لغةً : الحاجز بين الشيئين، المانع من اختلاطهما وامتزاجهما، قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ* بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾، الرحمن: 19-20.
تعريف البرزخ شرعاً: مرحلةٌ ما بعد الموت، وهو ما بين الدنيا والآخرة، ويستمر من وقت الموت إلى البعث عندما يُنفَخ في الصور. قال تعالى﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾المؤمنون : 99-100 

 وجاءت الإشارة إلى الحياة البرزخية في قوله تعالى عن آل فرعون:﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾غافر:  46. و عن قوم نوح : ﴿مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا ﴾ نوح :25.

بالإضافة إلى قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: ((إنَّ القبرَ أوَّلُ منازِلِ الآخرَةِ فإن نجا منهُ فما بعدَه أيسَرُ منهُ وإِن لَم يَنجُ مِنهُ فما بعدَه أشدُّ منهُ))رواه السيوطي، في الجامع الصغير، عن عثمان بن عفان، الرقم: 2079  .

والقبر من أعظم الفتن، وأصعب الأمور التي قد يتخيلها الإنسان، ولذلك كان النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- يستعيذ بالله منه، حيث كان يقول:( (اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِن عذابِ جَهَنَّمَ ومِن عذابِ القبرِ))، رواه الألباني، في صحيح الترمذي، عن عبد الله بن عباس، الرقم: 3494 .

روى هانئ مولى عثمان بن عفان، قال كان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى، حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(( إنَّ القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيت منظراً قط إلا القبر أفظع منه)) . رواه الترمذي (2308)، وابن ماجه (3461)، وأحمد (1/63) (454)، والحاكم (4/366).

وعندما يوضع الميت في القبر فإنه يضمه ضمة لا ينجو منها أحد كبيراً كان أو صغيراً، صالحاً أو طالحاً، فقد جاء في الأحاديث أن القبر ضم سعد بن معاذ، وهو الذي تحرك لموته العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة، لقد ضم ضمة، ثم فرج عنه)). رواه النسائي (4/100)، والطبراني (6/10) (5340).

وجاء في الحديث الذي يرويه البراء بن عازب عن الرسول صلى الله عليه وسلم(( فيأتيه ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه، ويجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن، فذلك حين يقول الله عز وجل﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾إبراهيم: 27، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، وقال في العبد الكافر أو الفاجر: ويأتيه ملكان شديدا الانتهار، فينتهرانه، ويجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه، هاه لا أدري، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيقال: محمد، فيقول: هاه، هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون ذاك، قال: فيقولان: لا دريت ولا تلوت فينادي منادي أن كذب عبدي)) . رواه أبو داود (4753)، وأحمد (4/287) (18557).

ولما كان ما بعد القبر أيسر منه لمن نجا، فإن العبد المؤمن إذا رأى في قبره ما أعد الله له من نعيم يقول:(رب عجل قيام الساعة، كيما أرجع إلى أهلي ومالي). جزء من حديث رواه أبو داود (4753)، وأحمد (4/295) (18637).  والعبد الكافر الفاجر إذا رأى ما أعد الله له من العذاب الشديد فإنه يقول على الرغم مما هو فيه من عذاب (رب لا تقم الساعة.) جزء من حديث رواه أبو داود (4753)، وأحمد (4/295) (18637).

ولا شك أن الأرواح في البرزخ متفاوتة من حيث منازلها؛ و من ذلك:

 أرواح الأنبياء: حيث تكون في أعلى المنازل في عِلِّيّين، في الرفيق الأعلى، فقد سمعت سيدتنا عائشة -رضي الله عنها- رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- حين كان في لحظة الاحتضار، يقول: (اللهم الرفيقَ الأعلى)، البخاري، عن عائشة أم المؤمنين، الرقم: 6348 . وهم متفاوتون في هذه المنزلة أيضاً، أي أنّهم ليسوا جميعاً في المرتبة نفسها، كما رآهم رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- في ليلة الإسراء والمعراج.

 أرواح الشهداء: الشهداء أحياء عند ربهم يُرزَقون، قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)، آل عمران: 169. وسُئِل عبد الله بن مسعود عن تفسير هذه الآية، فقال: سمعنا رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول: (أرواحُهم في جوفِ طيرٍ خُضرٍ، لها قناديلُ مُعلَّقةٌ بالعرشِ، تسرحُ من الجنةِ حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديلِ). مسلم، عن مسروق بن الأجدع بن مالك، الرقم: 1887 .

 أرواح المؤمنين: تكون طيوراً تَعلق في شجر الجنة، وتبقى كذلك إلى حين يبعث الله أجسادهم. كما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (إنَّما نسَمةُ المؤمنِ طائرٌ يُعلَقُ في شجرِ الجنَّةِ، حتَّى يرجعَ إلى جسدِهِ يَومَ يُبعَثُ)، رواه الألباني، في صحيح ابن ماجه، عن كعب الأنصاري، الرقم: 3465 .
 أرواح العصاة: حيث جاءت النصوص تبيّن مصير كل معصية على حِدة، فالذي نام عن الصلاة المكتوبة يُشدَخ رأسه بصخرة، والزُّناة يُعذَّبون في ثقب يشبه التَّنور، ضَيّق من الأعلى واسع من الأسفل، فيه نار من تحته، إلى غير ذلك من صنوف العذاب.

 2- البعث :

بعد حدوث جميع أشراط الساعة يحدث الحدث الأعظم، ألا وهو الانقلاب الكوني حيث تبدل الأرض والسماوات، وتنتهي الحياة الدنيا تماما، وقد ورد ذكر هذا الانقلاب الكوني العظيم في كثير من آي و سور القرآن الكريم :[ التكوير، الانفطار، الانشقاق، الزلزلة، القارعة...]

 قال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ وَإِذَا الْعِشَارُعُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْالتكوير:1-13.

البعث في اللغة: يطلق على معان عدة:

ا-الإرسال: يقال بعثت فلاناً أو ابتعثته أي أرسلته. ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ الأعراف: 103، معناه أرسلنا.

ب-الإيقاظ من النوم: يقال بعثته من نومه إذا أيقظته.

ج-الإثارة: وهو أصل البعث، ومنه قيل للناقة: بعثتها إذا أثرتها وكانت قبل باركة.

د-النشور: بمعنى البسط والانتشار والتقلب، لهذا يسمى يوم البعث يوم النشور، قال تعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُفاطر:9.

البعث اصطلاحا:إحياء الله للموتى وإخراجهم من قبورهم للحساب والجزاء. و يكون بإحياء الأجساد وعودة الأرواح إليها بعد النفخ في الصور النفخة الثانية كما قال الله تعالى :﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِی الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فیهِ أُخْری فَإِذا هُمْ قِیامٌ ینْظُرُون﴾ الزمر: 68. قال ابن كثير : البعث وهو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة. ابن كثير ج4 ص 614. قال الله تعالى:﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾الحج: 6-7. ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ القمر:7.

أدلة القرآن في إثبات البعث:

نهج القرآن الكريم في الاستدلال على البعث، وتحقُّقِ وقوعه منهجاً قوياً، يجمعُ بين ما فُطِرَتْ عليه النفوس من الإيمان،و بين ما تشاهد وتحس ، وبين ما تقرره العقول السليمة، وتلك الطريقةُ التي تميّزَ بها القرآن الكريم .

1-الاستدلال على البعث بالنشأة الأولى: ومعناه أن الإعادة أسهل من البدء : إن الله الذي خلق شيئاً أول مرة يقدر على إعادته. بل هو على إعادته أقدر. وكلٌ عليه هين سبحانه. قال تعالى:  ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ الروم:27. ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا  مريم: 66-67. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ  الواقعة: 62 ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾الأنبياء: 104.فكما خلق الله الإنسان أول مرة : قادر على أن يخلقه مرة أخرى  .

2-الاستدلال على البعث بخلق السماوات والأرض: فإن خلقها أعظم من خلق الإنسان، قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا َعْلَمُونَغافر:57. قال تعالى:﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  الأحقاف: 33. ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا﴾ الإسراء: 99. أخبرنا الله تعالى أن خلق السموات والأرض أكبر من خلقنا، فلا عجب أن يقدر على أن يعيد خلقنا.

3- الاستدلال على البعث بإحياء الأرض بعد موتها وخلق النباتات المختلفة

قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌفصلت:39﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ق: 9 - 11. ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ الروم: 19ووجه الدلالة واضح و هو من الأمور المشاهدة: أرض أصابها الجدب فإذا بأشجارها تيبس بعد نضارتها، وإذا بتلك الأرض هامدة خاشعة مستكينة قد مات منها كل شيء ، فيريد الله إحياءها، فتنزل عليها الأمطار، فإذا بها قد اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، وكأنها لم تكن هي التي كانت ميتة بالأمس قبل أن تمطر، فإذا بثمراتها تؤتي أكلها من كل نوع، وإذا بها تكسى حلة خضراء. فلو كان مستحيلا إعادة الحياة إلى الإنسان مرة أخرى ،لما عادت الحياة إلى النباتات المختلفة بعد موتها لأن المشابهة واضحة في القدرة الإلهية في إعادة الحياتين سيرتهما الأولى.
4-الاستدلال على البعث بإخراج النار من الشجر الأخضر: قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾ يس: 80 .﴿ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ ﴾ الواقعة: 71 ـ 72 وفي الآيتين استدلال بتوليد النار مع حرها ويبسها من الشجر الأخضر مع برده ورطوبته.و الشجر إنما يكون أخضر إذا كان مليئاً بالماء، فمن قدر على إخراج النار من هذا الشجر المليء بالماء قادر على إحياء الأموات من قبورهم. ووجه دلالة النار على البعث أن النار تكمن في الشجر والحجر ثم تظهر بالقدح وتشب بالنفخ، فالحجر، والشجر كالقبر والقدح والنفخ كالنفخة في الصور.( محمَّد محمَّد الصَّلابي، المعجزة الخالدة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، ص  (149 – 150).

 4- الاستدلال على البعث بما وقع من البعث الحسي المشاهد في الحياة الدنيا: وذلك بإحياء الله لبعض الموتى في الحياة الدنيا ليكون ذلك دليلاً على البعث في يوم القيامة كما في الآيات الآتية:
1- قصة العزير – أو غيره ممن ذكرهم علماء التفسير من الخلاف في تعيين المار على تلك القرية   :
قال تعالى: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾  البقرة: 259. 
2- طلب إبراهيم من ربه مشاهدة كيفية إحياء الموتى.قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ البقرة: 260. 
3- موت بني إسرائيل الذين تنطعوا في إيمانهم واشترطوا لذلك أن يروا ربهم، فأخذتهم الصاعقة، ثم بعثهم الله ليريهم قدرته.قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾  البقرة: 55. 
4- إخبار الله عن قتيل بني إسرائيل الذي أعاد الله إليه الحياة بعد ما قتل وأخبر عن قاتله معجزة لنبي الله موسى عليه الصلاة والسلام.فقال تعالى: ﴿ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ البقرة: 73. 
5- إخبار الله تعالى عن إماتة آلاف الناس خرجوا من ديارهم حذر الموت، فأماتهم الله ثم أحياهم. قال تعالى:  ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ البقرة: 24. 
6-ما أخبر الله به عن عيسى عليه السلام  من أنه كان يحيي الموتى بإذن الله . قال تعالى:﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾.آل عمران :49 وهذه الأدلة المتقدمة أدلة مادية حسية، وقعت كلها لتدل على إحياء الموتى بعد مماتهم وهذا برهان قطعي على القدرة الإلهية.

5- الاستدلال على البعث بحصول اليقظة بعد النوم: فإن النوم أخو الموت واليقظة شبيهة بالحياة بعد الموت فنحن كل يوم نموت ونبعث.قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾الأنعام : 60. قال تعالى : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.الزمر :42و.المراد منه الاستدلال بحصول هذه الأحوال على صحة البعث والحشر والنشر كما ذكره الرازي وغيره.

6- الاستدلال على البعث بعدم عبثية الخلق: قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾المؤمنون : 115. و﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ﴾القيامة : 36. و﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ غافر : 58.وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾ السجدة : 18. فعدل الله وحكمته وإحقاقه الحق وإبطاله الباطل وإعطاؤه كل ذي حق حقه وتميزه بين الخبيث والطيب والمحسن والمسيء كل ذلك يأبى إلا أن يكون هناك يوم آخر ينال فيه كل إنسان جزاؤه وما يستحقه من الثواب والعقاب على ما قدم من خير أو شر.

القرآن الكريم في تقرير عقيدة البعث ركز على ثلاث أصول :

أحدها: تقرير كمال علم الرب سبحانه :﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ  قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ  الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ يس: 78 ـــ 80.

ثانيها: تقرير كمال قدرته : ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾يس:81 ــ 82.

ثالثها: تقرير كمال حكمته : ﴿ أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثا وأنّكم إلينا لا ترجعون المؤمنون:115.

الدرس رقم 04

3- الحشر و الحوض و الشفاعة:

الحشر : إطلاق لفظة الحشر على الكثرة والجماعة، مراداً بها جمع الناس في مكان. قال تعالى﴿قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ﴾الشعراء: 36 .

الحشر اصطلاحا : قال الأزهري نقلاً عن الليث: الحشر: حشر يوم القيامة.تهذيب اللغة. (4 / 177).

قال ابن حجر في بيان معنى الحشر:حشر الأموات من قبورهم وغيرها بعد البعث جميعاً إلى الموقف. قال الله عز وجل:﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا  الكهف:47 .(فتح الباري. 4/379 ) .وقال البيجوري: (الحشر عبارة عن سوقهم – أي الناس – جميعاً إلى الموقف وهو الموضع الذي يقفون فيه) .(شرح جوهرة التوحيد. ص 170.) 

ومن الأدلة على حشر الناس يوم القيامة:

قول الله تعالى﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ إبراهيم: 48.قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾ الواقعة: 49- 50. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾يونس :45

وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «يَا عَائِشَةُ الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ». متفق عليه: رواه البخاري (6527)، ومسلم (2859)، واللفظ له.

صفة الحشر: عن حديث المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى يكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه.)) رواه مسلم (2864).

وعن سهلِ بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم(( يحشرُ النَّاسُ يومَ القيامة على أرضٍ بيضاء عفراء كقرصةِ النَّقى ليس فيها معلم لأحد)). رواه البخاري (6521)، ومسلم (2790).

شفاعة الرسول يوم القيامة:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ يَدْعُو بِهَا فَيُسْتَجَابُ لَهُ، فَيُؤْتَاهَا، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» رواه البخاري (6304)، ومسلم (199)، واللفظ له.

يشفع الرسول -عليه الصلاة والسلام- في الخلائق كلّها يوم القيامة عند الله تعالى؛ وذلك حينما يقف الناس يوم القيامة مَوقفاً عصيباً؛ مُنتظِرين الحساب، فيتوسّلون بالأنبياء -عليهم السلام-؛ كي يُعجّل الله الحساب والقضاء بينهم؛ فيتوسّلون بآدم، ثمّ بنوح، ثمّ بإبراهيم، ثمّ بموسى، ثمّ بعيسى، حتى إذا أتوا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم فيقول: "أنا لها، أنا لها". فيشفع لهم في فصل القضاء ، فهذه الشفاعة العظمى، وهي من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وهي من المقام المحمود الذي وعده الله إياه ،  فيشفع حينها لأهل الموقف جميعاً؛ وذلك المقصود بقَوْله تعالى:﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّد بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَن يَبعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحمودًا﴾. الإسراء: 79. عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- من أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- يُقال له يوم القيامة: (سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ). مسلم ، الرقم: 193.
الحوض:

أما الحوض فهو تكرمة الله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم: روى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه و سلم بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما، قلنا: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «لقد أنزلت علي آنفا سورة»، فقرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ثم قال: «أتدرون ما الكوثر؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم في السماء، فيختلج العبد منهم فأقول: ربي إنه من أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدث بعدك» . فيتبين لنا أن ماء الكوثر والحوض شيء واحد، كما جاء في حديث مسلم، وأن أصله في الجنة، فما كان جاريا منه في داخلها فهو ماء الكوثر، وأما ما انصب في خارجها فهو ماء الحوض، و يكون في عرصات يوم القيامة.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال :((إِنَّ قدر حوضي كما بين أَيْلَه وصنعاء من اليمن، وإِنَّ فيه مِنَ الأباريقِ بعدد نجوم السماءِ)).  رواه البخاري (6585)، ومسلم (2303) .

عن  أبي عبيدة عَنْ عائشة رضي الله عنها قال: سألتُها عن قوله تعالى﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾الكوثر:1 قالت نهْرٌ أعطيهِ نبيّكُم صلى الله عليه وسلم شاطئاهُ عليه دُرٌّ مجوَّفٌ آنيته كعدد النجوم.رواه البخاري (4965)

قال النبي صلى الله عليه وسلم :((إنِّي فرطُكُم على الحوض، من مَرَّ عليَّ شرب، ومَنْ شربَ لم يظمأ أبداً. لَيَرِدَنَّ عليَّ أقوامٌ أعرفهم ويعرفونني ثمَّ يحالُ بيني وبينهم.))   رواه البخاري (6583). قال أبو حازم فسمعني النعمان بن أبي عيَّاش فقال: هكذا سمعت مِنْ سهل؟ فقلت: نعم. فقال: أشهَدُ على أبي سعيد الخدري لسمعتُهُ هو يزيدُ فيها : ((فأقول إنَّهم مِنِّي، فيقالُ: إنَّك لا تدري ما أحْدَثُوا بعدك، فأقول سُحْقاً سُحقاُ لمن غير بعدي.)) رواه البخاري (6584).

عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنة، ومنبري على حوضي.)) رواه البخاري (1196).. 

الدرس رقم :05

4-الحساب و الميزان و الصراط:

الحساب :يتقدم الناس للحساب، فمنهم من يحاسب حسابا يسيرا وهو العرض الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: «أما من حوسب يوم القيامة فقد عُذِّب، فقالت: أليس الله عز وجل يقول :﴿فسوف يحاسب حسابا يسيرا؟ قال: إنما ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة فقد عذب»- متفق عليه-

ومنهم من يستنطق ويحاسب على كل صغيرة وكبيرة وإن حاول الكذب أو الكتمان ختم على فمه واستنطقت جوارحه، قال تعالى:﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَيس:65.

و تتطاير الصحف التي كتبتها الملائكة تسجيلا لأعمال البشر في الدنيا، فيأخذ كل إنسان كتابه، فهناك من يأخذه باليمين أو من أمامه، ومنهم من يعطى كتابه بشماله أو من وراء ظهره، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا  وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ  فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًاالانشقاق:7-12. ﴿ وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا  اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ الإسراء :13- 14﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ التكوير: 10.

الميزان : توزن فيه أعمال العباد، ومن معتقد أهل السنة ، أن الميزان له لسان وله كفتان، كما في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «المِيزَانُ لَهُ لِسَانٌ، وَكِفَّتَانِ يُوزَنُ فِيهِ الحَسَنَاتُ، وَالسَّيِّئَاتُ، فَيُؤْتَى بِالحَسَنَاتِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَتُوضَعُ فِي كِفَّةِ المِيزَانِ فَتَثْقُلُ عَلَى السَّيِّئَاتِ». رواه البيهقي في الشعب (1 /447.)

ومن الأدلة:قول الله تعالى﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴾ الأعراف: 8- 9و ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ الأنبياء: 47.و ﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴾ المؤمنون: 102، 103.وقول الله تعالى﴿ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ﴾ القارعة: 6 - 10.

ومن الاختلافات الواردة في الميزان، كيفية وزنه للأعمال، فقيل: يخلق الله الأعمال على هيئة أجسام توزن، وهناك من يرى بأن الإنسان أيضا يوزن هو نفسه، وهناك من قال: توزن الصّحائف التي فيها الأعمال.

ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».

وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي المِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ. » رواه أبو داود (4749)، والترمذي (2003)، وأحمد (27496) .

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، أَنَّهُ كَانَ يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنَ الأَرَاكِ، وَكَانَ دَقِيقَالسَّاقَيْنِ، فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ، فَضَحِكَ القَوْمُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟» قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي المِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ. » رواه أحمد (3991.)

الصراط:  ويطلق على معنيين أحدهما في الدنيا :وهو المنهج الذي شرعه الله لعباده وأمرهم باتباعه والتزامه، وهو المعنى المقصود في قوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَالفاتحة:5.        

أما المعنى الثاني ففي الآخرة: وهو الجسر الذي يمر على جهنم يوم القيامة، فيُجتازه الناس على اختلاف أعمالهم وتفاوت درجاتهم.وهو طريقُ أهلِ المحشرِ لدخولِ الجنةِ. 

ومن أدلته: قول الله تعالى ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ﴾ مريم: 71، 72..قال ابن أبي العز الحنفي: «الأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط». شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (2/ 634). وقوله تعالى :﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَيس:66.

 وقول الله تعالى﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ  الحديد: 12 – 15.

وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنه، أَنَّهَا ذَكَرَتِ النَّارَ فَبَكَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا يُبْكِيكِ؟» قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ فَلَا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا: عِنْدَ المِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ، أَوْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الكِتَابِ حِينَ يُقَالُ:﴿ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ﴾ الحاقة: 19حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ أَفِي يَمِينِهِ، أَمْ فِي شِمَالِهِ، أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ». رواه أبو داود (4755)، والترمذي (2235).

 ويَجُوزُ العبادُ الصراطَ بِقَدْرِ أعمالِهم، فمنهم من يجوزه كالطرف، ومنهم من يجوزه كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب.

فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:.... ثُمَّ يُؤْتَى بِالجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الجَسْرُ؟ قَالَ: «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ( أي تزلق فيه الأقدام )، عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ، وَحَسَكَةٌ (هي شوكة صلبة معروفة) مُفَلْطَحَةٌ( المفلطح: الذي فيه عرض واتساع) لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ(هي حديدة قد لوي طرفها، وفيها انحناء )، تَكُونُ بِنَجْدٍ، يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ، المُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ (أي كلمح البصر) ، وَكَالبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ (أي مدفوع) فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا» رواه البخاري في كتاب التوحيد (7439.)

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(( و يضرب الجسر بين ظهراني جهنم فأكون أنا و أمتي أول من يجيزه و لا يتكلم في ذلك اليوم إلا الرسل و دعوة الرسل يومئذ : اللهم سلم سلم و في جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم السعدان ؟ قالوا : نعم يا رسول الله قال فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمتها إلا الله عز و جل تخطف الناس بأعمالهم فمنهم الموبق بعمله و منهم المجازى حتى ينجى.)) رواه البخاري.

إرسالُ الأمانةِ والرَّحِم: قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: (وتُرْسَلُ الأمانةُ والرَّحِمُ، فتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّراطِ يَمِيناً وشِمَالاً) رواه مسلم، قال ابنُ حجر: (والْمَعْنَى: أنَّ الأمانةَ والرَّحِمَ لِعِظَمِ شَأْنِهِما وفَخَامَةِ ما يَلْزَمُ العبادُ مِنْ رِعايةِ حَقِّهِمَا يُوقَفَانِ هُناكَ للأمينِ والخائنِ والْمُوَاصِلِ والقاطِعِ، فيُحَاجَّانِ عن الْمُحِقِّ ويَشْهَدانِ على الْمُبْطِلِ(.
وإذا تَجاوَزَ المؤمنون الصِّراطحُبسُوا بقنطرةٍ لِيَقْتَصَّ بعضُهُم من بعضٍ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (إذا خَلَصَ المؤمنُونَ مِنَ النَّارِ حُبسُوا بقَنْطَرَةٍ بينَ الجنَّةِ والنَّارِ، فيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كانتْ بينهُمْ في الدُّنيا، حتَّى إذا نُقُّوا وهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بدُخُولِ الجنَّةِ، فوالذي نَفْسُ محمَّدٍ بيَدِهِ، لأَحَدُهُمْ بمَسْكَنِهِ في الجنَّةِ أَدَلُّ بمَنْزِلِهِ كانَ في الدُّنيا) رواه البخاري.

الدرس رقم :06

5-الجنة و النار : قال ابن أبي العز الحنفي: «اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن». شرح العقيدة الطحاوية، (2/ 614).

الجنة: هي دار الثواب التي أعدها الله لأوليائه. وهي موجودة الآنلقول الله تعالى﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  آل عمران: 133. وقول الله تعالى﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ  الحديد: 21.

 وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «اطَّلَعْتُ فِي الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ». رواه البخاري (3241)، ومسلم (2737.)

ولا يدخل الجنة إلا مؤمن.فعنْ عليٍّ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ». رواه الترمذي (3092)، والنسائي (2958)، وأحمد (594).

ومن دخل الجنة، فلا يخرج منها أبدا، ولا يموت فيها. لقول الله تعالى﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ  هود: 108.وقول الله تعالى﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ  آل عمران: 15.وقول الله تعالى:﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  النساء: 13.

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «يُقَالُ لِأَهْلِ الجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ، وَلِأَهْلِ النَّارِ: يَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ». رواه البخاري (6545.)

والجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.قال الله تعالى﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾السجدة: 17.وقال الله تعالى﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ﴾ الرعد: 35.

بعض أوصاف الجنة:

سعتها وطيب ريحها: عرضها كعرض السماوات والأرض، وريحها الطيبة توجد على مسيرة مائة عام، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَآل عمران:133، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« وإن ريحها ليوجد من مسيرة مائة عام». رواه النسائي (8/25) بلفظ: ((أربعين عاما)) بدلاً من ((مائة عام))، والحاكم (2/137)، والبيهقي (8/133) (16260) بلفظ ((ليوجد من كذا و كذا)) بدلاً من ((ليوجد في مسيرة مائة عام)). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في (صحيح سنن النسائي.)

أبوابها: لها ثمانية أبواب، أحدها باب الريان، وهو خاص بالصائمين.

تفاوت درجات أهل الجنة: يتفاوت أهل الجنة بينهم بحسب إيمانهم، وصالح أعمالهم،قال صلى الله عليه وسلم :«إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهما، قالوا يا رسول الله: تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: بلى » البخاري: ج4/145، مسلم: ج8/145. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا النساء:69.

وذكرت الأحاديث أن أهل الجنة يدخلون الجنة على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا، قال صلى الله عليه وسلم: «أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء».البخاري:ج4/160، مسلم: ج8/146.

أعظم نعيم الجنة: هو رؤية الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: «بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ يسطع لهم نور من فوقهم، فرفعوا رؤوسهم فإذا هو الرب جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، فلا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من النعيم ماداموا ينظرون إليه تعالى، حتى يحتجب عنهم، وتبقى فيهم بركته ونوره» [رواه ابن ماجة وغيره، وسكت عنه المنذري: ج4/513].

 النار :هي دار العقاب التي أعدها الله لأعدائه.وهي موجودة الآن. لقول الله تعالى﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ  آل عمران: 131.

والنار هي مأوى الكفاروالمنافقين، ومن شاء الله من عصاة المؤمنين. قال الله تعالى﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا  النساء: 150، 151.وقال الله تعالى﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا  النساء: 145.

 ومن دخل النار من الكفار والمنافقين ، لا يخرج منها، ولا يموت فيها. لقول الله تعال﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ  البقرة: 161، 162وقول الله تعالى﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ  هود: 106، 107. وقول الله تعالى﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ  التوبة: 68وقول الله تعالى﴿ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا  الأحزاب: 64، 65وقول الله تعالى﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ  التغابن: 10.

 وعن عَبْدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي الله عنه، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « يُدْخِلُ اللهُ أَهْلَ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ فَيَقُولُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، كُلٌّ خَالِدٌ فِيمَا هُوَ فِيهِ». رواه البخاري (6544)، ومسلم (2850)، واللفظ له.

 ويشفع النبي صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر من أمته، فيخرجون من النار ،وهذه الشفاعة عامة للملائكة، والأنبياء، والمؤمنين.فعن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، يُسَمَّوْنَ الجَهَنَّمِيِّينَ». رواه مسلم (6566).

بعض أوصاف النار:

جهنم عالم الشقاء الأخروي ذات دركات: أخفها عذابا أعلاها، وأشدها عذابا أسفلها، ولكل دركة  إسمها وبابها الخاص بها، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ الحجر:43-44. وأسفل دركاتها للمنافقين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا النساء:145، وقد وردت أسماء دركات النار في القرآن الكريم كما يلي: نار جهنم، لظى، الحطمة، السعير، سقر، الجحيم، الهاوية.

وهي جزاء عادل من الله لمن كفر وكذب بآياته تعالى ولم يصدق المرسلين، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ الطور :13-16.و صرحت الأحاديث الصحيحة بتفاوت عذاب أهل النار تبعا لتفاوت أعمالهم، وما كسبوا من خير وشر في الدنيا، وذلك مقتضى العدل الإلهي.

ومن أغرب ما يحدث لأهل النار خطبة إبليس فيهم، وذكر ذلك في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ إبراهيم :22.

التنيجة :هذا الوصف التفصيلي للجنة و النار من مقاصده اليقين بعالم الغيب (الجنة والنار) لأن عالم الغيب محجوب يكشف الله عنه ما يشاء بالقرآن ، والحديث الصحيح. و الوصف الدقيق مما يقتضيه الترغيب والترهيب الذي يؤثر على العقل والوجدان،فيميل الناس إلى طلب الجنة بالعمل الصالح، والنفور من النار بالابتعاد عما يدخل إليها.

 

الدرس رقم 07

 الميزان و الحوض و الشفاعة و الصراط بين الفرق الإسلامية:

ذكر الاختلاف فيها :

فأما الحوض :فقد تواترت فيه الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .أورد البخاري في باب: في الحوض، من كتاب الرقاق من صحيحه منها تسعة عشر طريقاً من (6575- 6593).

وذكر الحافظ ابن حجر : أنَّ الصحابةَ فيها يزيدون على خمسين صحابيًّا، ذكر خمسة وعشرين منهم نقلاً عن القاضي عياض، وثلاثة نقلاً عن النووي، وزاد عليهما قريباً من ذلك، فزادوا على الخمسين صحابيًّا...وقال:

"و أنكره الخوارج وبعض المعتزلة ".( ابن حجر، فتح الباري، 11/467-469).

أنكر بعض المعتزلة الحوض بحجج عقلية واهية لا تُعارض بمثلها النصوص المتواترة.فليس عندهم حوض موجود يوم القيامة وإنما هو معنًى من المعاني. قالوا: فكيف يكون الحوض قبل الصراط وبين الناس وبين الجنة جهنم الكبيرة، ويكون الحوض يُغْذَى من الجنة، والصراط على جهنم.

والمعتزلة يُؤَوِّلُونَ الغيبيات على أساس قاعدتهم من تقديم العقل على النّقل: فأنكروا الصراط وأوّلوا الميزان وأوّلوا الصحف وأوّلوا الحوض إلى غير ذلك،وقالواالحوض رمز الخير. 

أما الخوارج والرافضة ( الشيعة ) : فمخالفتهم ليست في إثبات الحوض، ولكن في أنهم جعلوا أحاديث الحوض على غير ما هي عليه من جهة الصحابة رضوان الله عليهم.
فيؤمن الخوارج والرافضة بالحوض لكن يقولون :هؤلاء الذين رُدُّوا هم الصحابة ويحتجون بأحاديث الحوض على تكفير الصحابة.

قال العلماء: إن هؤلاء الذين يذادون عن الحوض، هم الذين ارتدوا بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم الأعراب، الذين لم يثبت الإيمان في قلوبهم، أما الصحابة رضوان الله عليهم الذين رسخ الإيمان في قلوبهم والذين جاهدوا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ولازموه فثبتهم الله. إنما هذه الردة حصلت من بعض الأعراب الذين رأوا النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يلازموه ولم يثبت الإيمان في قلوبهم.و هم نفر قليل ممن قاتلوا مع مسيلمة أو كَفَرُوا بعد إسلامهم من شذاذ الأعراب وطوائف ممن قال الله فيهم : ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾التوبة:101.

و أما الميزان: قال أبو إسحاق الزجاج: «أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان ويميل بالأعمال، وأنكرت المعتزلة الميزان، وقالوا: هو عبارة عن العدل. فخالفوا الكتاب والسنة؛ لأن الله أخبر أنه يضع الموازين لوزن الأعمال؛ ليرى العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين. «  فتح الباري، لابن حجر (13 /538.)

قال ابن فورك: " وأنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها، إذ لا تقوم بأنفسها، فقلنا: وقد روى بعض المتكلمين عن ابن عباس أن الله تعالى يقلب الأعراض أجساما فيزنها، فالله تعالى قادر على أن يخلق الأعمال على شكل أجسام وهيئات توزن."

ويعتقد الإباضية أنه ليس ميزاناً حسيا ، وإنما هو الفصل الحق بين أعمال الخلق . بمعنى تمييزالله تعالى بين الحسن منها والسيئ وأن الله يفصل بين الناس في أمورهم ويقفون عند هذا الحد.

و أما الصراط : وكما أنكر الإباضية الميزان أنكروا كذلك الصراط وقالوا إنه ليس بجسر على ظهر جهنم و إنما هو طريق الإسلام و دين الله الذي ارتضاه لعباده.

والمعتزلة ينفون الصراط الحسي، ويؤلونه إلى طلب التوفيق والرشاد للوصول إلى طريق الله المستقيم والعمل بما جاء بالقرآن.

قال السفاريني: «اتفقت الكلمة على إثبات الصراط في الجملة، لكن أهل الحق يثبتونه على ظاهره من كونه جسرا ممدودا على متن جهنم ..». لوامع الأنوار، للسفاريني (2/ 192.)

و أما الشفاعة : يقول شارح الطحاوية: " والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره في أهل الكبائر." (شرح الطحاوية،ص 181) .

أما الإباضية فإنهم يثبتون الشفاعة ولكن لغير العصاة بل للمتقين، يقول صاحب كتاب الأديان عنهم: " والشفاعة حق للمتقين وليست للعاصين." 

ويقول ابن تيمية في بيان موقف الخوارج من الشفاعة: "وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فزعموا أن شفاعته إنما هي للمؤمنين خاصة في رفع الدرجات ،ومنهم من أنكر الشفاعة مطلقاً ".

ويقول ابن تيمية: وعند الخوارج والمعتزلة أنه لا يشفع لأهل الكبائر، لأن الكبائر لا تغفر ولا يخرجون من النار بعد أن يدخلوها لا بشفاعة ولا بغيرها. (مجموعة الرسائل والمسائل) .(1/ 0 - 1)، (التوسل والوسيلة:ص131).

وقد استند الخوارج في نفيهم الشفاعة إلى آيات من القرآن الكريم أخذوها على ظاهرها، وقصروا معناها على ما يريدون من حكم، غير ملتفتين إلى غيرها من الآيات والأحاديث التي أثبتت الشفاعة. ومن هذه الآيات التي استندوا إليها في نفي الشفاعة:قوله تعالى﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾المدثر: 48، وقوله تعالى:﴿ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾ الشعراء: 100، وقوله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ ﴾البقرة: 254، وأمثال هذه الآيات التي يدل ظاهرها على إبطال الشفاعة . ( ابن حزم ،الفصل. ( 4 / 63 )، (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (1/116).

والواقع أن الآيات التي استدل بها الخوارج على نفي الشفاعة والتي ذكرناها من قبل، إنما تدل على نفي الشفاعة عن أهل الشرك أو نفي الشفاعة التي يثبتها الكفار لشركائهم من الأصنام، أو نفي الشفاعة التي تكون بغير إذن الله ورضاه ، كما تدل على ذلك ظواهر الآيات.

الدرس رقم 08

الجزاء بين الفرق الإسلامية

الجزاء يتضمن الثواب والعقاب،و أساس الجزاء هو العمل الذي قدمه الإنسان إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشرا، (الجزاء من جنس العمل) قال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾الزلزلة:7-8. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ النجم:31.

ويكون الجزاء حسيا ومعنويا بالدخول إلى الجنة أو النار، وهو جزاء عادل يحاسب حتى على الذرة.

والجزاء يقوم على العدل ،و على الرحمة فضلا من الله عز وجل، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ النساء:40.فالعدل جزاء الحسنة بمثلها والرحمة و الفضل جزاء الحسنة بعشر أمثالها وأكثر...ونعيم الجنة أعظم من عمل الإنسان وعبادته ، ونعم الله تعالى على عباده أعظم من طاعاتهم .( نعمة البصر مثلا أعظم من عبادة العبد) و العقاب كذلك هو جزاء وفاقا.

إن الجنة والنار هما العاقبة والمصير الذي لا بد أن تنتهي إليه حياة الإنسان، وهي عاقبة أخيرة ودائمة، وعلى هذا نجد مسألتين لا بد من التحدث عنها وتفصيلهما.

أولا- الجنة والنار شيئان ماديان: هما حقيقتان ماديتان متعلقتان بالنفس والجسم معا، وليستا وهما أو خيالا أو مجازا ولانعيما وعذابا للروح فقط. ويوجد في القرآن الكثير من النصوص القاطعة بأن الجنة والنار حقيقة مادية. ومن ينكر هذا هو من ينكر الحشر والمعاد وعودة الأرواح إلى أجسادها، فلهذا نجد أن القرآن الكريم يصف الجنة والنار بشكل مفصل ومتنوع:

قال تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ الغاشية:8-16.

 قال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾الواقعة:17-34.

فهذه جزئيات في وصف الجنة ونعيمها، تأكيدا على أن نعيمها شيء مادي يعيشه الإنسان بكل حواسه ومشاعره روحا وجسدا، وليس روحيا مجردا.

أما في وصف النار وعذابها وأهلها، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾الغاشية:2-7. ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ الواقعة:41-44.

فهذا التفصيل أيضا دليل على مادية النار وعذابها، تنغمس فيه أجسام الكافرين وحواسهم.

ثانيا - الجنة والنار خالدتان لا تفنيان: أي أن الجنة ونعيمها وما فيها خالد، وأن الناروعذابها وكل ما فيها خالد لا نهاية له، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ الكهف:107-108. قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ الزخرف:74-77.

ومن السنة :ما رواه الشيخان عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وصار أهل النار إلى النار، أُتي بالموت حتى يُجعل بين الجنة والنار، ثم يُذبح، ثم يُنادي منادِ: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم» مسلم /2850، البخاري/6548، فالحديث ينطوي على معنى الخلود للجنة والنار.

غير أن الذين يستقرون في عذاب النار خالدين إنما هم الكافرون بمختلف فئاتهم من مشركين وملاحدة وأهل الكتاب، أما العصاة من المؤمنين بالله ورسله واليوم الآخر فمصيرهم مهما طال بهم العذاب إلى الجنة بمغفرة من الله تعالى.

وقد زعمت اليهود أنهم لا يخلدون في النار، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ البقر: 80. وجاء الرد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ البينة:6، فقسمت الآية الكفار إلى قسمين: أهل الكتاب والمشركين، وشملتهم جميعا بهذا الوعيد، أما المؤمنين العصاة فقال تعالى فيهم: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ هود:107.

فظاهر قوله تعالى :﴿ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ استثناء من الخلود، فهل ينافي ما تقرره الآيات والأحاديث الثابتة في الخلود؟ الجواب: أنه استثناء من قوله ﴿شَقُوا﴾ في الآية الأولى، أي أن جميع الأشقياء خالدين في النار، إلا ما شاء الله منهم ألا يخلدوا فيها، وهم العصاة من أهل الإيمان والتوحيد كما دلت على ذلك أدلة كثيرة.

ولم يأت الاستثناء بصيغة "من" لأن المراد من المستثنى منه العدد المجرد لا الأشخاص بأعيانهم، ومثله قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ النساء:3. فقد عبر الله عن النساء بـ "من" لأن المراد بهن هنا العدد لا الشخص.

والجنة والنار ثبوتهما مما عُلِم من الدين بالضرورة، وهما مخلوقتان الآن بدليل قوله تعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ آل عمران:103.﴿ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ آل عمران:131، والدليل أيضا هبوط آدم من الجنة، ورؤية النبي صلى الله عليه وسلم لها وللنار في حادثة الإسراء والمعراج.

ينكر الخوارج وجود الجنة والنار قبل يوم القيامة، يقولون إن خلقهما لا يتم إلا في الدار الآخرة، وهذا ما ذكره ابن حزم عنهم بقوله: "ذهبت طائفة من المعتزلة والخوارج إلى أن الجنة والنار لم يخلقا بعد". الفصل.4 / 81.

ويقول عن أدلتهم على دعواهم هذه: " وما نعلم لمن قال إنهما لم يخلقا بعد حجة أصلاً أكثر من أن بعضهم قال: قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال وذكر أشياء من أعمال البر من عملها غرس له في الجنة كذا وكذا شجرة، ويقول الله تعالى حاكياً عن امرأة فرعون أنها قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ﴾ قالوا: ولو كانت مخلوقة لم يكن في الدعاء في استئناف البناء والغرس معنى.

وأنكر جماعة من المعتزلة خلق الجنة والنار، وقالوا لا فائدة من خلقهما الآن قبل الثواب والعقاب، وحملوا ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ و ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ على أنها من باب التعبير عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه، وفسروا الجنة في قصة آدم على أنها بستان من بساتين الأرض.

لكن الثابت أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، لقوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ غافر:45-46.﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾نوح:25.

و الأدلة على وجودهما الآن كثيرة جداً من الكتاب والسنة، ومن ذلك قوله تعالى عن الجنة إنها:﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾آل عمران: 133، وعن النار إنها:﴿ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾آل عمران: 131، وقوله تعالى:﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ﴾النجم: 13.

وأما نصوص السنة: فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى ورأى عندها جنة المأوى كما في صحيح البخاري (336) ومسلم (237) واللفظ له من حديث أنس رضي الله عنه في قصة الإسراء، وفي آخره ثم «انطلق بي جبرائيل حتى أتى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ما هي قال: «ثم دخلت الجنة فإذا هي جنابذ [أي قباب] اللؤلؤ وإذا ترابها المسك».

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:" انخسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله علسه وسلم ـ فذكر الحديث ـ وفيه قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إني رأيت الجنة وتناولت عنقودا ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا. ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ...». صحيح البخاري (993) ومسلم ( 1512 ).

و من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا وبكيتم كثيرا . قالوا : وما رأيت يا رسول الله ؟ قال : رأيت الجنة والنار». صحيح مسلم (646).

وحديث فتنة القبر وسؤال الملكين، حيث يرى المؤمن مقعده من الجنة، ويرى الكافر مقعده من النار. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : ((إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة .)) رواه البخاري (1379)، ومسلم (2866).

الدرس رقم 09

البعث و المعاد عند الفلاسفة المسلمين

إن المحشر هو المكان الذي يبعث فيه الناس جميعًا روحًا وجسدًا، والقرآن الكريم يؤكد على هذه الحقيقة وهو يتحدث عن البعث.وإنّ إنكار المعاد وعدم الإيمان بالبعث أمر قديم في تاريخ البشرية، ولعلّ الذي جعل هؤلاء الناس ينكرون البعث أنّ عقولهم لم تتصور إعادة الحياة للأجساد بعد تفرقها وتحللها. والناس في إنكارهم للبعث طوائف: 

-الفلاسفة الدهرية والطبائعية: أنكروا المبدأ والمعاد، وزعموا أنّ الأكوان تتصرف بطبيعتها، توجد وتعدم بنفسها، فليس لها رب يتصرف فيها كما يشاء، بل مجرد أرحام تدفع وأرض تبلع.ومن هؤلاء الشيوعيين وغيرهم من الملاحدة، الذين يعتقدون أن لا حياة إلّا الدنيا.

 فالدهريّة أنكروا البعث، وقالوا: الإنسان ينعدم بموته ولا يكون له عود إلى الوجود.  وهؤلاء الذين أشار إليهم القرآن الكريم في حديثه عن الكافرين : ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ الجاثـية:24

-و النصيرية والدروز:وهما من الفرق الباطنية الشيعية، المرتدة عن الإسلام ،وقد أنكرتا البعث والقيامة، وآمنتا بالتناسخ والتقمص، وهو انتقال الروح من جسد إلى جسد آخر، (إنسان أو حيوان)، واعتبرتا ذلك هو المعاد من النعيم أو العذاب.

-وأمّا الفلاسفة المسلمون  : فقد ذهبوا إلى إنكار البعث الحسي الأخروي،  وأثبتوا البعث الروحي( العقلي )، ومثله إنكار الجزاء الحسي وإثبات الجزاء المعنوي. و قالوا إن ما أخبرت به الرسل من وصف للبعث ولنعيم الجنة وعذاب النار وأحوال أهلهما، فإنما هو أمثال حسية مضروبة لتفهيم العامة من الناس البعث العقلي والجزاء الروحي.

و من المعلوم أن الفلاسفة المسلمون (الكندي، الفرابي، ابن سينا...) تأثروا بالفكر اليوناني وفلاسفته  (سقراط،أرسطو، أفلاطون...)، حيث تعرفوا على الفلسفة اليونانية من خلال حركة الترجمة، التي ازدهرت في عهد المأمون بن هارون الرشيد في العهد الأول للدولة العباسية، حيث ترجمت كتب المنطق والأخلاق والسياسة، بعد ترجمة كتب الرياضيات والزراعة والصناعة والفلك والطب.

قام هؤلاء بدراسة كتب الفلاسفة اليونانيين من مصادرها باللغة السريانية  وترجموها إلى العربية، وشرحوا فلسفاتهم و فهموها ونقدوها ، ولكن تبنوا بعض آرائهم وأفكارهم الفلسفية حول النفس وخلودها ،وحول عالم الشهادة وعالم الغيب، ومثال ذلك نظرية الفيض عند الفرابي والعقول العشرة.

الخلفية الفلسفية لإنكار البعث الحسي:

الإنسان جسم وروح، والجسم مادة كثيفة مظلمة، والروح كيان و جوهر. والروح في البداية تتصل بالجسم، حيث تستخدم حواسه للوصول إلى المعرفة، فلذتها عقلية، أما الجسم فآلامه ولذاته حسية آنية. وعندما تنفصل عن الجسد بالموت لا تفنى، فهي جوهر لا يتفكك ولا يفنى بل إنها خالدة، أما الجسد فيفنى.و الحاصل : تفضيل ما هو روحي على ما هو جسمي، فالروح هي الأساس والجسم هو الآلة.

النقد: - في العقيدة الإسلامية الإنسان ثنائي التركيب من جسم وروح (الجسم:ماء وتراب ( طين ) ، الروح: نفخها الله فيه) ، وميل الفلاسفة إلى تفضيل ماهو روحي على ما هو جسمي لا يقوم على أساس شرعي، فالخطاب الشرعي وكذلك الجزاء موجه للإنسان جسما و روحا ،و ليس إلى أحدهما فقط ، ففيه ثنائية التركيب وفيه توازن بينهما، فلا يطغى أحدهما على الآخر .

-البعث يوم القيامة ودخول الجنة والنار من الغيبيات السمعيات، تلقيناها من الوحي قرآنا وسنة، وهو يذكر أن البعث يكون جسما وروحا، وكذلك الثواب والعقاب، من خلال سور وآيات وأحاديث كثيرة، وصفت البعث والجزاء والعقاب بدقة، وقد أخطأ الفلاسفة في  إقحامهم العقل في عالم الغيبيات، لأن مجال عمله هو عالم الشهادة. وإنكارهم للبعث والجزاء الجسدي وإثباتهم للروحي فقط هو تأويل عقلي يقوم على تأثرهم بالفلسفة اليونانية .

-وهو إنكار لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فمن علم أن الرسول أخبر به وعلم أنه لا يخبر إلا بحق علم بالضرورة أن المعاد الحسي حق.وإبطال لعقيدة الثواب والعقاب في الإسلام،و تكذيب لجملة من أحوال يوم القيامة: كالحشر، والحساب، والصراط، والميزان، والحوض، وكلّ ما أخبر الله تعالى عنه ممّا يكون في يوم القيامة.

وقد أخطأ الفلاسفة المسلمون بسبب اعتمادهم على تقديم العقل على النقل، في ثلاثة مسائل كبرى كفرهم بها أبو حامد الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة) وفي (المنقذ من الضلال) وهي:القول بقدم العالم، وإنكار البعث الحسي ، والقول بأن الله تعالى لا يعلم الجزئيات.

النتيجة : فالبعث هو: المعاد الجسماني فإنه المتبادر عند الإطلاق إذ هو الذي يجب اعتقاده ويكفر منكره. (السفاريني.مختصر اللوامع. ص 387 )        

عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال(جاء العاص بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل ففته بيده فقال يا محمد، يحيي الله هذا بعد ما أرم؟ قال:نعم يبعث الله هذا ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم. فنزلت الآيات من آخر يس:﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾يس:77-79إلى آخر السورة. رواه الطبري في تفسيره (20/554)، والحاكم (2/466)، والضياء في (الأحاديث المختارة (4/108).

وهذا نص صريح في الحشر الجسماني يقلع عرق التأويل بالكلية. ولهذا قال الإمام الرازي: الإنصاف أنه لا يمكن الجمع بين الإيمان بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وبين نفي الحشر الجسماني، فإنه قد ورد في عدة مواضع من القرآن المجيد التصريح به بحيث لا يقبل التأويل أصلا.

إن الله تعالى يأمرإسرافيل: فينفخ في الصور نفخة الصعق فيموت الناس، وهذا هو ابتداء يوم القيامة ، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ النمل : 87 وفي سورة الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ الزمر :68 أولها فزع وآخرها صعق وموت.

 ثم يمكث الناس أربعين، وينزل الله مطرًا تنبت منه أجساد الناس، والجسم يبلى إلا عجب الذنب، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرابُ، إلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ منه خُلِقَ وفيهِ يُرَكَّبُ. » رواه مسلم في صحيحه عن  أبي هريرة رقم 2955 ، وعجب الذنب هو العصعص، وهو آخر فقرة من العمود الفقري عظم صغير ، وأما بقية الجسد فإنه يبلى ويستحيل ترابًا فيعيده الله خلقًا جديدًا، ؛ لأن الله عالم وقادر:﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ﴾ق: 4. ﴿بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ القيامة :4 .

فإذا تكامل خلقهم أذن الله لإسرافيل فينفخ في الصور النفخة الثانية، نفخة الحياة، فتعود الأرواح إلى أجسادها، فيقوم الناس ينفضون التراب عن رؤوسهم.

وإن القرآن المجيد قد بيّن حقيقة الجنة والنار ، إنْ بالتفصيل أو بالإجمال، وفي هذا البيان الذي يصور فيه مشاهد النار والجنة، يؤكد على معية الروح والجسد أثناء البعث بعد الموت، فمن دخل الجنة فإن البشاشة تعلو وجهه، وذلك في إشارة إلى سكينة الروح واطمئنان النفس، كما أنه يلقى ما لذّ وطاب من الأطعمة والأشربة حاضرًا، وترافقه زوجته و الحور العين من حوله، وهذه بطبيعة الحال نِعَمٌ متّصلة بجسد الإنسان.

وفي المقابل فإن مشاعر الندم التي يشعر بها أهل النار، وآلامَ الحسرة التي تدمي ضمائرهم، هي كلُّها روحية لا شك في ذلك؛ ولكن دخولهم النار وتبديل جلودهم المحترقة بجلود غيرها، وشهود أعضائهم على أفعالهم السيئة... هذه كلها ألوان من العذاب الجسدي.

الدرس رقم :10

رؤية الله سبحانه وتعالى بين الفرق الاسلامية

هذه مسألة وقع فيها الخلاف بين جمهور المسلمين من أهل السنة وبعض الفرق الإسلامية،والكلام فيها يتعلق بثلاثة جوانب:

1- هل رؤية الله تعالى ممكنة أم مستحيلة ؟

2-هل دلت الأدلة السمعية على وقوع الرؤية في الآخرة؟

3-هل دلت الأدلة السمعية على وقوعها أو إمكان وقوعها في الدنيا؟

الجانب الأول: هل رؤية الله تعالى ممكنة أم مستحيلة ؟

1- يرى الجهميةِ والمعتزلة، و من تبعهم من الخوارج و الإمامية أن الرؤية غير ممكنة. (ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية (1/ 207.)  .يقول النووي: " زعمت طائفة من أهل البدع المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أن الله تعالى لا يراه أحد من خلقه وأن رؤيته مستحيلة عقلاً. ((شرح النووي.( 3/.15).

2- أجمع جمهور المسلمين من أهل السنة أن الرؤية تدخل في الممكنات وأن العقل لا يحيل ذلك.

أدلة من قال بعدم إمكانية الرؤية مطلقا و الرد عليها :

ذهبت المعتزلة إلى أن العقل لا يجيز رؤية العباد لربهم مطلقا، بينما أجمع جمهور المسلمين من أهل السنة و الجماعة أن الرؤية تدخل في الممكنات وأن العقل لا يحيل ذلك. أما شبهة المعتزلة فخلاصتها أن الرؤية هي انطباع صورة المرئي في الحدقة، ويعني ذلك انحصار المرئي في جهة معينة من المكان، ومن المعلوم يقينا أن الله تعالى ليس جسما ولا تحده الجهات.( كبرى اليقينيات الكونية ، محمد سعيد رمضان البوطي ، ص170).

فذهبوا إلى نفي رؤية الله تعالى عيانا في الدنيا والآخرة، لأن القول برؤية الله تعالى هدم للتنزيه ولو جاز أن يرى في الآخرة لجازت رؤيته الآن. فشروط الرؤية لا تتغير في الدنيا والآخرة. واستدلوا بالسمع:
أولا- قوله تعالى﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ  الأنعام: 103.

-ووجه الدلالة من الآية كما قال عبد الجبار : هو أنه نفى أن يدرك بالأبصار، وقد علمنا أن الإدراك إذا قرن بالبصر أفاد ما تفيده رؤية البصر. ومتى قرن به زال الاحتمال عنه، فاختص بفائدة واحدة وهي الرؤية بالبصر، فإذا صح ذلك فيجب أن يكون﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ﴾ الأنعام: 103  في باب الدلالة على أنه لا يرى، بمنزلة قوله لو قال: لا تراه الأبصار، فثبت أنه نفى عن نفسه إدراك البصر فيتناول جميع الأبصار في جميع الأوقات.(شرح الأصول الخمسة. ص232). (المغني.4/144).

- فإن قيل: قوله تعالى﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ الأنعام: 103  عام في دار الدنيا ودار الآخرة وقوله :﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  القيامة: 22 - 23 خاص في دار الآخرة ومن حق العام أن يحمل على الخاص كما أن من حق المطلق أن يحمل على المقيد. وربما يستدل بهذه الآية ابتداء على أنه تعالى يرى في دار الآخرة.
وجوابنا: أن العام إنما يبنى على الخاص إذا أمكن تخصيصه، وهذه الآية لا تحتمل التخصيص لأنه تعالى يمدح بنفي الرؤية عن نفسه مدحا يرجع إلى ذاته وما كان نفيه مدحا راجعا إلى ذاته كان إثباته نقصا، والنقص لا يجوز على الله تعالى على وجه.وبعد فإن هذه الآية إنما تخصص تلك الآية إذا أفادت أنه تعالى يرى في حال من الحالات وليس في الآية ما يقتضي ذلك لأن النظر ليس هو بمعنى الرؤية، هذا هو الجواب عنه إذا تعلقوا به على هذا الوجه. (شرح الأصول الخمسة.ص233)، المغني. (4/145).

بنى المعتزلة استدلالهم بالآية على وجهين:
الأول:  على أن الإدراك المقرون بالبصر لا يحتمل إلا الرؤية وقد نفي والنفي عام في جميع الأوقات والأزمان.
الثاني: أن الله تمدح بكونه لا يرى وما كان عدمه مدحا كان وجوده نقصا يجب تنزيه الله عنه.
والجواب على الوجه الأول:

-قال ابن حزم:واحتجت المعتزلة بقوله عز وجل﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ هذا لا حجة لهم فيه لأن الله تعالى إنما نفى الإدراك، والإدراك عندنا في اللغة معنى زائد على النظر والرؤية ،وهو معنى الإحاطة ليس هذا المعنى في النظر والرؤية ، فالإدراك منفي عن الله تعالى على كل حال في الدنيا والآخرة، برهان ذلك قول الله عز وجل﴿فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾الشعراء: 61.  وأخبر تعالى أنه رأى بعضهم بعضا فصحت منهم الرؤية لبني إسرائيل ونفى الله الإدراك بقول موسى عليه السلام لهم﴿قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾الشعراء: 61... ولا شك في أن ما نفاه الله تعالى غير الذي أثبته فالإدراك غير الرؤية والحجة لقولنا هو الله تعالى. ((الفصل في الملل والأهواء والنحل. لابن حزم (3/2).

أما الجواب عن الوجه الثاني وهو قولهم: "إن الله تمدح بأن لا يرى."

- قال ابن القيم: (فالنفي يمتنع أن يكون سببا لحصول المدح والثناء، لأن المدح لا يكون إلا بالأوصاف الثبوتية، وأما العدم المحض فليس بكمال، ولا يمدح الرب تبارك وتعالى بالعدم إلا إذا تضمن أمرا وجوديا كتمدحه بنفي السنة والنوم، المتضمن كمال القيومية،... فلو كان المراد بقوله﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ﴾أنه لا يرى بحال لم يكن في ذلك مدح ولا كمال لمشاركة المعدوم له في ذلك فإن العدم الصرف لا يرى ولا تدركه الأبصار. والرب جل جلاله يتعالى أن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض فإذن المعنى أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به... فقوله: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ﴾.الأنعام:103.يدل على غاية عظمته وأنه أكبر من كل شيء وأنه لعظمته لا يدرك بحيث يحاط به فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية.(حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح.لابن القيم (228).

ثانيا- قوله تعالى:﴿ وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الأعراف : 143.

-قال تعالى﴿لَن تَرَانِي﴾ و لَن موضوعة للتأبيد وإذا لم يره موسى أبدا لم يره غيره إجماعا، قال الزمخشري في معنى لَن:إنها لتأكيد النفي الذي تعطيه لا وذلك أن لا تنفي المستقبل تقول: لا أفعل غدا فإذا أكدت نفيها قلت: لن أفعل غدا... فقوله﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ﴾الأنعام:103: نفي للرؤية فيما يستقبل و لَن تَرَانِي تأكيد وبيان. ...فإن قلت: كيف اتصل الاستدراك في قوله﴿ وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ بما قبله؟ قلت: اتصل به على معنى أن النظر إلي محال فلا تطلبه، ولكن عليك بنظر آخر وهو أن تنظر إلى الجبل ...كيف أفعل به. ((الكشاف)) للزمخشري (2/113).

و الجواب :فقولهم: إن لن موضوعة للتأبيد هذا افتراء على اللغة وليس يشهد بصحته كتاب معتبر ولا نقل صحيح -قال جمال الدين بن مالك:ومن رأى النفي بلن مؤبدا              فقوله أردد وخلافه أعضدا

 متن الكافية الشافية في علم العربية لابن مالك (68.)

-قال أبو حامد الغزالي: وأما قوله سبحانه:﴿ لَن تَرَانِي فهو دفع لما التمسه وإنما التمس في الدنيا ،فلو قال أرني أنظر إليك في الآخرة فقال:﴿ لَن تَرَانِي﴾ لكان ذلك دليلا على نفي الرؤية ولكن في حق موسى صلوات الله سبحانه وسلامه عليه على الخصوص لا  على العموم، وما كان أيضا دليلا على الاستحالة ،فكيف وهو جواب على السؤال في الحال. الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص38).

ومن أوجه دلالة الآية على استحالة الرؤية عند المعتزلة : قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام لما أفاق أنه قال﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ ولولا أن طلب الرؤية ذنب لما تاب منه، ولولا أنه ذنب ينافي صحة الإسلام لما قال:﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الزمخشريتُبْتُ إِلَيْكَ من طلب الرؤية ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بأنك لست بمرئي ولا تدرك بشيء من الحواس .الكشاف للزمخشري (2/115).

و الجواب :قال القرطبي: قال مجاهد في قوله:﴿ تُبْتُ إِلَيْكَ من مسألة الرؤية في الدنيا ... وقيل قاله على جهة الإنابة والخشوع له عند ظهور الآيات...وأجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية .الجامع لأحكام القرآن. للقرطبي (7/279).

الجانب الثاني :الأدلة السمعية على وقوع الرؤية في الآخرة

- قال النووي : اعلم أن مذهب أهل السنة بأجمعهم أن رؤية الله تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلا وأجمعوا أيضاً على وقوعها في الآخرة وأن المؤمنين يرون الله تعالى دون الكافرين... وقد تظافرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين ورواها نحو عشرين صحابياً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآيات القرآن فيها مشهورة واعتراضات المبتدعة عليها لها أجوبة مشهورة في كتب المتكلمين من أهل السنة وكذلك باقي شبههم وهي مستقاة في كتب الكلام. (صحيح مسلم بشرح النووي / باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة لربهم) (3 /15).

1- قوله تعالى :﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ القيامة: 22- 23.

-يقول الطحاوي: " والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ القيامة: 22- 23." وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعلمه ، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كما قال ، ومعناه على ما أراد ، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا ، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه ...ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه ، فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية ، منعوت بنعوت الفردانية ، ليس في معناه أحد من البرية ، وتعالى عن الحدود والغايات ، والأركان والأعضاء والأدوات ، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات ."  شرح الطحاوية. ص 129.

- قال القاضي عياض في سيرة الإمام مالك : قال ابن نافع وأشهب  وأحدهما يزيد على الآخر  قلت : يا أبا عبد الله : ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌالقيامة:22  23 ينظرون إلى الله ؟ قال : نعم ، بأعينهم هاتين ، فقلت له : فإن قومًا يقولون : لا يُنظر إلى الله ، إن ناظرة بمعنى منتظرة إلى الثواب ، قال : كذبوا ، بل ينظر إلى الله ، أما سمعت قول موسى عليه السلام : ﴿ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾  (الأعراف:143) ؟ أفترى موسى سأل ربه محالاً ؟ فقال الله : ﴿ لَن تَرَانِي﴾  في الدنيا ؛ لأنها دار فناء ، ولا ينظر إلى ما بقي بما يفنى، فإذا صاروا إلى دار البقاء ، نظروا بما بقي إلى ما بقي ، وقال :﴿ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَالمطففين:15 .

-وقال الإمام أبو الحسن الأشعري: قال الله تعالى: ﴿وجوٌه يومئذٍ ناضرةٌ﴾ يعني مشرقة، ﴿ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ يعني رائية، وليس يخلو النظر من وجوه نحن ذاكروها: إما أن يكون الله سبحانه عنى نظر الاعتبار، كقوله تعالى: ﴿ أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ الغاشية:17 .أو يكون عنى نظر الانتظار، كقوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ يس: 49.أو يكون عنى نظر التعطف، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾آل عمران : 77.  أو يكون عنى نظر الرؤية .  فلا يجوز أن يكون الله عز وجل عنى نظر التفكير والاعتبار؛ لأن الآخرة ليست بدار اعتبار . ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار؛ لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه، كما إذا ذكر أهل اللسان نظر القلب فقالوا: " انظر في هذا الأمر بقلبك "، لم يكن معناه نظر العينين، وكذلك إذا ذكر النظر مع الوجه لم يكن معناه نظر الانتظار؛ الذي يكون للقلب، وأيضا فإن نظر الانتظار لا يكون في الجنة؛ لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير، وأهل الجنة في ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من العيش السليم والنعيم المقيم . وإذا كان هذا هكذا لم يجز أن يكونوا منتظرين؛ لأنهم كلما خطر ببالهم شيء أتوا به مع خطوره ببالهم .وإذا كان ذلك كذلك فلا يجوز أن يكون الله عز وجل أراد نظر التعطف؛ لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم . وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر، وهو أن معنى قوله: ﴿ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ أنها رائية ترى ربها عز وجل .( كتاب الإبانة عن أصول الديانة – لأبي الحسن الأشعري ).

2- قوله تعالى﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ   الأنعام: 103

-  ينفي الإدراك والإحاطة وليس الرؤية.قال أبو بكر الآجُرِّي: (إن قال قائل: فما تأويل قوله عز وجل: لا تُدركه الأبصارُ قيل له: معناها عند أهل العلم: أي: لا تحيط به الأبصار، ولا تحويه عز وجل، وهم يرونه من غير إدراك ولا يشكُّون في رؤيته؛ كما يقول الرجل: "رأيت السماء"، وهو صادق، ولم يُحِط بصرُه بكل السماء، ولم يدركها. (الشريعة . (2 /1048).

3- قوله تعالى :﴿ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ المطففين:15.

-وجه الدلالة أن الله سبحانه وتعالى أخبر أن الكفار محجوبون عن الله فلا يرونه فدل على أن أولياءه يرونه، وإلا لو كان المؤمنون لا يرونه لتساووا هم والكفار في الحجب. قال الشافعي: (لَمَّا حُجب هؤلاء في حال السخط، دلَّ على أنَّ المؤمنين يرونه في حال الرِّضَى)، يقول الدرامي: ( ففي هذا دليل أن الكفار كلهم محجوبون عن النظر إلى الرحمن عز وعلا، وأن أهل الجنة غير محجوبين عنه. (الرد على الجهمية.ص 45.

 4- قوله تعالى :﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ يونس: 26.

 الحُسنَى: الجنَّة، والزيادة: النَّظرُ إلى وجه الله عز وجل، فسَّرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما في صحيح مسلم (297) عن صُهيب رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخل أهلُ الجنَّة الجنَّة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدُكم؟ فيقولون: ألَم تبيِّض وجوهَنا؟ ألَم تُدخلنا الجنَّة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أُعطُوا شيئاً أحبَّ إليهم من النظر إلى ربِّهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية :﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾.))

 5- قوله تعالى﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾  ق: 35.

فسرها أنس بن مالك :( بأن الله يتجلى لهم كل جمعة). الرد على الجهمية. الدارمي،(ص 53 ).

6- وأما السنة فالأحاديث فيها متواترة :

رواها نحو ثلاثين صحابيًا فهي متواترة في الصحاح والسنن والمسانيد ساقها العلامة ابن القيم -رحمه الله- في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ومن المعلوم أن المتواتر يفيد العلم القطعي فلا تجوز مخالفته.و من أمثلتها:

ا- ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: « أن ناسًا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال -عليه الصلاة والسلام-: هل تضامون في رؤية القمر ليلة البدر قالوا: لا يا رسول الله قال: هل تضامون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب قالوا: لا يا رسول الله قال: فإنكم ترونه كذلك » البخاري : الأذان (806) ، ومسلم : الإيمان (183) ، وأحمد (2/275) ، والدارمي : الرقاق (2801.)

ب-ما ثبت في الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: « كنا جلوسا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم ترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته ». البخاري : مواقيت الصلاة (554) ، ومسلم : المساجد ومواضع الصلاة (633) ، والترمذي : صفة الجنة (2551) ، وأبو داود : السنة (4729) ، وابن ماجه : المقدمة (177) ، وأحمد (4/360.)

 ج- حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « وجنتان من فضة آنيتها وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن يروا ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن »البخاري : تفسير القرآن (4880) ، ومسلم : الإيمان (180) ، وابن ماجه : المقدمة (186) ، وأحمد (4/416) ، والدارمي : الرقاق (2822.)

د- حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه وفيه: « وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له فيقول: ألم أبعث إليك رسولًا فيبلغك؟ فيقول: بلى يا رب فيقول: ألم أعطك مالًا وأتفضل عليك؟ فيقول: بلى يا رب »البخاري ، كتاب الزكاة باب الصدقة قبل الرد رقم (1413) .

ه- ما ثبت في صحيح مسلم من حديث صهيب الرومي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إذا أدخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم موعدا عند الله يريد أن ينْجزكموه فيقولون: ما هو؟، ألم يبيض وجوهنا؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: بلى فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة »مسلم : الإيمان (181) ، والترمذي : تفسير القرآن (3105) ، وابن ماجه : المقدمة (187) ، وأحمد (6/15.)

الجانب الثالث : هل دلت الأدلة السمعية على وقوعها أو إمكان وقوعها في الدنيا؟

1-رؤية الله جل وعلا في الدنيا وإن كانت جائزة عقلًا لكنها غير واقعة شرعًا:

جاء السمع بنفي رؤية الله تعالى عن الناس قبل الموت، وذلك في لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في معرض التحذير من الدَّجَّال: ((تَعَلَّمُوا أَنَّه لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَمُوتَ)) أخرجه مسلم كتاب «الفتن» وأشراط الساعة: (7356)، والترمذي كتاب «الفتن»، باب ما جاء في علامة الدجال: (2235)، وأحمد في «المسند»: (23160)، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

-قال النووي رحمه الله مبينًا هذا المعنى: (أما رؤية الله في الدنيا، فقد قدمنا أنها ممكنة، ولكن الجمهور من السلف والخلف من المتكلمين وغيرهم أنها لا تقع في الدنيا). (شرح صحيح مسلم للنووي (1 /320.)

- وقال ابن تيمية: (وإنما لم نره في الدنيا لعجز أبصارنا، لا لامتناع الرؤيا، فهذه الشمس إذا حدق الرائي البصر في شعاعها، ضعُف عن رؤيتها لا لامتناع في ذات المرئي، بل لعجز الرائي، فإذا كان في الدار الآخرة أكمل الله قوى الآدميين حتى أطاقهم رؤيته، ولهذا لما تجلى الله للجبل خرَّ موسى صعقًا قال: سبحانك تبتُ إليك، وأنا أول المؤمنين بأنه لا يراك حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده.( منهاج السنة النبوية) (2 /332).

2-هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه في الإسراء و المعراج ؟

حكى القاضي عياض في كتابه " الشفا " اختلاف الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم في رؤيته صلى الله عليه وسلم .منهم من نفى رؤيته بالعين و منهم من أثبتها له .شرح الطحاوية. (1 /222) .وقد اختلف أهل السنة على ثلاثة أقوال.

القول الأول - من نفى الرؤية مطلقًا:

واستدلوا بقول عائشة رضي الله عنها عن مسروق قال: كنت متكئًا عند عائشة رضي الله عنها، فقالت: (ثلاث من تكلم بواحدة منهنَّ، فقد أعظم على الله الفرية، من زعم أن محمدًا رأى ربه، فقد أعظم الفرية على الله، قال: وكنت متكئًا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين، أنظريني ولا تعجليني: ألم يقل الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ﴾ التكوير: 23، ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾ النجم: 13، فقالت: (أنا أول هذه الأمة، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء، سادًّا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض، فقالت: ألم تسمع أن الله يقول: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾ الأنعام: 10، أو لم تسمع أن الله يقول: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ الشورى: 51. رواه مسلم (428).

-وبقول ابن مسعود رضي الله عنه عن زر بن عبدالله بن حبيش، في قوله تعالى﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾ النجم: 13، قال: (رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته، له ستمائة جناح. )رواه البخاري (3232)، ومسلم (431).

وقد جاء -صريحًا- نفي الرؤية البصرية في حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ؟ أخرجه مسلم، كتاب الإيمان: (443)، وأحمد في المسند: (21017.)

القول الثاني - أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج في السماء بعينى رأسه:

واستدلوا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: ((رَأَيْتُ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى)) أخرجه أحمد في المسند: 2629، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 250): «رواه أَحمد، ورجاله رجال الصحيح»، وصححه الألباني في «صحيح الجامع»:(3466.)

واستدلوا بقول ابن عباس رضي الله عنهما:( أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم). أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (1 /192)، وقال الألباني: إسناده صحيح على شرط البخاري.

القول الثالث- من قيدها بالرؤية القلبية:

واستدلوا بقول ابن عباس رضي الله عنهما بعد ذكره لقوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ النجم: 11، و قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾ النجم: 13، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه بقلبه). رواه مسلم ،كتاب الإيمان (435).وقال: رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ. (مسلم، كتاب الإيمان (437.)

التعليق على الأقوال السابقة:

قال ابن كثير: (وفي رواية عنه - يعني ابن عباس - أطلق الرؤية، وهي محمولة على المقيدة بالفؤاد، ومن روى عنه بالبصر فقد أغرب، فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة رضي الله عنهم. (تفسير ابن كثير. (7 / 448).

وعلق ابن تيمية بقوله: (وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل).( مجموع الفتاوى ، 6/509)

وقال ابن حجر: "جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة، وأخرى مقيدة فيجب حمل مطلقها على مقيدها... وعلى هذا فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن يحمل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب، ثم المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب، لا مجرد حصول العلم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان عالما بالله على الدوام، بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه: أن الرؤية التي حصلت له خلقت في قلبه. "  فتح الباري 8/474

 والتحقيق في هذه المسألة:

-هو التوقف :لعدم المرَجِّح من الأدلة، وتكافؤ ما ورد منها.قال القاضي عياض: "وأما وجوبه لنبينا صلى الله عليه وسلم والقول: إنه رآه بعينه، فليس فيه قاطع أيضًا ولا نص، إذ المعول على آية النجم والتنازع فيهما مأثور والاحتمال لهما ممكن." الشفا (1/261).

قال القرطبي : "وذهبت طائفة من المشايخ إلى الوقف، وقالوا: ليس عليه قاطع نفيًا ولا إثباتًا، ولكنه جائز عقلاً وهذا هو الصحيح." وقال في موضع آخر: "... ثم هل وقعت رؤية الله -تعالى- لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء أو لم تقع؟ ليس في ذلك دليل قاطع، وغاية ما للمستدل على نفي ذلك أو إثباته التمسك بظواهر متعارضة معرّضة للتأويل، والمسألة ليست من باب العمليات فيكتفى فيها بالظنون، وإنما هي من باب المعتقدات ولا مدخل للظنون فيها."

المفهم 1/ 401-403.
و هناك من رجح عدم الرؤية :قال القاضي ابن أبي العز الدمشقي: " وهذا القول الذي قاله القاضي عياض رحمه الله هو الحق ، فإن الرؤية في الدنيا ممكنة؛ إذ لو لم تكن ممكنة لما سألها موسى عليه السلام، لكن لم يرد نص بأنه صلى الله عليه و سلم رأى ربه بعيني رأسه .بل ورد ما يدل على نفي الرؤية وهو ما رواه  مسلم في صحيحه عن أبي ذر قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلمهل رأيت ربك؟ فقال: "نور أنَّى آراه". مسلم : الإيمان (178) ، والترمذي : تفسير القرآن (3282) ، وأحمد (5/57 ). شرح الطحاوية.(1 /223-224).

الخلاصة : أن رؤية الله سبحانه وتعالى بالأبصار جائزة عقلًا في الدنيا والآخرة، وأما شرعًا: فهي جائزة وواقعة في الآخرة وممتنعة في الدنيا .و أنه لم يرد في السمع إلا ما يدل على الرؤية في الآخرة.و الله أعلم .